بيدرو كاناليس، لصالح LeMed24

اتحدت أكبر المركزيات النقابية في إسبانيا، وهي اللجان العمالية (CCOO) ذات الأصول الشيوعية، والاتحاد العام للعمال (UGT) ذي التوجه الاشتراكي، مع المقترح الذي تقدمت به نقابة المستأجرين لتنظيم إضراب عام في البلاد يوم 11 نوفمبر.

ويأتي هذا التحرك بسبب أزمة السكن، وذلك قبل يومين فقط من انطلاق الحملة الانتخابية للانتخابات المقررة في 29 نوفمبر، والتي دعا إليها رئيس الحكومة بيدرو سانشيز بعد حل البرلمان بغرفتيه، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وتقديم موعد الانتخابات التي كانت مقررة في الأصل سنة 2027.

المثير للدهشة في الدعوة إلى هذا الإضراب العام هو أنه لا يأتي لأسباب عمالية، وإنما لأسباب سياسية. فقد وصفت نائبة رئيس الحكومة السابقة، ماريا خيسوس مونتيرو، التي اضطرت إلى مغادرة منصبها في الحكومة للترشح على رأس قائمة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) في الانتخابات الجهوية في الأندلس خلال مايو الماضي، والتي خسرتها، هذا التحرك بأنه «سابقة»، مؤكدة أنه يُنظم «ضد المعارضة».

أي أننا أمام إضراب عام سياسي ضد المعارضة للحكومة الحالية التي يرأسها بيدرو سانشيز، وهو أمر لم يحدث من قبل في التاريخ الحديث لإسبانيا.

ومنذ وفاة الجنرال فرانكو وبدء مرحلة الانتقال الديمقراطي، شهدت إسبانيا سبعة إضرابات عامة، كانت جميعها ذات أهداف عمالية. وقد دعت النقابتان الرئيسيتان، CCOO وUGT، إلى ستة منها، بينما كان الإضراب الأول عام 1985 من تنظيم اللجان العمالية وحدها.

وكانت الإضرابات العامة السبعة، أربعة منها ضد إصلاحات سوق العمل التي أقرتها حكومات اشتراكية، وثلاثة ضد السياسات العمالية لحكومات حزب الشعب، تحمل إلى حد ما طابعاً سياسياً، لكن دوافعها كانت دائماً عمالية.

أما هذه المرة، فإن سبب الدعوة هو «سياسة السكن»، ولكن ليس السياسة التي تنتهجها الحكومة، وإنما السياسة التي تتوقعها المعارضة. وبالتالي، فإن الأمر لا يتعلق بإضراب احتجاجاً على إجراءات أو وقائع محددة، وإنما على افتراضات وتوقعات.

ثلاث نقابات كبرى ترفض المشاركة

في المقابل، أعلنت ثلاث نقابات تتمتع بتمثيلية واسعة أنها لن تشارك في إضراب 11 نوفمبر.

وهي:

  • CSIF، وهي المركزية النقابية المستقلة لموظفي الدولة، وتعد الأكبر بين موظفي القطاع العام.
  • USO، الاتحاد النقابي العمالي الذي تأسس عام 1961، والذي يختلف عن CCOO وUGT بكونه يعتمد على التمويل الذاتي ولا يعتمد على مساعدات الدولة.
  • FETICO، وهي نقابة مستقلة تنشط في قطاعات التجارة الصغيرة والضيافة والخدمات، وترفض، مثل USO، التمويل الخارجي.

وتضم النقابات الثلاث التي رفضت الانضمام إلى الدعوة أكثر من نصف مليون منخرط، مقابل نحو مليوني منخرط لدى النقابتين الرئيسيتين، وفقاً لتقديراتها الخاصة. كما يوجد نحو نصف مليون منخرط آخرين لدى نقابات صغيرة لم تتخذ موقفاً بعد.

569 مليون يورو من المساعدات الحكومية

منذ وصول بيدرو سانشيز إلى رئاسة الحكومة، حصلت المركزيتان النقابيتان على 569 مليون يورو من المساعدات العامة لفروعهما واتحاداتها ومؤسساتهما التابعة.

وتشير المعطيات الواردة في المقال إلى أن النقابة الاشتراكية، رغم كونها الأقل عدداً من حيث المنخرطين، تحصل على مساعدات أكبر.

كما أقرت حكومة بيدرو سانشيز مؤخراً مخصصات إجمالية بقيمة 32 مليون يورو سنوياً كدعم للنقابات، أي أربعة أضعاف ما كانت تحصل عليه خلال عهد الحكومة المحافظة السابقة برئاسة ماريانو راخوي.

ويرى المقال أن هذه الأرقام تفسر، بحد ذاتها، ولاء النقابات المستفيدة من الدعم الحكومي للحكومة الاشتراكية.

أزمة السكن تشعل الاحتجاجات

تتمثل القضية الرئيسية التي تقف وراء الدعوة إلى الإضراب العام في أزمة السكن في إسبانيا، والتي تفجرت عقب إخلاء المسكن من السيدة المسنة ماريا ديل كارمن أباسكال في مدريد، والتي توفيت لاحقاً في المستشفى في ظروف مأساوية.

وشهدت إسبانيا هذا العام أكثر من 4 آلاف عملية إخلاء قسري للمساكن، وكانت كتالونيا المنطقة الأكثر تضرراً، بـ 921 حالة، تليها فالنسيا بـ 741 حالة، ثم الأندلس بـ 616 حالة، ومدريد بـ 582 حالة.

وبالتوازي مع تفاقم أزمة السكن، ظهرت مخيمات احتجاجية في عدد كبير من المدن الإسبانية، وكانت أبرزها وأكثرها رمزية تلك المقامة في ساحة بويرتا ديل سول في مدريد.

وأعلنت نقابة المستأجرين، وهي المنظمة التي تقف وراء هذه المخيمات والتي انضمت إليها عشرات المجموعات الطلابية والاجتماعية ومجموعات الأحياء، أنها لن تنهي الاعتصام إلى أن يتم تحديد موعد ثابت للإضراب العام الذي تطالب به.

وبعد تحديد الموعد، تعتزم نقابة المستأجرين مواصلة تحركاتها في وسط العاصمة الإسبانية، والتي امتدت الآن إلى الشوارع المجاورة وأحياء أخرى في مدريد.

مخاوف من تحول الاحتجاجات إلى مواجهة سياسية

وكما أصبح الطابع السياسي للدعوة إلى الإضراب العام واضحاً، باعتباره تحركاً «دعماً للحكومة وضد المعارضة»، فإن الاعتصامات نفسها أخذت منحى سياسياً أيضاً.

ولا يُستبعد أن يواصل المحتجون تحركاتهم حتى موعد الحملة الانتخابية، التي تبدأ في 13 نوفمبر، مع وجود نحو ألفي خيمة منصوبة في قلب العاصمة مدريد، وهو ما يثير مخاوف من اندلاع أعمال عنف.

وربما ليس من قبيل المصادفة، بحسب المقال، أن تكون نقابة المستأجرين قد حصلت على مساعدات سخية من مؤسسة جورج سوروس ومن عدد من الجهات التابعة لها في أوروبا وإسبانيا.

المشكلة الحقيقية: نقص المساكن

يرى المقال أن جوهر أزمة السكن في إسبانيا لا يكمن في عمليات الإخلاء وحدها، ولا في الارتفاع الكبير والمثير للجدل في أسعار الإيجارات، ولا في انتشار الشركات العقارية التي تستحوذ على الشقق والفيلات الفاخرة والمجمعات السكنية التي أصبحت خارج متناول ملايين الشباب والعائلات الباحثة عن مسكن.

ويقر المقال بوجود هذه المشكلات، وبأنها غالباً ما تكون مؤلمة، وتحتاج إلى تشريعات قانونية تحمي حقوق الأغلبية.

لكن المشكلة الحقيقية، وفقاً للمقال، هي عدم وجود عدد كافٍ من المساكن، وأن الحكومة الحالية برئاسة بيدرو سانشيز لم تبنِ العدد اللازم من الوحدات السكنية.

وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، تم الانتهاء في إسبانيا من بناء نحو 300 ألف وحدة سكنية، أقل من 5% منها مخصصة للسكن الاجتماعي أو المدعوم.

أما في فرنسا، ورغم التراجع الكبير في عدد المساكن التي تم بناؤها، فقد تجاوز العدد 750 ألف وحدة سكنية خلال الفترة نفسها، من بينها نحو 320 ألف وحدة للسكن الاجتماعي.

الحكومة تلقي المسؤولية على «الصناديق الانتهازية» والمعارضة

تلقي الحكومة باللوم في أزمة السكن على ما تسميه «الصناديق الانتهازية» وعلى المعارضة.

وتتمثل هذه الكيانات، بحسب المقال، بشكل رئيسي في صناديق الاستثمار.

فقد استثمر صندوق الاستثمار الأمريكي بلاك روك (BlackRock) نحو 105 مليارات يورو في إسبانيا، بينما استثمر صندوق بلاكستون (Blackstone) نحو 23 مليار يورو أخرى.

وكان قطاعا العقارات والخدمات من بين أولويات استثمارات الصندوقين.

وقد اجتمع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أربع مرات مع لاري فينك، رئيس بلاك روك، كما عقد اجتماعاً مغلقاً مع ستيفن شوارزمان، رئيس بلاكستون، في نيويورك، إضافة إلى لقاءات عديدة أخرى مع كبار مديري صناديق الاستثمار الدولية خلال منتدى دافوس.

ولم يوضح رئيس الحكومة الإسبانية قط مضمون لقاءاته مع كبار المستثمرين، ولا الالتزامات التي توصلت إليها الحكومة مع ما تسميه «الصناديق الانتهازية».

لكن النتيجة، بحسب المقال، هي أن إسبانيا تعاني اليوم من أزمة سكن هيكلية، وأن هذا الفشل لا يمكن بأي حال من الأحوال تحميل مسؤوليته للمعارضة.

بلاك روك

لاري فينك يدير شركة بلاك روك.

حجم الاستثمارات: 105 مليارات يورو.

عملية ماريا دي مولينا 50

تشير المعلومات الواردة في المقال إلى عملية مرتبطة بالعقار الواقع في ماريا دي مولينا 50، وهو المقر السابق لوزارة المالية، بالتعاون مع مجموعة لار (Grupo Lar)، بقيمة تقارب 200 مليون يورو.

ومن المقرر تخصيص العقار لإقامة طلابية تضم 400 مقعد، إضافة إلى 150 وحدة سكنية فاخرة.

عجز متوقع يبلغ 900 ألف مسكن

وفقاً للإحصاءات المنشورة من قبل الجهات المختصة والمؤسسات العامة في إسبانيا، يُتوقع أن يصل العجز التراكمي في المساكن بحلول عام 2027 إلى نحو 900 ألف وحدة سكنية على مستوى البلاد.

وطالما استمر هذا التوتر بين العرض والطلب في سوق العقارات، فإن المآسي العائلية الناتجة عن عمليات الإخلاء، وكذلك انسداد الأفق أمام مئات الآلاف من الشباب الذين يدخلون سوق العمل أو يحاولون دخوله ولا يجدون مسكناً، فإن مشكلة السكن ستظل قائمة دون حل.

ويخلص المقال إلى أن «عملية الإضراب العام في 29 نوفمبر» ليست في نهاية المطاف سوى محاولة لتجميل المشكلة وصرف الانتباه عنها، لأهداف انتخابية بحتة، وفق ما تؤكده وسائل إعلام إيبيرية مختلفة.