تتقن السلطة الجزائرية فنَّ الطقوس الوطنية إتقانًا راسخًا. فهي تعرف كيف تستدعي الأمة، وتستميل أبناءها في المنفى، وتحتفي بالعلماء، وتصفّق للمهندسين، وتحيّي الأطباء، وتتودّد إلى الباحثين، وتمجّد الأكاديميين، وتَعِد أبناء الوطن المنتشرين في مختلف أنحاء العالم بمكانة مشرّفة في إطار «الجهد الوطني» الكبير. وتأتي البيانات الرسمية بوقار بارد يعكس ثقة الإدارات بنفسها. الكلمات منتقاة، والعبارات مصاغة بعناية، والوطن يتحوّل فيها إلى مسرح، والجالية إلى ديكور، والكفاءات إلى موارد ينبغي تعبئتها.
أطلق الرئيس عبد المجيد تبون مؤخرًا نداءً جديدًا لاستقطاب الكفاءات الجزائرية المقيمة في الخارج، بالتزامن مع مصادقة مجلس الوزراء على إنشاء مجلس أعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج. ومن المفترض أن تكون هذه الهيئة استشارية، تحت وصاية رئاسة الجمهورية، وأن تتولى إشراك العلماء والأكاديميين والخبراء الجزائريين في مختلف أنحاء العالم في مسار تنمية البلاد.
النية المعلنة نبيلة. فمن يستطيع، من حيث المبدأ، أن يعارض فكرة تعبئة العقول الجزائرية المنتشرة في العالم؟ وأي أمة ترفض المصالحة مع أبنائها الذين تلقّوا تكوينهم في الجامعات والمختبرات والمستشفيات والشركات والمؤسسات الدولية؟ وأي جزائر صادقة لا تحلم بأن تسهم كفاءاتها في إعادة بناء اقتصاد البلاد وقدراتها العلمية والتكنولوجية؟
لكن خلف نبل الكلمات يقف تناقض هائل إلى درجة أنه يقوّض الخطاب الرسمي برمّته.
كيف يمكن استدعاء الكفاءات في الوقت الذي تُكمَّم فيه الأفواه الحرة؟ وكيف يمكن دعوة العلماء إلى المشاركة في التنمية الوطنية، بينما يتعرض المواطنون المنتقدون للملاحقة والمراقبة والمنع من السفر، بل ويُزج ببعضهم في السجون؟ وكيف يمكن مطالبة الجالية بالعودة لبناء البلاد، في حين يُعامل الحق الأساسي في قول «لا»، والاعتراض والتساؤل والنقد، باعتباره تهديدًا للدولة؟ وكيف يمكن الرغبة في استقطاب العقول الحرة من الخارج، مع الإبقاء داخل البلاد على مناخ أمني يشكّ في كل استقلالية فكرية؟
هنا تكمن العقدة الأساسية.
فالجالية الجزائرية التي تدّعي السلطة التودّد إليها لا تعيش في عالم من الشعارات الوطنية المجردة. إنها تعيش في مجتمعات تخضع فيها الإدارة، رغم بطئها ونقائصها، لإجراءات واضحة ومفهومة؛ وتكون فيها العقود ملزمة؛ ويمكن فيها الطعن في القرارات العامة؛ وتحظى فيها الجامعة، من حيث المبدأ على الأقل، بالحماية اللازمة للحرية الأكاديمية؛ ولا تكون فيها الشركات رهينة مزاج مكتب غامض؛ ولا يضطر فيها الباحث إلى وزن كل كلمة يقولها بميزان الشبهة الأمنية.
لقد اعتادت هذه الجالية على الشفافية، وأساليب التسيير الواضحة، والقواعد المكتوبة، والمساءلة، والتمييز بين الدولة والنظام، وبين الإدارة والشرطة، وبين الكفاءة والولاء. وتعلّمت أن التميّز لا يُصنع في ظل الغموض وانعدام الشفافية. وهي تدرك أن العلم يحتاج إلى فضاء حر، والاقتصاد يحتاج إلى الثقة، والاستثمار يحتاج إلى الأمن القانوني، والبحث العلمي يحتاج إلى الحرية، والقرار العام يحتاج إلى التقييم.
فكيف يمكن لهذه الكفاءات أن تعمل في مناخ أمني بامتياز، يحلّ فيه التعسف محل القاعدة، ويقوم فيه الغموض مقام المنهج، ويسبق فيه الخوفُ الملفاتِ والقرارات، بل قد يتحول فيه النجاح نفسه إلى موضع شبهة، إذا خرج عن المسارات التي تفرض الطاعة؟ حتى أفضل الكفاءات الجزائرية، وأكثرها تميزًا ووطنية ورغبة في خدمة البلاد، لا تستطيع الإسهام بصورة مستدامة في بيئة مغلقة وغامضة ولا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه.
تريد السلطة الجزائرية استيراد العقول، لكنها ترفض استيراد الشروط التي تتيح لهذه العقول الإنتاج. تريد الشهادات من دون الحرية، والشبكات الدولية من دون المعايير الدولية، والخبرة من دون الشفافية، والابتكار من دون النقد، والأداء الفعّال من دون الاستقلالية. إنها تحلم بجالية تؤدي وظيفة محددة، وتكون واجهة دعائية ومصدرًا للعائدات: جالية تنقل معارفها وعملاتها الأجنبية وعلاقاتها، لكنها تترك عند المطار حريتها في التفكير وإبداء الرأي.
غير أن الكفاءة الحقيقية ليست مجرد رصيد من المعارف التقنية؛ إنها منهج أيضًا. إنها القدرة على التساؤل والمقارنة والتصحيح وقول «لا» ورفض العبث وكشف الأرقام الزائفة والاعتراض على القرارات غير العقلانية. فالعالِم الذي لا يستطيع الاعتراض على بيانات مزوّرة لم يعد عالِمًا، بل أصبح موظفًا في خدمة المظاهر. والاقتصادي الذي لا يستطيع مناقشة الأرقام الرسمية لم يعد اقتصاديًا، بل أصبح مزيّنًا للبيانات الحكومية. والمهندس الذي لا يستطيع الإبلاغ عن اختلالات مشروع ما لم يعد مهندسًا، بل أصبح منفذًا مرعوبًا. أما رجل القانون الذي لا يستطيع الحديث عن استقلال القضاء، فلم يعد رجل قانون، بل أصبح كاتبًا في خدمة نظام غامض.
لهذا يبدو النداء الموجّه إلى الكفاءات زائفًا. ليس لأن الجالية غير مبالية بالجزائر، بل على العكس تمامًا؛ فكثيرًا ما تمثل إحدى آخر احتياطيات الأمل الوطني في البلاد. إنها ترسل الأموال، وتساند العائلات، وتواكب المشاريع، وتكوّن الطلاب، وتفتح الأبواب، بل وتدافع أحيانًا عن صورة البلاد أفضل ممن يدّعون التحدث باسمها. لكنها لم تعد تقبل أن تُعامل باعتبارها خزينة للعملات الأجنبية، أو واجهة دبلوماسية، أو حشدًا فولكلوريًا يُستدعى للتصفيق.
إنها تريد أن يُعترف بها باعتبارها قوة مواطنة واقتصادية وعلمية وثقافية وسياسية كاملة الأهلية.
أما النظام، فيحلم بجالية مفيدة لكنها صامتة؛ جالية تجلب التكنولوجيا من دون أن تفرض متطلبات، ورؤوس الأموال من دون المعايير، وتقبل التكريمات من دون النقاش. جالية يُستشار أفرادها من دون أن يُسمح لهم بالرقابة والمساءلة؛ ويُحتفى بها في الخطابات، بينما يخضعون للمراقبة عندما يرفعون أصواتهم بالتفكير والنقد.
ويزيد قانون إسقاط الجنسية الجزائرية من حدّة هذا الشرخ. فهذا القانون، الذي يُقدَّم رسميًا باعتباره أداة للدفاع عن المصالح الحيوية للدولة، يُدخل في العلاقة بين الجزائر وأبنائها المقيمين في الخارج منطقًا خطيرًا، قوامه اعتبار الجنسية مشروطة وقابلة للسحب، ومرهونة بتقدير السلطة السياسي. ففي دولة قانون راسخة، تُنظر الجرائم الخطيرة أمام القضاء، استنادًا إلى الأدلة والإجراءات وسبل الطعن والضمانات القانونية. أما في نظام يمكن فيه تصوير المعارضة السلمية على أنها تهديد، وتحويل انتقاد النظام إلى اعتداء على المؤسسات، والتعامل سريعًا مع الاختلاف باعتباره موضع شبهة، فإن هذا القانون لا يبعث على الطمأنينة، بل يزرع التخويف.
الجنسية ليست وسامًا إداريًا، ولا امتيازًا يُمنح للمواطنين المطيعين، ولا شهادة طاعة تصدرها سلطة عابرة. إنها رابطة عميقة، تاريخية وقانونية وعاطفية وثقافية، تجمع شعبًا بأبنائه. إن تهديد الجزائريين المقيمين في الخارج، ولو بصورة غير مباشرة، بفقدان هذه الرابطة لأنهم قد يُصنَّفون باعتبارهم معادين أو منتقدين أو غير منضبطين، يعني تحويل الانتماء الجزائري إلى إذن مشروط.
وهكذا تقول السلطة للجالية: أنتم جزائريون ما دمتم لا تزعجوننا. وأنتم مرحّب بكم ما دمتم تجلبون خبراتكم وأموالكم وشبكات علاقاتكم، لا آراءكم المستقلة. يمكنكم العودة، بشرط أن تتركوا حرية التعبير عند الحدود.
ومع ذلك، ينبغي للسلطة أن تدرك أن الكفاءات الجزائرية ليست موجودة فقط في مونتريال وباريس ولندن وبرلين والدوحة وواشنطن. إنها موجودة أيضًا في الجامعات التي تخنقها القيود، والمستشفيات المنهكة، والشركات التي تُعرقل أعمالها، وهيئات التحرير الخاضعة للرقابة، والمحاكم التي أُهينت، والإدارات المشلولة. إنها موجودة في ذلك الشباب الذي اعتقد سنة 2019 أن الخطاب العام يمكن أن يستعيد مكانته بوصفه فعلًا مواطنيًا. وهي موجودة لدى الإطارات التي جرى تثبيطها، والصحفيين الذين تعرّضوا للملاحقة، ورجال الأعمال الذين أفلستهم التقلبات التنظيمية، وكبار المسؤولين الذين حُوّلوا إلى أكباش فداء قضائية بعدما استُخدموا أدواتٍ في خدمة المنظومة.
ينبغي قول ذلك بوضوح وصراحة: الكفاءات موجودة أصلًا في السجون.
فهي موجودة هناك أحيانًا بصورة حرفية، عندما يُعتقل ناشطون وصحفيون ومحامون ونقابيون ومواطنون عاديون بسبب التعبير عن رأي، أو الاعتراض على قرار، أو كشف ظلم، أو مجرد رفض الصمت. وهي موجودة في السجون بصورة رمزية أيضًا، عندما يصبح الخوف أول قاعدة غير مكتوبة تحكم الحياة العامة. فالمجتمع الذي يتعلم فيه الجميع الرقابة الذاتية قبل النطق بأي كلمة ليس مجتمعًا يسير في طريق التنمية، بل مجتمع تُديره آلية الكبح والتثبيط. إنه يخرّج أصحاب الشهادات، لكنه يحطم الشخصيات الحرة. ويفتتح المؤسسات، لكنه يخنق الروح المؤسسية. ويتحدث عن الرقمنة والتحديث والاستثمار، بينما يُبقي على منظومة الشك القديمة سليمة من دون تغيير.
ولم تنشأ هذه المنظومة بالأمس؛ بل تضرب جذورها في التاريخ العنيف للدولة الجزائرية المعاصرة، ولا سيما خلال العشرية السوداء. وهنا ينبغي التذكير بجرح قديم كثيرًا ما طُمر تحت الروايات المريحة عن الحرب الداخلية. فالجزائر لم تفقد أرواحًا فقط خلال تسعينيات القرن الماضي، بل فقدت أيضًا جزءًا من بنيتها الإدارية والصناعية والتسييرية. فباسم مكافحة العنف السياسي، وفي خضم المأساة التي عاشتها البلاد وهي تنهشها أعمال الرعب، كانت عملية أخرى تجري بصمت: إخضاع الإطارات، وترهيب المسيرين، وتجريم ممارسة التسيير، وتفكيك جزء من الجهاز الإنتاجي الوطني بصورة منهجية.
لم تكن العشرية السوداء مجرد حرب ضد الجماعات المسلحة؛ بل كانت أيضًا، بالنسبة إلى الدولة العميقة، مرحلة استثنائية من التعتيم. ففي الوقت الذي كان فيه المجتمع يُحصي قتلاه، وكانت حالة الطوارئ الأمنية تبتلع كل أشكال الخطاب العام، ويُستخدم الخوف لتبرير كل شيء، كانت شركات تُصفّى، وأصول تختفي، وفروع صناعية تُدمّر، وإطارات تُلقى في السجون أو تُدفع إلى منفى داخلي. وكانوا يسمّون ذلك «تطهيرًا»، و«إعادة هيكلة»، و«تعديلًا»، و«ترشيدًا». لكن خلف هذه الكلمات التي استخدمها الحكام والمحاسبون، كانت تكمن في كثير من الأحيان حقيقة أكثر قسوة: تدمير نسيج صناعي وطني بُني بصبر منذ الاستقلال.
هذه هي الذاكرة التي ينبغي إعادتها إلى صلب النقاش. فقد تعلّم الإطار الجزائري مبكرًا أن كفاءته يمكن أن تتحول إلى تهمة ضده. ففي تسعينيات القرن الماضي، كان يكفي أحيانًا أن يكون قد وقّع أو قرّر أو أذِن أو اشترى أو باع أو فاوض أو أدار مؤسسة عمومية في بيئة اقتصادية مستحيلة، حتى يصبح المتهم المثالي. كانت الدولة تطالب بتحقيق النتائج، لكنها تسحب الوسائل اللازمة لذلك. وكانت تفرض أوامر متناقضة، ثم تلاحق من يحاول تنفيذها. وكانت تطلب من الإطارات إنقاذ مؤسسات خنقتها الأزمة، ثم تحمّلهم مسؤولية العجز الذي أنتجته سياسات الدولة نفسها.
وسواء كان الرقم محل خلاف، بين «العشرات» وفقًا للمدافعين عن أحمد أويحيى، و«الآلاف» في الذاكرة السياسية لمن يستحضرون تلك المرحلة السوداء، فإن النتيجة التاريخية لا تقبل الجدل: لقد تعرّضت منظومة كاملة من الإطارات الوطنية للترهيب. وكانت الرسالة الموجّهة إلى البلاد مدمرة. فلم يعد الإطار بانيًا، بل أصبح متهمًا محتملًا في المستقبل. ولم يعد المدير مسؤولًا اقتصاديًا، بل شخصًا يتعين عليه إعداد دفاعه مسبقًا. ولم يعد الموقّع صاحب قرار، بل فريسة إدارية. لقد دمّرت ثقافة الخوف هذه الدولة بصورة أكثر عمقًا مما تعترف به خطابات كثيرة؛ وأنتجت جيلًا من الحذرين والمشلولين، ممن أدركوا أن الأفضل في الجزائر الأمنية هو ألّا يقرر المرء شيئًا، بدلًا من اتخاذ القرار الصحيح.
ولا يزال اسم أحمد أويحيى مرتبطًا بتلك المرحلة من القسوة والتشدد الاجتماعي والانضباط المفروض من أعلى. فهو يجسّد، في المخيال السياسي الجزائري، تلك اللحظة التي ادّعت فيها الدولة أنها تنقذ الجمهورية، بينما كانت تسحق جزءًا من مجتمعها المنتج. وقد شهدت حكومته، في سياق التكيف الهيكلي والإفلاس المالي والعنف السياسي وموازين القوى داخل الجهاز العسكري البيروقراطي، بروز خطاب للتقشف بدا في كثير من الأحيان أشبه بمشروع لتدمير المجتمع والصناعة. كانت البلاد بحاجة إلى الإصلاح، لكنها حصلت على التعسف. وكانت بحاجة إلى استراتيجية صناعية، لكنها حصلت على التصفية. وكانت بحاجة إلى الشفافية، لكنها حصلت على السرية. وكانت بحاجة إلى حماية إطاراتها، لكنها سلّمتهم للشبهات.
لقد أُطلق على ذلك اسم التحديث. لكن أي تحديث يقوم على تدمير أدوات الإنتاج من دون بناء مؤسسات بديلة؟ وأي إصلاح يقوم على حلّ الشركات وبيع الأصول وتفكيك الفروع الإنتاجية وتحطيم المسارات المهنية، مع الإبقاء على المصدر الحقيقي للعطب من دون مساس: غموض السلطة، وغياب المسؤولية السياسية، والخلط بين الدولة والعشائر النافذة؟
لم يكن ما جرى تفكيكه مجرد صناعة، بل كان أيضًا ذاكرة للعمل، وثقافة تقنية، وسلسلة من التعلّم والتكوين الوطني، وتراثًا بشريًا تراكم داخل المصانع والإدارات ومكاتب الدراسات والورشات والموانئ ومواقع البناء والشركات العمومية.
ثم جاءت السلطة لتعلن أسفها على هجرة الكفاءات. لكن من الذي دفعها إلى الرحيل؟ ومن علّم أفضل أبناء البلاد أن مغادرتها ضرورية حتى يتمكنوا من التنفس؟ ومن أوضح للمهندسين والمسيرين والخبراء الماليين والتقنيين والباحثين أن المبادرة في الجزائر قد تنتهي بهم في زنزانة، وأن التوقيع قد يتحول إلى دليل إدانة، وأن النجاح نفسه قد يُعاد تفسيره بوصفه خطأً إذا اختفى الحامي السياسي؟ لم تكن الجالية هي التي تخلّت عن الجزائر، بل كانت المنظومة هي التي نظّمت هجرة قواها الحية.
وتكشف هذه المأساة القديمة الكثير عن الحاضر. فعندما سُجن عبد المؤمن ولد قدور بعد أن أشرف على عملية صناعية استراتيجية، هي عملية أوغوستا، لم يكن ذلك حادثًا معزولًا، بل تكرارًا لرد فعل قديم للدولة: السماح بالعمل أولًا، ثم المعاقبة؛ والسماح بالتوقيع، ثم التجريم؛ والسماح بتحمل المخاطر، ثم تحويل صاحب القرار إلى قربان قضائي. فالسلطة الجزائرية لم تتعلم قط كيف تدقق وتحاسب من دون أن تدمّر، ولا كيف تراقب من دون أن تهين، ولا كيف تحاكم من دون توجيه رسالة ترهيب إلى الجميع.
وتكشف قضية مصفاة أوغوستا الكثير. فمن حق الدولة الطبيعية أن تناقش إدارتها، وتدقق في ظروف الصفقة، وتفحص السعر والتكاليف الإضافية وشروط التمويل والأداء الصناعي. لكن الدولة الطبيعية تناقش وتراقب وتنشر المعلومات وتقيّم وتصحّح. وهي لا تحوّل كل قرار استراتيجي كبير إلى محاكمة سياسية مؤجلة، ولا تجرّم المبادرة بعد أن تكون قد أجازتها، ولا تجعل كبار مسؤوليها أكباش فداء عندما تتغير موازين السلطة.
لقد أتاح الاستحواذ على مصفاة أوغوستا في صقلية، التي كانت تملكها شركة إسو إيتاليانا التابعة لإكسون موبيل، لشركة سوناطراك امتلاك أصل صناعي أوروبي، وقدرة مهمة على التكرير، ومحطات بحرية، وبنى تحتية للتخزين، ومستودعات في إيطاليا، وموطئ قدم في قلب البحر الأبيض المتوسط في المجال الطاقوي.
كان من الممكن، بل من الواجب، مناقشة هذه الصفقة. هل كان سعرها مرتفعًا؟ هل كانت مربحة؟ هل جرى دمجها على النحو الصحيح في استراتيجية سوناطراك؟ وما تكاليف صيانتها، وقيودها البيئية، ومدى ملاءمتها للسوق الأوروبية؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية. غير أن الإجابة عنها تتطلب الشفافية والتقارير المنشورة والتدقيق المستقل واللجان الجادة والصحافة الحرة والقضاء ذي المصداقية.
وتُظهر البيانات العامة المتاحة أن مصفاة أوغوستا ليست مجرد رمز في ملف قضائي. فبعد خسائر مرحلة الانطلاق والصدمة العالمية التي خلّفتها الأزمة الصحية، حققت المصفاة إيرادات بلغت عدة مليارات من اليورو، وسجّلت أرباحًا معتبرة في بعض السنوات. ففي عام 2022، تجاوزت إيراداتها سبعة مليارات يورو، وحققت صافي أرباح بلغ عدة مئات من ملايين اليورو. وفي عام 2023، قاربت إيراداتها ستة مليارات يورو مرة أخرى، مع تسجيل صافي أرباح إيجابي.
ولا تعني هذه الأرقام أن كل شيء كان مثاليًا، أو أن الصفقة لم تكن بحاجة إلى التدقيق والمراجعة. لكنها تمنع اختزال القضية في صورة كاريكاتورية مبسّطة. فأوغوستا ليست مجرد ملف جنائي، بل هي أيضًا أصل صناعي منح الجزائر امتدادًا استراتيجيًا داخل أوروبا.
وهنا تتجلى المفارقة الجزائرية: يُسجن الذين تحملوا مسؤولية قرارات استراتيجية، ثم تُدعى كفاءات الجالية إلى المشاركة في التنمية الوطنية. وتُجرَّم الجرأة، ثم يُطالب بالابتكار. وتُعاقب المبادرة، ثم يُبكى على هجرة المواهب. وتُطلب إطارات قادرة على التفكير على نطاق واسع، بينما يُذكَّر أصحابها بأن التفكير الكبير قد ينتهي بهم أمام المحكمة إذا تغيّرت الظروف السياسية.
إن هذه الآلية تدمّر أي ثقافة للمسؤولية. ففي دولة طبيعية، يعرف المسؤول العام أنه سيُحاسب وفق قواعد محددة سلفًا. أما في الجزائر، فهو يخشى أن يُحاكم غدًا وفق معايير سياسية لا يعرفها اليوم. ولذلك يحمي نفسه؛ فيوقّع أقل، ويبتكر أقل، ويتخذ قرارات أقل، وينتظر التعليمات، ويبحث عن مظلة تحميه. ويتعلم أن أفضل استراتيجية للبقاء ليست الكفاءة، بل الحذر. وهكذا تفرغ الدولة من أفضل خدمها، وتمتلئ بمسيري الصمت.
ولا يمكن أن تنشأ التنمية في مثل هذا المناخ. فهي تتطلب عقدًا من الثقة، وقضاءً مستقلًا، وصفقات عمومية شفافة، وقواعد اقتصادية مستقرة، وإدارة مسؤولة، وصحافة قادرة على التحقيق، وجامعة مستقلة، ونقابات حرة، وجمعيات نشطة، وبيانات متاحة، ومعارضة قانونية، ومواطنين محميين من التعسف.
إن البلدان التي تنجح في استقطاب جالياتها لا تجتذبها بالشعارات الوطنية وحدها، بل بالضمانات. فهي تقول لأبنائها: يمكنكم الاستثمار من دون الحاجة إلى حامٍ نافذ؛ والتدريس من دون رقابة؛ والنشر من دون خوف؛ والنقد من دون تجريم؛ والفشل من دون تدمير؛ والنجاح من دون ابتزاز؛ والعودة من دون أن تصبحوا موضع شبهة.
أما الجزائر الرسمية فتطلب الحب من دون أن توفر الثقة. وتفرض الوطنية من دون ضمان الحقوق. وتدعو الجالية، بينما تُبقي البلاد داخل بنية سياسية تدفع أفضل أبنائها تحديدًا إلى البقاء بعيدًا عنها. لذلك لا تكمن المشكلة في غياب الكفاءات، بل في البيئة التي تنفّرها. إنها مشكلة ذلك الخوف المنتشر، والغموض الدائم، والخلط بين الأمن الوطني وأمن النظام، وتحويل كل رأي مستقل إلى تهديد محتمل.
ينبغي قول ذلك بقوة: حرية التعبير ليست ترفًا غربيًا، ولا موضة مستوردة، بل شرط أساسي للتنمية. فمن دون حرية التعبير تتكرر الأخطاء الاقتصادية، ومن دون صحافة حرة يُعاد تدوير الفساد، ومن دون قضاء مستقل يتحول الاستثمار إلى مقامرة، ومن دون جامعة مستقلة يصبح البحث العلمي مجرد طقوس شكلية. ومن دون معارضة قانونية يتراكم الغضب في أعماق البلاد، ومن دون مجتمع مدني تصبح الدولة صماء. وحين تصبح الدولة صماء، فإنها تنتهي دائمًا إلى الخلط بين الصمت والموافقة.
ينبغي للسلطة الجزائرية أن تفهم حقيقة بسيطة: الكفاءة لا تأتي لمجرد الخدمة، بل تأتي من أجل إحداث التغيير. ولا تأتي لتنفيذ الأوامر فحسب، بل لتقديم المقترحات أيضًا. ولا تأتي للمشاركة فقط، بل للتصحيح كذلك. فإذا رُفض هذا الدور النقدي، فإن ما يُرفض في الحقيقة هو الكفاءة ذاتها.
لا يمكن مطالبة عقل تكوّن في كبرى مؤسسات العالم بأن يعمل كما لو كان شباكًا إداريًا. ولا يمكن مطالبة باحث رفيع المستوى بالتفكير داخل الحدود التي يفرضها الخوف. ولا يمكن مطالبة رجل أعمال يعمل على الصعيد الدولي بالنجاح في بيئة تتغير فيها القواعد تبعًا للشخص الذي يتعامل معه، أو الملف المطروح، أو شبكة العلاقات، أو مزاج المسؤول في لحظة معينة.
لذلك، يواجه المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج خطر التحول إلى مؤسسة أخرى تُضاف إلى معرض الواجهات الجزائرية الطويلة: جميلة في البيان الرسمي، ضعيفة في الواقع، استشارية من دون صلاحيات، ومستقلة على الورق لكنها خاضعة في الممارسة.
فلا يكفي إنشاء هيئة، بل ينبغي بناء الثقة. ولا يكفي تعيين الأعضاء، بل يجب ضمان حريتهم. ولا يكفي تنظيم اللقاءات، بل يجب حماية النقد. ولا يكفي القول للكفاءات: «تعالوا»، بل ينبغي القول لها: «ستكونون أحرارًا».
وتبدأ هذه الحرية بخطوات ملموسة: الإفراج عن معتقلي الرأي، ووقف الملاحقات القضائية ضد الأصوات السلمية، ومراجعة القوانين المقيّدة للحريات، وضمان عدم تهديد أي جزائري مقيم في الخارج بسبب آرائه السياسية، وحماية حق الدخول إلى البلاد والخروج منها، وتحقيق استقلال القضاء، ونشر تقارير التدقيق المتعلقة بالملفات الاقتصادية الكبرى، وإتاحة البيانات العامة، والاعتراف بشرعية النقد، والتوقف عن تصوير المعارضة باعتبارها مؤامرة.
عندها فقط يمكن أن يصبح النداء الموجّه إلى الكفاءات مقنعًا. وعندها فقط ستسمع الجالية شيئًا مختلفًا عن دعوة تنطوي على تناقض. وعندها فقط تستطيع الجزائر تحويل رصيدها البشري الهائل إلى قوة تاريخية.
فهذا البلد لا تنقصه العبقرية، بل تنقصه الحرية اللازمة لتنظيم طاقاتها وتوجيهها. ولا تنقصه العقول، بل تنقصه المؤسسات القادرة على احترامها. ولا ينقصه الوطنيون، بل تنقصه دولة تكفّ عن معاملة الوطنيين الذين ينتقدونها بوصفهم أعداء.
لا تحتاج الجزائر إلى نداء لاستقطاب الكفاءات بقدر ما تحتاج أولًا إلى نداء من أجل الحرية. وستأتي الكفاءات بعد ذلك. ستأتي عندما لا تعني العودة الاضطرار إلى الصمت. وستأتي عندما لا يعني الاستثمار البحث عن حامٍ نافذ. وستأتي عندما لا يعني التدريس ترديد التحفظات الرسمية. وستأتي عندما لا يعني اتخاذ القرار المجازفة بالسجن. وستأتي عندما لا تُستخدم الجنسية سلاحًا للتهديد. وستأتي عندما يكفّ الوطن عن أن يكون مرادفًا للنظام.
لا يمكن استعادة الكفاءات إلى الوطن ووضعها في قفص. ولا يمكن مطالبة رجال ونساء تكوّنوا في بيئات تقوم على الشفافية بتحقيق التميز في ظل الغموض. ولا يمكن بناء دولة متقدمة بعقول حرة محاصرة داخل مؤسسات تحكمها الاعتباطية.
قد تواصل السلطة الجزائرية إنشاء المجالس والوكالات والمنصات الرقمية، والإعلان عن مشاريع السكك الحديدية والشركات المختلطة والقوات المتخصصة، وإصدار البيانات المنتصرة. وقد تحتفي بالجالية في خطاباتها، بينما تثير الشبهات حولها في نصوصها القانونية. وقد تتحدث عن الحداثة، في حين تواصل الحكم بالخوف.
لكنها لن تغيّر هذه الحقيقة البسيطة: الكفاءات لا تهاجر بسبب الفقر وحده؛ إنها تهاجر أيضًا هربًا من الإهانة والتعسف والغموض والأنظمة التي تطالبها بالخدمة من دون أن تسمح لها بالتفكير.
إذا كانت الجزائر تريد حقًا استعادة كفاءاتها، فعليها أن تبدأ بفتح أبواب حرية التعبير، وتحرير العقل الوطني من الخوف، والتوقف عن معاقبة من يطرحون الأسئلة. وعليها أن تواجه بصدق التاريخ الطويل للإطارات التي حُطّمت، والصناعات التي ضُحّي بها، والبنّائين الذين سُجنوا أو أُهينوا. وعليها أن تفهم أخيرًا أن التنمية ليست ورشة إدارية، بل ثقافة سياسية.
فالأمة لا ترتقي بتكميم أفواه أبنائها، بل ترتقي عندما تقبل الاستماع إليهم، حتى حين تكون كلماتهم مزعجة.
إن الجالية الجزائرية لا تنتظر مقعدًا استشاريًا هامشيًا؛ إنها تنتظر جمهورية تليق بشعبها. ولا تطلب الاحتفالات والمراسم، بل تطلب الضمانات. ولا تطلب التكريم، بل تطلب دولة القانون.
وما دام هذا الحق الأساسي، أي حرية التعبير، ممنوعًا، فسيظل النداء الموجّه إلى الكفاءات على حاله اليوم: دعوة تُطلَق من داخل سجن، موجّهة إلى أناس تعلّموا كيف يعيشون أحرارًا.
بقلم خالد بولعزيز على موقع Lanataion.net



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..