بقلم : خالد بولعزيز (lanation.net)

لم تحتفل الجزائر بلقب كروي فحسب، بل أعادت إحياء ذاكرة جماعية راسخة في وجدانها. فعندما مزقت الشماريخ الحمراء والخضراء سماء باب الوادي، وعندما امتزجت أصوات الشرفات والأزقة والوجوه في هتاف واحد، لم تكن تلك مجرد ليلة احتفال بكرة القدم، بل كانت العاصمة تستعيد جزءاً من خيالها الجماعي، وكان شعب بأكمله يعلن مرة أخرى أن بعض الأندية لا تُقاس بعدد الألقاب فقط، بل بعدد نبضات القلوب التي تحملها.

أضاف نادي مولودية الجزائر لقبه العاشر إلى سجله الحافل، لكن اختزال هذا الإنجاز في مجرد رقم ضمن قائمة البطولات يعد ظلماً لتاريخ هذا النادي العريق. فالمولودية ليست مجرد فريق متوج بالألقاب، بل هي أرشيف حي للهوية الجزائرية، وذاكرة شعبية متوارثة، ونشيد يعبر الأجيال، ورمز سبق حتى العديد من أشكال التعبير المنظم عن الوطنية الجزائرية الحديثة.

غير أن بعض وسائل الإعلام على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط ما تزال تصر على توصيف هذا الشغف الجماهيري بكلمة باردة مستوردة من القاموس الأمني لكرة القدم الأوروبية: “الألتراس”. قد تبدو الكلمة عادية وحديثة ومناسبة للخطاب الإعلامي السريع، لكن الكلمات في التاريخ الفرنسي الجزائري ليست محايدة أبداً. فهي تحمل آثار الماضي وجراحه وتصنيفاته، وقد استُخدمت سابقاً لوضع الجزائريين في قوالب نمطية مختلفة: الأهالي، المتمردون، الفلاقة، المحرضون أو المتطرفون. وفي كل مرحلة كان هناك معجم خاص لتجاهل حقيقة الشعب.

إن وصف جماهير مولودية الجزائر الشابة بـ”الألتراس” دون مراعاة للسياق التاريخي والذاكرة الجماعية يعني تجاهل جوهر القضية. فهؤلاء ليسوا مجرد مشجعين خرجوا من مدرجات الملاعب، بل أبناء مدينة عاشت الإذلال الاستعماري والحرب والخيبات والوعود المؤجلة. وهم ليسوا مجرد عناصر في مشهد فولكلوري موجه للكاميرات الفرنسية، بل ورثة حماس شعبي تشكل في الأحياء الشعبية وتناقلته العائلات والمقاهي والمدرجات والأغاني والقصص والدموع.

العرض البصري الذي أضاء سماء الجزائر لم يكن مشهداً للفوضى كما حاول البعض تصويره، بل كان لغة من نار ورموز. فالشماريخ لم تكتفِ بتلوين الليل، بل كتبت في السماء رسالة يفهمها كل جزائري دون حاجة إلى ترجمة: مولودية الجزائر ملك للشعب. ولم يكن الأحمر والأخضر مجرد لونين لنادٍ رياضي، بل عنواناً للوفاء والانتماء. ولم تحترق باب الوادي تحت وطأة جماهير خارجة عن السيطرة، بل غنت، وكان في أغنيتها من التاريخ ما يفوق ما تتضمنه كثير من الافتتاحيات الصحفية المتسرعة.

ومن الضروري التذكير بما يفضّل البعض نسيانه: فقد تأسست مولودية الجزائر سنة 1921 في ظل الاستعمار الفرنسي. آنذاك كان الجزائري المسلم غريباً في وطنه، يعيش تحت نظام يراقبه ويهمشه ويحرمه من المواطنة الكاملة. وفي ذلك السياق لم يكن تأسيس نادٍ جزائري مسلماً مجرد مبادرة رياضية، بل كان إعلاناً صريحاً عن الهوية والوجود والكرامة.

بل إن مولودية الجزائر سبقت تأسيس نجم شمال إفريقيا الذي ارتبط باسم الزعيم مصالي الحاج. وهذه الحقيقة ليست تفصيلاً هامشياً، بل دليل على أن ملاعب كرة القدم كانت أيضاً فضاءات لتشكل الوعي الوطني. فقبل أن تتبلور المطالب السياسية المنظمة بشكل كامل، كان الجزائريون يجدون أنفسهم في أشكال شعبية للانتماء، من الرياضة والحي والقمصان والأغاني والمدرجات، وكلها كانت تشكل قواعد اللغة الوطنية القادمة.

حتى اسم “المولودية” يحمل بعداً ثقافياً وروحياً عميقاً، إذ يرتبط بالمولد النبوي الشريف وما يرمز إليه من احتفال وانتماء وتقاليد. لذلك لم يولد النادي كجمعية ترفيهية عادية، بل كإشارة قوية إلى الحضور الجزائري في فضاء حاول الاستعمار طمس هويته. فمنح الجزائريين وجهاً وصوتاً ومساحة للتجمع والتعبير.

ولهذا السبب ينبغي التوقف عند الكلمات المستخدمة لوصف جماهيره. ففي تاريخ الجزائر الفرنسية، لا يمر مصطلح “ألتراس” دون حمولة سياسية وتاريخية، إذ يحيل أيضاً إلى المتشددين المدافعين عن الاستعمار الفرنسي والرافضين لاستقلال الجزائر، وإلى الذين اختاروا العنف والانقلابات بدلاً من الاعتراف بسيادة الشعب الجزائري. ومن ثم فإن توجيه هذا الوصف اليوم إلى شباب الجزائر يشكل مغالطة تاريخية صارخة. فجماهير المولودية لا تدافع عن هيمنة استعمارية، بل تحتفي بانتماء وطني، ولا تعارض حرية شعب، بل تنشد حب الجزائر.

كان يفترض بالإعلام الفرنسي أن يدرك هذه الحقيقة أكثر من غيره. فالجزائر لا يمكن اختزالها في أوصاف جاهزة. فكل كلمة تُلقى عليها تستحضر تاريخاً كاملاً. وعندما يجتمع الجزائريون للغناء والاحتفال وإضفاء الألوان على مدينتهم، ينبغي الحذر من ذلك المنظور الاستعماري القديم الذي يرى أولاً الفوضى ولا يرى الثقافة، ويرى التهديد ولا يرى الوحدة، ويرى الحشد ولا يرى الشعب.

ولم تكن أغاني جماهير مولودية الجزائر يوماً مجرد أناشيد رياضية. فقد شكلت عبر التاريخ جزءاً من المعركة الرمزية للهوية الوطنية الجزائرية. وخلال فترة الاحتلال الفرنسي، حين كانت الكلمة السياسية الجزائرية تخضع للمراقبة والقمع، تحولت الفضاءات الشعبية إلى ساحات للمقاومة غير المباشرة، وكان الملعب أحد أهم هذه الفضاءات. فخلف الهتافات كان هناك انتماء، وخلف الألحان كانت هناك كرامة، وخلف ألوان النادي كانت تتشكل فكرة الجزائر الحرة.

وبعد الاستقلال، ومع مصادرة كثير من آمال نوفمبر وهيمنة طبقة بيروقراطية عسكرية على مفاصل الدولة، استمرت مدرجات المولودية في عكس نبض المجتمع الجزائري. فغنت للحرية، وانتقدت الظلم، وسخرت من أصحاب النفوذ، وذكّرت بأن الوطن لا يمكن احتكاره أو مصادرته. وفي تلك الأغاني تتردد أصوات الأحياء الشعبية وآلام الأجيال وخيباتها وآمالها المستمرة.

لذلك فإن مولودية الجزائر ليست مجرد نادٍ يشجعه الناس، بل هي صوت جماعي وشعر سياسي خرج من المدرجات. إنها واحدة من المساحات النادرة التي يتحدث فيها الجزائري البسيط دون إذن أو وصاية. وتحمل أغانيها ذاكرة الاستعمار وجراح الاستقلال غير المكتمل والفخر بالعاصمة والغضب من المظالم، كما تعكس حباً عميقاً لوطن لا يريد الجزائريون التخلي عنه لا للقوى الاستعمارية القديمة ولا للنخب الجديدة التي تسعى إلى احتكاره.

صحيح أن أي احتفال جماهيري يحتاج إلى التنظيم والمسؤولية وضمان الأمن، لكن التنظيم لا يبرر التشويه، والوقاية من المخاطر لا تمنح الحق في ازدراء المشاعر الشعبية. فما قدمته جماهير المولودية للجزائر كان مشهداً نادراً للفرح الجماعي وتعبيراً حضارياً عن الحب والانتماء لنادٍ تجاوز عمره القرن. أما الذين لم يروا في كل ذلك سوى ظاهرة “ألتراس”، فهم لم ينظروا إلى الجزائر، بل إلى الصورة النمطية التي يحملونها عنها.

إن اللقب العاشر لمولودية الجزائر ليس مجرد إنجاز رياضي، بل نجمة جديدة تضاف إلى سماء الذاكرة الوطنية. فالمولودية تعيش في المدرجات كما تعيش في البيوت والمقاهي والأحياء والحكايات العائلية ومواكب الاحتفال والأغاني التي يرددها الأطفال الذين لم يعيشوا جراح الماضي لكنهم ما زالوا يحملون صداها.

ولهذا ينبغي القول بوضوح: إن جماهير مولودية الجزائر ليست مجرد مجموعة “ألتراس” يمكن تصنيفها ضمن القوالب الجاهزة لبعض غرف التحرير الفرنسية. إنها حراس متحمسون لتراث وطني عريق. قد يكونون صاخبين أو مندفعين كما هي حال كل الشباب المتحمس، لكنهم يحملون ذاكرة لا يمكن لأي تعليق خارجي أن يمحوها. فأغانيهم ليست ضجيجاً، وشماريخهم ليست مجرد دخان، وحماسهم ليس تهديداً، بل تذكير دائم بجذور الانتماء.

لم تحترق الجزائر. لقد تحدثت. وما قالته في أضواء الأحمر والأخضر بباب الوادي هو أن مولودية الجزائر لا تعيش في جداول الترتيب أو الاستوديوهات التلفزيونية أو أعمدة الصحف، بل تعيش في قلب وخيال الأمة الجزائرية. ولهذا فهي تستحق أكثر من مجرد توصيف عابر. إنها نادي الشعب، وأغنية الجزائر، وذاكرة الوطن الحية.