مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، يعود ملف التدخلات الخارجية إلى الواجهة، وهذه المرة عبر دور يسعى النظام الجزائري إلى لعبه داخل المشهد السياسي الفرنسي، سواء بشكل مباشر أو عبر أدوات غير معلنة. تحليل الدبلوماسي الفرنسي كزافييه دريانكور يكشف ملامح استراتيجية تعتمد على مزيج من العلاقات التاريخية، والرهانات السياسية، واستثمار الجاليات.
تاريخيًا، لم يكن تدخل النظام الجزائري في السياسة الفرنسية أمرًا مستترًا. فقد دعم فرانسوا ميتران ضد فاليري جيسكار ديستان، رغم الخلافات العميقة، ثم وجد في جاك شيراك حليفًا مفضلًا بفضل علاقته الشخصية مع عبد العزيز بوتفليقة. لاحقًا، حظي نيكولا ساركوزي بقبول نسبي، بينما كان فرانسوا هولاند محل ترحيب خاص بسبب خطاباته “التوبوية”. أما إيمانويل ماكرون فقد حاز دعمًا واضحًا بعد تصريحاته حول الاستعمار.
في المقابل، لم يتردد سياسيون فرنسيون في التوجه إلى الجزائر بحثًا عن أصوات الجالية أو دعم غير مباشر، مثل آلان جوبيه وسيغولين رويال وجان بيير شوفينمان، حيث تحولت زياراتهم إلى ما يشبه حملات انتخابية خارجية.
اليوم، يواجه النظام الجزائري خيارات متعددة في تحديد مرشحه المفضل. يبرز اسم جان لوك ميلونشون كخيار طبيعي بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية وقربه من بعض قواعد الجاليات المسلمة. غير أن العلاقة مع اليسار تبقى معقدة بسبب إرث تاريخي ثقيل. ومع ذلك، فإن النسخة الجديدة من اليسار تبدو أكثر جاذبية لصناع القرار في الجزائر.
في السياق ذاته، يظهر دومينيك دو فيلبان كخيار بديل، خاصة بعد مواقفه المؤيدة لاتفاق 1968 ودعمه لقضايا تتقاطع مع توجهات الجزائر. أما في معسكر الوسط واليمين، فالمعادلة أكثر تعقيدًا. شخصيات مثل إدوار فيليب وغابرييل أتال تبنت مواقف متشددة تجاه اتفاق 1968، وهو ما يضعها في موقع غير مريح بالنسبة للنظام الجزائري. في المقابل، يظل جيرالد دارمانان خيارًا براغماتيًا نظرًا لعلاقاته مع الجزائر ومواقفه الأقل تصعيدًا.
أما برونو روتايو، فيُنظر إليه كخيار مرفوض تمامًا من طرف الجزائر بسبب مواقفه الصارمة.
لكن الرهان الحقيقي للنظام الجزائري لا يقتصر على اختيار مرشح بعينه، بل يمتد إلى التأثير في مجريات النقاش السياسي الفرنسي. يستلهم هذا التوجه من نموذج رجب طيب أردوغان الذي نجح في توظيف الجالية التركية في أوروبا كأداة نفوذ.
في هذا الإطار، يعتمد النظام الجزائري على عدة أدوات، أبرزها شبكته القنصلية الواسعة، ودور مؤسسات دينية مثل مسجد باريس، إضافة إلى ما يعرف بـ”الذباب الإلكتروني”، وهي شبكات رقمية تهدف إلى توجيه النقاشات والتأثير على الرأي العام.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بدعم مرشح واحد بقدر ما هو سعي للحفاظ على أوراق ضغط متعددة داخل الساحة السياسية الفرنسية، بما يضمن للنظام الجزائري هامش مناورة واسعًا في علاقته المعقدة مع باريس.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..