بقلم بثينة حساني، أستاذة في جامعة محمد الأول بوجدة
الرأس الأخضر، نقطة صغيرة جدًا على خريطة العالم، لكنه مساحة شاسعة في جغرافيا الأرواح. هناك شعوب لا تُقاس عظمتها لا باتساع حدودها ولا بثقل تاريخها، بل بالنبل الذي تواجه به العمالقة.
يا له من مشهد! ليس مشهد انتصار يُقاس بالأرقام، بل انتصار أخلاقي. أمام الأرجنتين التي اعتقد كثيرون أنها لا تُقهر، ذكّر أبناء الرأس الأخضر الجميع بأن الشجاعة تكون أحيانًا أكثر الاستراتيجيات إشراقًا.
أولئك الذين ظنوا أنهم سيلتهمونهم في لقمة واحدة اكتشفوا أن شعبًا يلعب بقلبه لا يمكن ابتلاعه. بل كادوا، على العكس، يتعرضون للإذلال بعد أن أوشكت إرادة أقوى من التوقعات على إسقاطهم. وأمامهم وقف حارس مرمى بدا وكأن كل تصدٍّ له يعلّق مجرى القدر.
منذ كأس العالم الأخيرة، فتح المغرب 🇲🇦 ثغرة في يقينيات كرة القدم العالمية. أسود الأطلس لم يكتبوا صفحة من تاريخهم فقط، بل أعادوا لقارة بأكملها الوعي بقيمتها.
لقد أثبتوا أن أفريقيا لم تعد مجرد ضيفة في الحفل الكبير للأمم، بل أصبحت طرفًا فاعلًا قادرًا على منافسة أكبر القوى. ومن خلال بلوغ القمم بأناقة وانضباط وعبقرية، أعاد المغرب 🇲🇦 فخره إلى أفريقيا بأسرها، وأظهر أن لا حلم مستحيل أمام من يعرف كيف يوحّد الموهبة بالإيمان.
ويبدو أن الرأس الأخضر 🇨🇻 قد استوعب هذا الدرس الأساسي: الحدود لا توجد غالبًا إلا في خيال أولئك الذين يرسمونها.
سيقال إن الرأس الأخضر خرج من المنافسة. ومع ذلك، فإن بعض الهزائم تمتلك روعة الانتصارات. فهي ترفع من يعيشها وتُلهم من يتأملها.
وبمغادرتها الساحة، نالت هذه الأمة الجزرية الصغيرة ما لا يضمنه أي لقب: إعجاب الشعوب واحترام التاريخ.
هذه الجزر القليلة، التي تكاد تتلاشى في ضباب الأطلسي، قدمت واحدة من أجمل سيمفونيات كأس العالم هذه. عرضٌ وضعت فيه التقنية نفسها في خدمة الشخصية، وانحنت فيه الموهبة أمام الكرم، ورفض فيه الأمل الاستسلام للقدر المحتوم.
هناك دروس تعلّمنا إياها الرياضة أفضل من الكتب: الكرامة لا تعتمد أبدًا على النتيجة، بل على الطريقة التي نواجه بها النتيجة. وهي تحول أكثر الخروج هدوءًا إلى دخول مهيب في الذاكرة الجماعية.
أحسنتِ يا الرأس الأخضر. لقد ذكّرتم العالم بأن الشعوب لا تصبح عظيمة لأنها تنتصر، بل لأنها ترفض التخلي عن عظمتها. لقد شرفتم أفريقيا بتواضع يفرض الاحترام.
وإذا كان المغرب 🇲🇦 اليوم يُعد من أبرز المرشحين، فذلك ليس فقط بسبب موهبته الهائلة، بل لأنه يحمل الآن، إلى جانب مصر وممثلي القارة الآخرين، أملًا أصبح جماعيًا.
أفريقيا لم تعد تنتظر أن يمنحها التاريخ مكانًا؛ إنها تكتب تاريخها بنفسها. لقد رسم المغرب 🇲🇦 الفصل المعاصر الأول من هذه القصة، وجاء الرأس الأخضر 🇨🇻 ليوقّع واحدة من أجمل صفحاتها.
وعندما تتقدم شعوب أفريقيا بالشجاعة والتواضع والثقة، فإنها لا تدافع عن ألوانها فقط، بل ترفع قارة بأكملها نحو العالمية.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..