بقلم : خالد بولعزيز (lanation.net)
يكاد يفصلنا قرن كامل عن ذلك المشهد التأسيسي: جزائريون فقراء، منفيون، عمال بسطاء، غالبًا ما ظلوا مجهولين في هوامش العاصمة الاستعمارية، اكتشفوا أن بؤسهم لم يكن اجتماعيًا فحسب، بل وطنيًا أيضًا. في المقاهي والمساكن العمالية وورش البناء والمصانع والاجتماعات بمنطقة باريس، منحوا لمعاناة قديمة اسمًا جديدًا: الاستقلال. هؤلاء البسطاء، الذين تجاهلتهم الرواية الرسمية للتاريخ، هم من حملوا أولى شعارات التحرر الوطني. وبعد عقود من الاستقلال، يجد ورثتهم أنفسهم أحيانًا أمام السجون أو القمع أو الشبهات عندما يطالبون بوعد آخر ظل معلقًا: الحرية. وبين هذين النداءين، تغيّر العلم، لكن القضية الوطنية لم تجد بعد جوابها الكامل.
وُلد نجم شمال أفريقيا رسميًا سنة 1926، في عالم بدأ فيه المستعمرون يحولون المنفى إلى وعي سياسي. لم تكن باريس آنذاك مجرد عاصمة للإمبراطورية الفرنسية، بل كانت أيضًا فضاءً يلتقي فيه أبناء المستعمرات ويتبادلون التجارب وينظمون صفوفهم. هناك اكتشف العمال الجزائريون النقابات والصحف والاجتماعات وخطاب مناهضة الإمبريالية. كانوا فقراء وخاضعين للمراقبة والاحتقار، لكنهم امتلكوا ثروة لم يستطع النظام الاستعماري انتزاعها منهم: التجربة المباشرة للظلم. وكان نجم شمال أفريقيا تجسيدًا لذلك تمامًا، مدرسة سياسية خرجت من القاعدة الشعبية، وصوتًا انتزعه أولئك الذين أراد الاستعمار إبقاءهم في دائرة الصمت.
جسد مصالي الحاج هذا الظهور السياسي الجديد. فقد وُلد في تلمسان سنة 1898، وخدم في الجيش الفرنسي قبل أن يعيش تجربة الهجرة، ليُدرك مبكرًا أن المساواة التي بشّرت بها الجمهورية الفرنسية لن تُمنح لمن وضعهم قانون الأهالي خارج دائرة الحقوق. وتمثل إنجازه الأكبر في صياغة ما كان الآخرون يترددون في قوله بصوت واضح: لم تكن الجزائر بحاجة إلى إصلاحات فحسب، بل إلى الحرية الكاملة. وفي المؤتمر المناهض للإمبريالية ببروكسل سنة 1927، اكتسب هذا المطلب بُعدًا دوليًا. لم يعد مصالي يتحدث باسم جماعة مضطهدة فقط، بل وضع الجزائر ضمن الحركة العالمية للشعوب الخاضعة للاستعمار والساعية إلى التحرر.
وتتمثل أبرز إنجازاته في أنه منح البسطاء لغة سياسية يعبرون بها عن أنفسهم، وربط بين القضية الاجتماعية والقضية الوطنية، وأدرك أن الاستقلال لا يمكن أن يكون مشروع نخبة أو مكاتب أو عرائض أو مفاوضات خاضعة للرقابة. كان عليه أن ينبع من الشارع ومن الشعب ومن العمال والمهاجرين. كما أسهم في تكوين الأطر التنظيمية وترسيخ ثقافة النضال وصناعة ذاكرة جماعية للمقاومة. ولولا نجم شمال أفريقيا، ثم حزب الشعب الجزائري، ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية، لما وجد أول نوفمبر 1954 الأرضية نفسها التي انطلق منها. وحتى أولئك الذين اصطدموا به لاحقًا ورثوا، بشكل أو بآخر، جزءًا مما زرعه.
غير أن أي مؤسس لا ينبغي أن يتحول إلى تمثال بلا ظلال. فمصالي الحاج لم يكن بمنأى عن الأخطاء والانحرافات، والاعتراف بها لا ينتقص من مكانته، بل يمنحه بعدًا تاريخيًا أكثر صدقًا. فقد تحول خطابه القومي، رغم قوته التعبوية، أحيانًا إلى نوع من تقديس الزعيم. وأصبحت شخصيته المركزية عبئًا على التنظيم الذي ساهم في بنائه. كما أن الخلافات الداخلية وصعوبة تسليم المشعل لجيل جديد أضعفت الحركة الوطنية. ولم تكن أزمة حركة انتصار الحريات الديمقراطية في بداية الخمسينيات مجرد صراع أشخاص، بل كشفت عن أزمة أعمق تمثلت في العجز عن إدارة التعددية داخل المعسكر الوطني نفسه بشكل ديمقراطي.
وتفاقمت المأساة مع اندلاع حرب التحرير. فقد تحولت المنافسة بين الحركة الوطنية الجزائرية بقيادة مصالي وجبهة التحرير الوطني إلى جرح عميق، خصوصًا في أوساط المهاجرين. وجد مناضلون ينتمون إلى البيئة الاجتماعية نفسها ويحملون الحلم ذاته أنفسهم في مواجهة بعضهم البعض. وهكذا حملت القضية الوطنية، التي كان يفترض أن توحد المضطهدين ضد الاستعمار، بذور عنف أخوي مؤلم. وتبقى هذه الصفحة من التاريخ مؤلمة لأنها استبقت أحد أبرز مآسي الجزائر المستقلة: الاعتقاد بأن الوحدة الوطنية تستوجب إقصاء الخصم سياسيًا، وأن الشرعية الثورية تمنح الحق في احتكار الكلمة، وأن دور الشعب يقتصر على التصفيق أكثر مما يقتصر على اتخاذ القرار.
وهنا يلتقي التاريخ بالحاضر. فالفقراء هم الذين حملوا فكرة الاستقلال حين كانت تبدو مستحيلة، لكن أبناءهم وأحفادهم ما زالوا يصطدمون باستحالة أخرى جرى تنظيمها بعناية: استحالة قيام حرية كاملة ومحمية ومضمونة بالقانون والمؤسسات. الشعب الذي احتُفي به بوصفه مصدر السيادة يجد نفسه في كثير من الأحيان محصورًا في دور الشاهد أو المتفرج أو حتى التهديد المحتمل. لقد قدّم الشهداء وتحمل السجون والمنفى والدماء والصبر، لكنه ما زال مضطرًا لإثبات حقه في التعبير عن نفسه.
لذلك لم تكن “القضية الوطنية” تعني فقط طرد المستعمر، بل كانت تعني أيضًا: من سيحكم بعده؟ وباسم من؟ وبأي شرعية؟ وتحت أي رقابة؟ ولصالح أي عدالة اجتماعية؟ لقد حقق الاستقلال السيادة الخارجية، وكان ذلك إنجازًا عظيمًا، لكنه لم يُعد دائمًا السيادة إلى المواطن. ولم ينجح دائمًا في تحرير السياسة من هيمنة المؤسسة العسكرية، أو الاقتصاد من الريع، أو التاريخ من الاحتكار الرسمي، أو الذاكرة من الإقصاء. فعندما تعترف الأمة برواية واحدة فقط لأبطالها، فإنها تخلق بالضرورة أيتامًا للتاريخ.
إن العودة إلى البدايات لا تعني إحياء الخلافات القديمة أو تقديس مصالي الحاج في مواجهة شخصيات أخرى. فالأصل ليس شخصًا بل مبدأ. وهذا المبدأ يقول إن الأمة تبدأ من القاعدة الشعبية، وأن الاستقلال لا يكتمل دون حرية، وأن الحرية لا تكون حقيقية دون عدالة. كما يؤكد أن الشعب لا ينبغي أن يُستدعى فقط للموت أو التصويت أو التصفيق أو الصمت، بل للمراقبة والمحاسبة والاختيار وتغيير الحكام. وهذه ربما هي الرسالة الأكثر راهنية التي تركها نجم شمال أفريقيا.
ومن ثم فإن مصالي الحاج يستحق أكثر من النسيان، وأكثر من التقديس الأعمى. إنه يستحق النقاش. فقد كان رائدًا وخطيبًا ومنظمًا ورمزًا للبسطاء الذين تحولوا إلى فاعلين سياسيين. لكنه كان أيضًا قائدًا أسيرًا لمركزيته الخاصة، وتجاوزته أحداث ساهم هو نفسه في إطلاق شرارتها. والجزائر الناضجة لا تحتاج إلى أبطال معصومين، بل إلى ذاكرة قادرة على النظر إلى مؤسسيها بعيون مفتوحة.
وبعد ما يقرب من مئة عام على تأسيس نجم شمال أفريقيا، تغيّر شعار الاستقلال في شكله، لكنه لم يفقد روحه. بالأمس كان البسطاء يقولون: نريد وطنًا. واليوم يقول ورثتهم: نريد أن يكون هذا الوطن لنا حقًا. وبين العبارتين يتجسد المصير غير المكتمل للأمة الجزائرية.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..