بقلم : خالد بولعزيز (lanation.net)

لا تتعلق الملاحقات القضائية التي تطال عدداً من أبرز المسؤولين الذين عملوا إلى جانب الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة بمجرد ملفات فساد أو تحقيقات قانونية منفصلة، بل تبدو في نظر كثير من المراقبين جزءاً من معركة سياسية متواصلة لإعادة رسم صورة مرحلة كاملة من تاريخ الجزائر الحديث.

فمنذ سقوط بوتفليقة سنة 2019، توالت القضايا والأحكام التي استهدفت شخصيات بارزة ارتبطت بعهده، من وزراء ومسؤولين كبار ومديرين تنفيذيين، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت هذه الإجراءات تقتصر على محاسبة أفراد بعينهم، أم أنها تمثل أيضاً محاولة لتصفية إرث سياسي ما زال يثير الجدل داخل دوائر السلطة الجزائرية.

وخلال السنوات الأخيرة، برزت أسماء عديدة من رموز حقبة بوتفليقة في واجهة الأحداث القضائية، من بينهم مسؤولون سابقون في قطاع الطاقة والأمن والإدارة، بينما تستمر السلطات في تقديم هذه الملفات باعتبارها جزءاً من جهود مكافحة الفساد واستعادة هيبة الدولة. غير أن منتقدي النظام يرون أن الصورة أكثر تعقيداً من ذلك، وأن ما يجري يتجاوز الأبعاد القضائية نحو صراع على الذاكرة السياسية للبلاد.

ورغم الانتقادات الكثيرة التي وُجهت إلى بوتفليقة خلال سنوات حكمه، فإن أنصاره يشيرون إلى جملة من الإنجازات التي يعتبرونها محطات مفصلية في تاريخ الجزائر. ويأتي في مقدمتها إنهاء سنوات العنف التي عُرفت بالعشرية السوداء، عبر سياسة المصالحة الوطنية التي ساهمت في استعادة قدر من الاستقرار بعد مرحلة دامية تركت آثاراً عميقة على المجتمع والدولة.

كما يُستحضر في هذا السياق القرار الذي اتخذته الجزائر خلال عهده بتسديد جزء كبير من ديونها الخارجية، مستفيدة من العائدات النفطية المرتفعة آنذاك، وهو ما اعتبره مؤيدوه خطوة عززت الاستقلال المالي والسيادي للبلاد وقلصت من هامش التأثير الخارجي على القرار الوطني.

وعلى المستوى الدبلوماسي، سعى بوتفليقة إلى إعادة الجزائر إلى الساحة الدولية بعد سنوات من العزلة التي فرضتها الظروف الأمنية الداخلية. واستعادت الجزائر خلال تلك المرحلة حضورها في الملفات الإفريقية والعربية والدولية، مستفيدة من الخبرة السياسية والدبلوماسية الطويلة للرئيس الراحل.

لكن أكثر الملفات حساسية في تقييم عهد بوتفليقة يبقى علاقته بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. فالرئيس الراحل، بحسب كثير من القراءات السياسية، حاول خلال سنوات حكمه تعزيز موقع الرئاسة وتقليص نفوذ بعض مراكز القوة التقليدية داخل الدولة. وقد تجسد ذلك في قرارات بارزة هزت توازنات السلطة، أبرزها إبعاد شخصيات أمنية نافذة كانت تُعد لسنوات طويلة من أبرز صناع القرار في الجزائر.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن الحملة المستمرة ضد رجال بوتفليقة لا تستهدف فقط محاسبة مسؤولين سابقين، بل تسعى أيضاً إلى تكريس رواية سياسية تختزل عهده في ملفات الفساد والأزمات، متجاهلة الجوانب الأخرى التي طبعت تلك المرحلة. وفي المقابل، تؤكد السلطة أن العدالة تعمل وفق القانون وأن لا أحد فوق المحاسبة مهما كان موقعه السابق.

وبين هذين الموقفين المتعارضين، يبقى إرث عبد العزيز بوتفليقة موضوعاً مفتوحاً للنقاش داخل الجزائر. فالرجل الذي حكم البلاد لعقدين كاملين يظل شخصية مثيرة للانقسام بين من يحمّله مسؤولية اختلالات عميقة أصابت الدولة، ومن يعتبر أنه نجح في إعادة الاستقرار وتعزيز مكانة الرئاسة في مواجهة مراكز نفوذ نافذة داخل النظام الجزائري. وفي النهاية، يبقى الحكم النهائي على تلك المرحلة رهيناً بقراءة التاريخ بعيداً عن حسابات الصراع السياسي الآني.