بيدرو كاناليس، لصالح Lemed24
إن فضائح الفساد التي تتصدر الصفحة الأولى من المشهد السياسي والمؤسساتي الراهن في إسبانيا ودول أوروبية أخرى على الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، وبدرجة أقل على الضفة الجنوبية، تُلطّخ مهنة الصحافة، التي كانت تُعتبر إلى وقت غير بعيد “السلطة الخامسة”.
ورغم أن قادة قضايا الفساد التي تصل إلى محاكم العدالة ليسوا صحفيين، بل سياسيين يشغلون مناصب حالية أو سبق أن تقلدوها، ورجال أعمال يقودون شبكات غامضة، وكبار موظفي الدولة المكلفين بالإدارة أو بخدمات الأمن، فإن وجود مهنيين في مجال الإعلام كوسطاء، أو جسور، أو مسهّلين للعلاقات، أو محرري تقارير وأعمال تحقيق مزعومة، يشوّه مهنة لم يكن عملها يومًا سهلاً، واليوم أقل من أي وقت مضى.
وخلف هذا الانحراف السرطاني للمسار الصحفي يوجد المال. ففي السابق، كان يتدفق بكميات صغيرة، على شكل مدفوعات إعلانية، أو مقالات تمجيدية لهذا المسؤول أو تلك الشركة، أو مكافآت وعلاوات إضافية؛ أما اليوم فهو سيل جارف من الملايين يغمر الإدارات، وغرف التحرير، ومكاتب التحقيق.
وأمام هذا الواقع الذي يزداد وطأة يومًا بعد يوم، لا يملك الصحفيون خيارات كثيرة: فإما أن تقبل بالخضوع لمن يدفع أكثر، سواء كانت الدولة، أو أجهزة الاستخبارات، أو الشركات الكبرى، أو الرؤساء السابقون، أو الوزراء، أو العسكريون المتقاعدون، أو أصحاب المليارات الباحثون عن “صفقة القرن”، أو تنتهي مهمشًا، منفيًا، ملاحقًا، مسجونًا، أو ضحية “حادث” ما.
الدول الثلاث في العالم التي تضم أكبر عدد من الصحفيين المسجونين هي الصين بـ50 معتقلًا، وميانمار بـ30، وإسرائيل بـ29 صحفيًا مسجونًا. أما في منطقتنا الغربية من البحر الأبيض المتوسط، فلا يصل الأمر إلى هذا الحد.
إن نظام الجزائر، في ظل رئاسة عبد المجيد تبون، قد عدّل قانون العقوبات لتوجيه تهم الإرهاب، والتآمر ضد الدولة، أو نشر أخبار كاذبة، وبالتالي إسكات صحفيين مستقلين معروفين مثل إحسان القاضي، مؤسس “مغرب إيميرجون”؛ ومصطفى بن جامع، رئيس تحرير “لو بروفنسيال”؛ وسفيان غيروس وفرحات عمر من موقع “ألجيري سكوب”؛ أو إجبار آخرين على المنفى بسبب مواقفهم النقدية تجاه النظام، مثل خالد درارني، هشام عبود أو عبدو سمار.
أما في المغرب، فرغم كل شيء، تلوح بعض بوادر الأمل. فهناك صحفيون معروفون أُجبروا على المنفى، مثل علي المرابط، أبو بكر الجامعي، هشام المنصوري أو علي عمار. لكن هناك أيضًا صحفيون مثل عمر الراضي، سليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، الذين شملهم عفو الملك محمد السادس. وكان الأول مسجونًا بسبب تحقيقاته حول السكرتير الخاص للملك منير الماجيدي؛ أما الثاني والثالث فقد وُجهت إليهما تهم جرائم جنسية مزعومة وسُجنا، رغم أنهما كانا مديرَي صحيفة “أخبار اليوم”. وقد أخرجهما الملك من السجن.
في تونس، ندّد الاتحاد الوطني للصحفيين التونسيين بما وصفه بـ“التشدد القضائي” ضد مهنيي الإعلام. ومن ضحايا هذه الملاحقة برهان بسيس، مراد الزغيدي، محمد بوغلاب، سونيا الدهماني أو شذى الحاج مبروك.
في إسبانيا، لا يوجد صحفيون مسجونون بسبب كتاباتهم أو آرائهم، لكن حملات المضايقة الجسدية والرقمية والتشهير العلني ضد كثير منهم أمر شائع. والأسوأ من ذلك وجود صحفيين، حقيقيين أو مزيفين لكنهم يقدمون أنفسهم كذلك، يشكلون أدوات قابلة للاستغناء عنها داخل شبكات الفساد، كما في القضية الحالية للييري دييث، المعروفة بلقب “سباكة الحزب الاشتراكي”، والتي توجد في قلب شبكة غامضة من الفساد المزعوم تطال قيادات حاليين وسابقين في الحزب الاشتراكي الحاكم، وصولًا إلى الأمين العام ورئيس الحكومة نفسه، بيدرو سانشيز وعائلته.
وكذلك في فرنسا، حيث إنه رغم عدم وجود صحفيين مسجونين بسبب آرائهم وكتاباتهم، تشهد البلاد ارتفاعًا مقلقًا في الاعتداءات الجسدية، والاعتقالات التعسفية من قبل الشرطة، والتجسس على نشاطهم المهني وحياتهم الخاصة. ومن بين هؤلاء الصحفية الاستقصائية أريان لافريو، أو صحفيو الحركات الاجتماعية والعمالية مثل كلوي جانس، بول ريكو، توماس ديستريش أو بول بواييه، الذين تعرضوا لاعتقالات عنيفة من طرف وحدات الشرطة المتنقلة.
إن الوسط الصحفي في منطقتنا من غرب البحر الأبيض المتوسط يخضع اليوم أكثر من أي وقت مضى لضغط مزدوج: إما مواصلة رسالته المهنية في الإعلام، بمواجهة دول ديكتاتورية، وآلات قمعية، أو جماعات نفوذ تعمل فوق القانون ودولة الحق؛ أو الاستسلام للابتزاز وإغراء الامتيازات والمظاريف غير القانونية، والتحول إلى خدم للفاسدين والمفسدين.
في الحالة الأولى، يحافظ الصحفيون على مصداقية المهنة وممارستها. وفي الحالة الثانية، يضرون بصورتها. وللأسف، فإن القوة الجارفة للمال تُضعف ثقة الناس في الصحفيين.
إن قضايا الفساد المزعوم وغيرها من الملفات السياسية الغامضة أصبحت الآن أمام المحاكم، وهي التي ستفصل فيها. لكن منذ الآن، فإن مهنة مئات وآلاف الصحفيين من مختلف الأفكار والآراء تعاني من الملاحقة والإهانة.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..