بيدرو كاناليس، لصالح LeMed24
بفعل القرب الجغرافي، والتقارب الأيديولوجي، وتشابك المصالح العامة والخاصة على المديين المتوسط والبعيد، ترتبط مجموعة بلدان المغرب العربي ارتباطًا وثيقًا بالتطور السياسي للاتحاد الأوروبي والتطور العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وفي هذه اللحظات التي تشهد اضطرابات استراتيجية وجيوسياسية على المستويين الدولي والإقليمي، يكتسب هذا النموذج أهمية خاصة.
قبل 40 عامًا، وقعت حادثتان مهمتان طبعتا العلاقات الثنائية بين شمال إفريقيا والقارة الأوروبية، وكذلك العلاقات متعددة الأطراف الممتدة إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط برمتها.
في عام 1986، عندما انضمت إسبانيا إلى المجموعة القارية، كان اسمها آنذاك الجماعة الاقتصادية الأوروبية (CEE). وبعد عام، وتحديدًا في 1 يوليو/تموز 1987، دخل القانون الأوروبي الموحد حيز التنفيذ، وكان محركًا للتنمية الاقتصادية في أوروبا؛ فقد وُضعت القواعد، وشُكّلت الهياكل، وفتحت أغنى دول القارة أسواقها، وساعدت الدول الأقل نموًا على تحديث تجارتها وزراعتها وإداراتها السياسية وبنيتها التحتية.
وفي 14 أبريل/نيسان 1987، تقدمت تركيا رسميًا بطلب الانضمام إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية. وبعد سنوات، اعتُبرت رسميًا دولة مرشحة، لكن طلبها لا يزال مجمدًا رسميًا بسبب «انحرافها السلطوي وتراجع حقوق الإنسان»، وغير رسمي بسبب القدرة التنافسية والمنافسة غير المنضبطتين لشركاتها، وكذلك بسبب مخاوف بروكسل من أنه في حال انضمامها إلى الاتحاد، ستصبح الدولة الأكثر سكانًا فيه، بـ86 مليون نسمة (ألمانيا لديها 84 مليونًا، وفرنسا 67 مليونًا، وإيطاليا 59 مليونًا، وإسبانيا 48 مليونًا، تليها بقية الدول الـ27)، وهو ما سيمنحها مزايا كبيرة في توزيع مناصب القيادة داخل هياكل الاتحاد.
وبعد أسبوع من دخول القانون الأوروبي الموحد حيز التنفيذ عام 1987، طلبت المملكة المغربية أيضًا رسميًا الانضمام إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية. وقد بعث الملك الحسن الثاني، باعتباره رجل دولة ذا رؤية مستقبلية، برسالة يطلب فيها الانضمام. وأراد العاهل المغربي الاستفادة من «الانفتاح نحو الجنوب» الذي أبدته الجماعة الاقتصادية الأوروبية بعد انضمام إسبانيا والبرتغال. وبعد بضعة أشهر، رُفض طلب المغرب بحجة أنه «ليس دولة أوروبية» وأنه «لا يمتلك حدودًا قارية مع أوروبا»، كما هو الحال بالنسبة إلى تركيا، الواقعة بين أوروبا وآسيا.
أما الجزائر، وإدراكًا منها لضعف فرص نجاحها، فلم تصل إلى حد تقديم طلب الانضمام إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية، رغم أن بعض الأصوات ذكّرت آنذاك بأنه في عام 1957، عندما وُقّعت معاهدة روما في 25 مارس/آذار، والتي أنشأت بموجبها ست دول الجماعة الاقتصادية الأوروبية (فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا ولوكسمبورغ)، كانت الجزائر «قانونيًا ورسميًا» جزءًا من أوروبا، باعتبارها «مجموعة من المقاطعات الفرنسية الواقعة ما وراء البحار».
كانت بلدان المغرب العربي الثلاثة في المغرب العربي الأوسط، أي المغرب والجزائر وتونس، التي تشكل المغرب العربي التاريخي، مهتمة بالمشاركة والاندماج في الانطلاقة الاقتصادية والتجارية لأوروبا. وبعد الاتفاقيات التجارية الأولى في ستينيات القرن الماضي، جاءت اتفاقيات التعاون التي وقعها المغرب والجزائر وتونس عام 1976، والتي عملت على إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الثنائية وترسيخها. واليوم، حققت هذه الاتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي، الذي كان قد أصبح قائمًا آنذاك، والدول المغاربية أهدافًا كانت تبدو في ذلك الوقت غير قابلة للتصور؛ وعلى الرغم من أن أيًا منها لم ينضم رسميًا إلى الاتحاد، فإن تونس والجزائر والرباط تستفيد من هذه العلاقات، كما أنها بدورها تعود بالنفع على أوروبا، من دون أن تفقد هويتها وتاريخها واستقلالها.
وفي هذا السياق التاريخي العالمي، انعقدت دورة في الجامعة الدولية مينينديث بيلايو بمدينة سانتاندير الإسبانية، تحت عنوان «من الاستقلالية الاستراتيجية المفتوحة إلى استقلال الاتحاد الأوروبي»، وقد وصفتها صاحبتها ومنظمتها، إيريني نافارو، رئيسة الجمعية متعددة القطاعات للنساء المديرات ورائدات الأعمال (AMMDE)، بأنها «المشكلة الأكبر حجمًا» في المجال الأوروبي والأطلسي، والتي تمتد جيوسياسيًا نحو الجوار الآسيوي والإفريقي.
«لأوروبا حدودان رئيسيتان: الأولى في الشرق، وهي مشبعة حاليًا بالصراع العسكري في أوكرانيا؛ والثانية في الجنوب، في المجال المتوسطي، وتشكل منطقة المغرب العربي عقدتها المركزية، وهو بوابة نحو منطقة الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء.» وبالنسبة إلى إيريني نافارو، فإن هدف الدورة هو تحديد «ما يجب علينا فعله وما يمكننا فعله، من دون الاعتماد على الآخرين»، أي من دون الاعتماد على الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الرئيسي للقارة الأوروبية، ولا على القوى العظمى الأخرى مثل الصين والهند وروسيا. «يجب على أوروبا أن تكون نفسها»؛ وفي هذه الحالة، «فإن المغرب العربي المجاور هو حليفها الاستراتيجي، حيث ينعكس عليه ما هو جيد وما هو سيئ مما يحدث في القارة العجوز».
وانطلاقًا من هذا الخط نفسه المتمثل في «أن نكون أنفسنا»، وهو مفهوم صالح للشمال والجنوب على حد سواء في منطقة البحر الأبيض المتوسط، أوضح مدير تمثيلية المفوضية الأوروبية في إسبانيا، دانيال كاييخا، ما مثلته بالنسبة إلى إسبانيا أربعون سنة من العضوية في الاتحاد الأوروبي، والآليات التي اضطرت إلى وضعها، والشروط التي اضطرت إلى قبولها، والفوائد التي حصلت عليها، وكذلك الصعوبات التي كان عليها تجاوزها. وهي عراقيل قانونية سلط ديميتري بربيروف، نائب رئيس المحكمة العليا الإسبانية، الضوء عليها في مداخلته حول ترسيخ النظام القانوني الإسباني داخل البنية الأوروبية.
وذكّر دانيال كاييخا بالتصريح الذي أدلى به مؤخرًا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومفاده أن «أوروبا فانية». وبعبارة أخرى، وحتى لا يحدث ذلك، هناك حاجة إلى تغييرات هيكلية وظرفية، من خلال الحد من التبعية الخارجية، والحفاظ على القيم الـ12 التي قامت عليها نشأة الاتحاد، والتي تستند إلى أربعة أعمدة: دولة القانون، والمساواة، والحرية، والديمقراطية.
ويواجه الاتحاد الأوروبي اليوم تحديات يتعين عليه التعامل معها إذا أراد الحفاظ على دوره في الساحة الدولية. وهي تحديات تمتد من المجال الاقتصادي (حيث ذكّر دانيال كاييخا بأن أوروبا تسجل عجزًا يوميًا قدره مليار يورو في تجارتها مع الصين)؛ إلى المجال السياسي (الخلافات بين الدول بشأن الجغرافيا السياسية، والتنقل الداخلي، والهجرة، والفوضى العالمية الراهنة)؛ إلى المجال العسكري (بين من يدعون إلى تحقيق استقلال استراتيجي، ومن لا يزالون يدافعون عن أن الاستقلالية الاستراتيجية تمثل تحديًا طويل الأمد)؛ بل وحتى إلى صورته، التي تدهورت بشكل كبير بسبب غموضه غير المفهوم بشأن الحرب في غزة وغزو إسرائيل للبنان، وكذلك بسبب الحرب في إيران التي شنتها الولايات المتحدة، وإغلاق مضيق هرمز، الذي يؤثر في السوق العالمية للطاقة والمواد الأولية. لقد فقد الاتحاد الأوروبي مصداقيته أمام شركائه في أمريكا الإيبيرية، وآسيا وإفريقيا، ولا سيما في شمال إفريقيا، وعليه أن يبذل جهدًا لاستعادتها.
أما تناقض المواقف داخل أعضائه بشأن «أزمة سبتة» الأخيرة، فأكثر من كونه دفاعًا عن المبادئ والحدود، فإنه يعكس خوفًا من «خطر الجنوب»، ومن «الغزوات التي تدبرها المستعمرات السابقة» المفترضة، والتي تسعى، بهذه الطريقة، إلى الانتقام التاريخي.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..