لم يكن احتلال الجزائر في يوليو/تموز 1830 من قبل قوات الملك شارل العاشر مدفوعًا فقط بـ«حادثة المروحة» أو باعتبارات الشرف الوطني، بل جاء أيضًا في سياق مالي جعل من الحملة مشروعًا مربحًا للدولة الفرنسية ولعدد من كبار المصرفيين الخواص. ففي عهد عودة الملكية (الريستوراسيون)، كانت المالية الملكية تعاني هشاشة كبيرة، وتعتمد بشكل أساسي على قروض «البنك العالي» (Haute Banque)، وهو تجمع محدود من المصارف العائلية الكبرى التي كانت تشغل مقاعد في مجلس إدارة بنك فرنسا.
ومن بين أبرز هؤلاء المصرفيين النافذين كان جيمس دي روتشيلد، وعائلة فولد (Fould)، إلى جانب عدد من كبار المصرفيين الباريسيين الذين كان يُنظر إليهم آنذاك باعتبارهم «سادة المالية في فرنسا».
تمويل الحملة العسكرية على الجزائر
قبيل انطلاق الحملة، كان شارل العاشر بحاجة إلى ضمان دعم هؤلاء الممولين لتغطية تكاليف العملية العسكرية والبحرية الضخمة، التي شارك فيها نحو 40 ألف جندي وأكثر من 450 سفينة.
وتشير الوثائق التاريخية والأبحاث إلى أن اتفاقًا ماليًا أُبرم مسبقًا، يقضي بأن يوفر المصرفيون الأموال اللازمة للحملة، على أن تُضمن هذه القروض من خلال الاستيلاء على خزينة الجزائر بعد احتلالها.
وبعبارة أخرى، كان المخطط يقضي بأن تمول الحملة نفسها بنفسها عبر نهب أموال إيالة الجزائر، مع تحقيق فائض مالي بعد تغطية جميع النفقات.
وتؤكد عدة مؤشرات هذا السيناريو. فقد كشفت مذكرة سرية وُجهت إلى الجنرال دي بورمون، قائد الحملة، قبل الإبحار، أن:
«سيتم الاستيلاء على الجزائر، ومعها الثروات التي تحتويها.»
وأضافت المذكرة أن جميع تكاليف العملية العسكرية ستُغطى بالكامل من خزينة الجزائر، بل وستحقق فائضًا ماليًا.
وقد أقنع هذا الوعد بالغنائم الكبيرة الجهات الممولة بدعم المشروع. وبالفعل، لم تشكل حملة 1830 عبئًا طويل الأمد على ميزانية الدولة الفرنسية.
فبحسب تقييم حكومي صدر سنة 1845، بلغت التكلفة الإجمالية لاحتلال الجزائر والعمليات العسكرية حتى ذلك التاريخ حوالي 48.5 مليون فرنك ذهبي، وهو مبلغ يكاد يطابق القيمة الرسمية لخزينة الجزائر التي استولت عليها القوات الفرنسية.
وهذا يعني أن الحملة كانت، بالنسبة للخزينة الفرنسية، عملية ممولة بالكامل من الأموال الجزائرية نفسها، وأن المصارف التي موّلت الحملة استردت أموالها مباشرة من غنائم الحرب.
دور عائلة روتشيلد
تُظهر عدة مصادر أن عائلة روتشيلد لعبت دورًا محوريًا في تمويل الحملة.
فقد أفاد عدد من الباحثين بأن جيمس دي روتشيلد منح نظام شارل العاشر قروضًا لتمويل تجهيز الحملة العسكرية، واستُردت هذه القروض بأرباح ضخمة بعد الانتصار، بفضل الأموال التي عُثر عليها في خزينة الجزائر.
وبذلك، كان كل سبائك الذهب والفضة التي أُخذت من قصبة الجزائر تغذي، جزئيًا، خزائن تلك المصارف، لتتحول الحرب إلى استثمار شديد الربحية.
مصارف أخرى استفادت من العملية
إلى جانب روتشيلد، شاركت مؤسسات مصرفية أخرى وُصفت آنذاك بأنها يهودية أو متحالفة معها، من بينها:
- بنك فولد (Fould)، الذي أسسه بير ليون فولد، أحد محافظي بنك فرنسا.
- دار سيليير (Seillière).
وتشير بعض الروايات إلى أن هذا التكتل المالي تفاوض مع الخزينة الملكية حول شروط التمويل، مقابل الحصول على نصيب من الثروات التي ستتم مصادرتها بعد احتلال الجزائر.
وهكذا، ورغم أن الحملة قُدمت للرأي العام الفرنسي باعتبارها قضية مرتبطة بالهيبة الوطنية، فإنها استندت أيضًا إلى حسابات مالية دقيقة، لعبت فيها المصارف الكبرى، بما فيها عائلات يهودية نافذة، دور «المستثمر الخفي» في المشروع الاستعماري.
ديون بكري وبوشناق: النزاع المالي الذي سبق الاحتلال
يمثل ملف ديون بكري وبوشناق الجانب المالي الآخر الذي يُعد من الأسباب المباشرة للأزمة الفرنسية الجزائرية.
وتعود القضية إلى فترة الثورة الفرنسية والإمبراطورية، حين قام التاجران اليهوديان الجزائريان جاكوب (جوزيف) بكري ونفتالي (ميشال) بوشناق، بين عامي 1793 و1798، بتزويد الحكومة الفرنسية بكميات كبيرة من القمح، ولا سيما أثناء الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون.
وقد تم توريد هذه الشحنات بالدين، بينما تكفل داي الجزائر بضمان العملية.
وكان بكري وبوشناق يتمتعان بمكانة مميزة لدى البلاط العثماني في الجزائر، إذ كانا من كبار موردي الدولة ومستشاريها الماليين، كما استفادا من امتيازات تجارية واسعة.
وقد دفع الداي الأموال اللازمة لشراء القمح، على أساس أن تستردها الجزائر لاحقًا من فرنسا.
إلا أن فرنسا، رغم دفعها بعض الأقساط، لم تسدد معظم الدين خلال سنوات الثورة والإمبراطورية.
وبعد سقوط نابليون، بقي الملف معلقًا.
وفي سنة 1819، حاول اتفاق فرنسي جزائري تسوية القضية، حيث وافقت فرنسا على دفع سبعة ملايين فرنك إلى جاكوب بكري، وهو مبلغ أقل بكثير من القيمة التي كان الدائنون يطالبون بها.
ويقدر المؤرخون أن بكري وبوشناق، أو ورثتهما بعد اغتيال بوشناق سنة 1805، كانوا قد حصلوا مسبقًا على ما بين أربعة وخمسة ملايين فرنك.
وبذلك أصبح مجموع ما دُفع لهم حوالي 11 إلى 12 مليون فرنك، وهو مبلغ ظل بعيدًا عن مطالبهم الأصلية، التي بلغت 24 مليون فرنك بعد احتساب الفوائد المتراكمة.
ورأت السلطات الفرنسية آنذاك أن هذا المبلغ مبالغ فيه، ويتضمن فوائد وصفتها بالمفرطة، خاصة أن بعض شحنات القمح كانت قد تعرضت للتلف، وهو ما استخدمته فرنسا ذريعة لتعليق المدفوعات منذ بداية القرن التاسع عشر.
وفي النهاية، اضطر بكري إلى قبول التسوية التي بلغت سبعة ملايين فرنك فقط.
لكن حتى هذا المبلغ لم يصل كاملًا.
فبحلول سنة 1827، وبعد سبع سنوات من الاتفاق، كانت فرنسا قد دفعت نحو نصف المبلغ فقط.
وكان الداي حسين يرى أن بكري وورثة بوشناق عاجزون عن سداد الأموال التي استلفوها منه، بسبب عدم تسلمهم كامل مستحقاتهم من فرنسا.
وأثار ذلك غضبه الشديد.
وخلال لقائه بالقنصل الفرنسي بيار دوفال في 30 أبريل/نيسان 1827، طالب الداي للمرة الأخيرة بتسديد بقية الدين.
وتحوّل النقاش إلى مشادة انتهت بقيام الداي بضرب القنصل الفرنسي بمروحة يدوية، فيما عُرف لاحقًا بـحادثة المروحة، وهي الحادثة التي اتخذتها فرنسا الذريعة الرسمية لإرسال حملتها العسكرية إلى الجزائر سنة 1830.
وهكذا، يرى المقال أن المصالح المالية للتاجرين اليهوديين بكري وبوشناق كانت في قلب الأزمة التي قادت إلى الحرب.
ويقدّر أن الدين الفرنسي المتبقي آنذاك كان يتراوح بين 3 و4 ملايين فرنك.
وبدلًا من تسديده، اختارت حكومة شارل العاشر الحل العسكري، أملاً في إنهاء هذا الالتزام المالي عبر إسقاط الدائن نفسه.
ويرى بعض الباحثين أن احتلال الجزائر مكّن باريس من التخلص بالقوة من هذا الدين، إذ اعتبرت فرنسا القضية منتهية بعد سقوط الجزائر، ولم تدفع أي تعويض للدائنين الجزائريين.
وبذلك ضاعت نهائيًا بقية مستحقات عائلة بكري، التي كانت قد ازدهرت خلال الثورة الفرنسية، لتصبح، في مفارقة تاريخية، من ضحايا المشروع الاستعماري الذي ساهمت، بصورة غير مباشرة، في اندلاع أسبابه.
خزينة القصبة: نهب الثروة وإعادة توزيع الغنائم
قيمة خزينة الجزائر والاستيلاء عليها
كانت خزينة داي الجزائر، التي تراكمت فيها الثروات على مدى سنوات داخل قصبة الجزائر، الهدف المالي الرئيسي للحملة الفرنسية.
وقبل الغزو بسنوات، كانت أجهزة الاستخبارات الفرنسية قد أعدت تقديرات مغرية بشأن حجم هذه الثروة.
ففي تقرير سري رفعه الماركيز دو كليرمون تونير، وزير الحرب، إلى الملك سنة 1827، قُدرت قيمة خزينة الجزائر بأكثر من 150 مليون فرنك من الأموال النقدية والذهب والفضة والمقتنيات الثمينة.
وأشار التقرير إلى أن الداي حسين، في حال تعرضه للحصار، لن يكون قادرًا على إخراج هذه الأموال لا بحرًا بسبب الحصار، ولا برًا خشية تمرد قواته.
لذلك، أصبحت السيطرة على هذه الثروة هدفًا مغريًا للحكومة الفرنسية ولممولي الحملة.
وعندما استسلمت الجزائر في 5 يوليو/تموز 1830، أعلنت القوات الفرنسية أنها عثرت بالفعل على كميات هائلة من الذهب والفضة داخل خزائن القصبة.
وأبلغ الجنرال دي بورمون وزيره بعد أيام من سقوط المدينة بأنه تم العثور على ما يقارب 52 مليون فرنك من الذهب والفضة في خزينة الداي.
ووفق الجرد الرسمي، شملت هذه الثروة:
- 7212 كيلوغرامًا من الذهب (سبائك وعملات).
- 108704 كيلوغرامات من الفضة.
كما ضُبطت كميات كبيرة من القمح والزيوت والصوف والأسلحة والذخائر، قدرت قيمتها بنحو 20 مليون فرنك إضافية.
لكن المقال يرى أن هذه الأرقام قد تكون أقل بكثير من الحجم الحقيقي للثروة.
شبهات اختلاس جزء من الخزينة
منذ الأيام الأولى بعد سقوط الجزائر، ظهرت شكوك حول اختفاء جزء كبير من الأموال.
ففي ليلة 6 يوليو 1830، وبعد ساعات فقط من تسليم مفاتيح الخزينة، اكتُشف أول حادث سرقة، حيث كُسرت بعض الصناديق، واختفى ما بين 25 و30 ألف فرنك ذهبًا عبر فتحة أحدثت في أحد جدران غرفة حفظ الأموال.
ورغم أن قيمة هذا المبلغ كانت محدودة مقارنة بحجم الخزينة، فإن العديد من المصادر اعتبرته مجرد بداية لعملية اختلاس أوسع.
وأشار القنصل الأمريكي في الجزائر ويليام شالر، الذي كان حاضرًا أثناء الاحتلال، إلى أن خزينة الجزائر كانت تساوي حوالي 160 مليون فرنك.
كما سبق للقنصل الفرنسي بيار دوفال أن قدّرها سنة 1828 بنحو 150 مليون فرنك.
وتدفع هذه التقديرات بعض المؤرخين إلى الاعتقاد بأن الجزء الذي أُعلن عنه رسميًا لم يكن سوى جزء من الأموال الحقيقية.
ويرى المؤرخ مارسيل إيميري، بعد دراسة الوثائق الأرشيفية، أن خزينة الداي ربما كانت تقترب بالفعل من 150 مليون فرنك، وهو ما يعني أن نحو 100 مليون فرنك لم تظهر في الحسابات الرسمية.
كما أشار إلى أن مبلغ 52 مليون فرنك الناتج عن الاستيلاء على الخزينة لا يظهر ضمن الإيرادات الرسمية للدولة الفرنسية، ما يوحي بأنه اتخذ مسارًا آخر خارج السجلات المحاسبية.
ورغم تشكيل لجنة تحقيق عسكرية في أكتوبر/تشرين الأول 1830 لمراجعة الجرد، خلصت اللجنة إلى أنه «لم يتم اختلاس أي شيء»، وأغلقت الملف.
غير أن هذه النتيجة لم تُنه الجدل، إذ يرى عدد من المؤرخين والمعاصرين أن نهب الجزائر أدى إلى إثراء خاص واسع النطاق، على حساب الخزينة الفرنسية نفسها، فضلًا عن إيالة الجزائر.
إعادة توزيع الغنائم: من استفاد؟
تشير الوثائق التاريخية والأبحاث الحديثة، وفق المقال، إلى أن ثروات الجزائر لم تذهب كلها إلى خزينة الدولة الفرنسية، بل دخلت في شبكة معقدة من المصالح جمعت بين المسؤولين العسكريين والسياسيين والمصرفيين والصناعيين.
فقد دخل نحو 48 مليون فرنك في الحسابات الرسمية للدولة، واستُخدمت هذه الأموال لتمويل استمرار العمليات العسكرية في الجزائر وتغطية تكاليف الاحتلال الأولي.
لكن جزءًا كبيرًا من الغنائم خرج من المسار الرسمي.
نقل الذهب بسرية
يذكر المقال أن الذهب نُقل إلى فرنسا تحت غطاء شحنات وُصفت بأنها «طرود من الرصاص»، بهدف إخفاء طبيعة الحمولة.
وبعد وصولها، بدأت عملية توزيع الغنائم بعيدًا عن الأنظار.
وبحسب تحقيق أجراه الصحفي بيير بيان، استفاد من هذه الأموال:
- عدد من الضباط والمفوضين العسكريين الذين اقتطعوا لأنفسهم عمولات.
- شركات كبرى زودت الجيش بالمعدات، مثل شنايدر (Schneider) وسيليير (Seillière)، والتي استوفت مستحقاتها من الأموال المصادرة.
- شخصيات سياسية رفيعة في الدولة.
اتهامات موجهة إلى لويس فيليب
ينقل المقال عن المؤرخ مارسيل إيميري أن الملك لويس فيليب، الذي تولى الحكم بعد ثورة يوليو 1830، يُشتبه في أنه حصل شخصيًا على النصيب الأكبر من الأموال المختلسة.
ويُقال إنه أدخل إلى خزينته الخاصة ما يصل إلى 50 مليون فرنك من أموال خزينة الداي.
أما الملك المخلوع شارل العاشر، فقد حصل، بحسب المقال، على جزء من هذه الأموال لتمويل منفاه في براغ وغوريتس.
مكافأة المصارف الممولة
ويؤكد المقال أن المصارف التي موّلت الحملة كانت من أبرز المستفيدين.
ورغم أن التقارير الرسمية لم تذكر أسماءها صراحة، فإنها تحدثت عن «مصرفيين» استوفوا مستحقاتهم من خزينة الجزائر.
ويعتبر المقال أن عائلة روتشيلد، بوصفها أحد أكبر دائني الدولة الفرنسية، كانت في مقدمة هؤلاء، إذ استردت جزءًا من الذهب والفضة المصادَرين مقابل القروض التي قدمتها.
كما استفاد بنك فولد، إلى جانب شركات شنايدر وسيليير، التي تقاضت مستحقاتها مقابل المدافع والمؤن والمعدات التي زودت بها الجيش الفرنسي.
استخدام الأموال في مشاريع سياسية
ويشير المقال أيضًا إلى أن جزءًا من الذهب القادم من الجزائر استُخدم، بحسب تحقيق بيير بيان، في تمويل محاولة دوقة بيري لإعادة أسرة البوربون إلى الحكم سنة 1832.
ويرى أن ذلك يعكس استخدامًا سريًا لثروات الجزائر في خدمة مصالح سياسية داخل فرنسا.
ويخلص هذا الجزء إلى أن نهب الجزائر أدى، بحسب المقال، إلى إثراء شبكة واسعة من المصرفيين والصناعيين والعسكريين والسياسيين، الذين اعتبروا الغنائم بمثابة «الجائزة الكبرى» التي رافقت بداية المشروع الاستعماري الفرنسي.
ويضيف المقال أن المصالح المالية المرتبطة بيهود فرنسا ظهرت على مستويين:
- تصفية ملف ديون بكري وبوشناق بالقوة العسكرية، بما أنهى التزامات فرنسا المالية تجاههم.
- مشاركة عدد من كبار المصرفيين اليهود في تمويل الحملة، ثم استفادتهم من الأموال التي استولى عليها الجيش الفرنسي.
-
العائلات اليهودية الكبرى والشبكات الاستعمارية في مطلع القرن التاسع عشر
يرى المقال أن مشاركة المصرفيين اليهود في تمويل حملة الجزائر سنة 1830 لم تكن حدثًا معزولًا، بل جاءت ضمن ظاهرة أوسع تمثلت في صعود عدد من العائلات اليهودية الفرنسية الكبرى داخل الاقتصاد والسياسة وشبكات التوسع الإمبراطوري خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.
فقد شكّل احتلال الجزائر بداية المشروع الاستعماري الفرنسي في شمال إفريقيا، والذي تلاه التوسع داخل الجزائر خلال أربعينيات القرن التاسع عشر، ثم حملات أخرى في الشرق ومناطق مختلفة من العالم.
ويشير المقال إلى أن هذه المرحلة شهدت حضورًا متكررًا لما يسميه “البنك العالي اليهودي”، إلى جانب تجار من أصول يهودية، الذين لعبوا أدوارًا مختلفة، سواء كممولين للمشاريع الاستعمارية أو كفاعلين في التجارة المرتبطة بها.
مصرفيو “البنك العالي” والنفوذ السياسي
خلال عهد ملكية يوليو (1830-1848) ثم الإمبراطورية الثانية (1852-1870)، برزت شخصيات تنتمي إلى عائلات يهودية في مقدمة الحياة المالية، وكان لها حضور في السياسات الاستعمارية الفرنسية.
عائلة روتشيلد
تُعد عائلة روتشيلد المثال الأبرز.
فقد استقر جيمس دي روتشيلد في باريس منذ سنة 1812، وأصبح المصرفي الرئيسي للدولة الفرنسية، حيث موّل عددًا من القروض الحكومية الكبرى، من بينها قرض بقيمة 120 مليون فرنك سنة 1831 لدعم مالية الدولة بعد احتلال الجزائر.
ويضيف المقال أن نفوذه تجاوز المجال المالي ليصل إلى الدبلوماسية، إذ ساهم في تهيئة الظروف السياسية التي سبقت حملة الجزائر، بما في ذلك العمل على تجنب معارضة بريطانيا للمشروع الفرنسي.
وفي السنوات اللاحقة، واصلت مؤسسة روتشيلد، بحسب المقال، دعم عدد من المشاريع المرتبطة بالإمبراطورية الفرنسية عندما كانت تخدم مصالحها المالية.
ومن بين الأمثلة التي يوردها:
- المساهمة غير المباشرة في تمويل حرب القرم (1854-1856).
- دعم تمويل الحملة الفرنسية في المكسيك خلال ستينيات القرن التاسع عشر.
- الاستثمار في السكك الحديدية الفرنسية، التي كانت تنقل الجنود والبضائع إلى الموانئ المتوسطية.
- الاهتمام بمشاريع السكك الحديدية والمناجم في الجزائر.
ويشير المقال إلى أن الشبكة الدولية لعائلة روتشيلد، الممتدة بين باريس ولندن وفيينا، مكّنتها من توجيه رؤوس الأموال نحو المشاريع الاستعمارية التي تراها مربحة.
عائلة فولد
إلى جانب روتشيلد، يبرز المقال عائلة فولد بوصفها نموذجًا آخر لصعود عائلة يهودية إلى قمة السلطة المالية والسياسية.
فقد شارك بير ليون فولد، مؤسس بنك فولد-أوبنهايم، في تمويل حملة الجزائر سنة 1830.
أما ابنه أشيل فولد، فقد أصبح لاحقًا وزيرًا للمالية في عهد نابليون الثالث.
ومن موقعه هذا، أشرف على تمويل السياسات الاستعمارية، وسعى إلى ضمان أن تتحول الجزائر من عبء عسكري إلى مشروع اقتصادي.
كما ساهم في إنشاء الشركة الجزائرية (Compagnie Algérienne) سنة 1851، وهي مؤسسة مالية هدفت إلى جذب الاستثمارات الخاصة نحو الأراضي والبنية التحتية في الجزائر.
ويرى المقال أن هذه المبادرة تعكس اقتناع الأوساط المالية اليهودية بأن الجزائر تمثل مجالًا استثماريًا طويل الأمد.
التجار والوسطاء وبناء التجارة الاستعمارية
لا يحصر المقال دور اليهود في كبار المصرفيين فقط، بل يشير أيضًا إلى حضورهم داخل شبكات التجارة والإدارة في الجزائر.
فعند نزول القوات الفرنسية في سيدي فرج سنة 1830، استعانت القيادة العسكرية الفرنسية بعدد من السكان اليهود المحليين بوصفهم أدلاء ومترجمين ووسطاء مع السكان والسلطات العثمانية.
ويورد شهادات تاريخية تقول إن الفرنسيين استخدموا اليهود منذ الأيام الأولى للغزو لتسهيل التواصل مع المجتمع المحلي.
وفي المقابل، يرى المقال أن كثيرًا من يهود الجزائر اعتبروا وصول الفرنسيين فرصة للخروج من وضعهم السابق في ظل الحكم العثماني، حيث كانوا يتمتعون بوضع “أهل الذمة”، بينما كانت فرنسا تعدهم بالمساواة القانونية.
ومن بين الشخصيات التي يذكرها المقال:
- عائلة بكري.
- عائلة بوشناق.
- الإخوة بنيشو.
- جوزيف كوهين.
وقد عمل بعض أفراد هذه العائلات كمترجمين وسماسرة وموردين للإدارة الاستعمارية الجديدة.
وبعد الاحتلال، توسعت التجارة بين الجزائر والموانئ الأوروبية، خصوصًا مرسيليا وليفورنو، حيث نشط عدد من التجار اليهود في تجارة الحبوب والزيوت والمنسوجات وغيرها.
تصاعد العداء لليهود
لكن المقال يشير إلى أن هذا التقارب لم يستمر طويلًا.
فمع مرور الوقت، تطورت داخل الأوساط الاستعمارية الفرنسية مواقف معادية لليهود، وبدأ توجيه اتهامات لهم بالربا والاحتيال والتعاون مع النظام العثماني السابق.
ورغم ذلك، استفاد يهود الجزائر تدريجيًا من سلسلة إصلاحات قانونية، بدأت بإلغاء وضع “الذمة”، ثم انتهت بمنحهم الجنسية الفرنسية بموجب مرسوم كريميو سنة 1870.
ويرى المقال أن هذا التطور القانوني منحهم إمكانية تأسيس شركات وبنوك والاستثمار في الأراضي داخل الجزائر الاستعمارية.
المستثمرون وبناء الإمبراطورية الفرنسية
ويختتم المقال هذا المحور بالتأكيد على أن مساهمة العائلات اليهودية لم تقتصر على الجزائر، بل امتدت إلى عدد من مشاريع التوسع الفرنسي خلال القرن التاسع عشر.
ويذكر مثال الأخوين إسحاق وإميل بيرير، اللذين أسسا بنك كريدي موبيلييه سنة 1852.
وبحسب المقال، فقد موّلا عددًا من المشاريع الكبرى، منها:
- الشركة العامة البحرية التي ربطت فرنسا بالجزائر عبر السفن البخارية.
- خطوط السكك الحديدية في الجزائر.
- المساهمة في تمويل مشروع قناة السويس إلى جانب فرديناند دي لسبس.
كما يذكر المقال أسماء أخرى، منها:
- جوناس فيليبس يونك، الذي استثمر في مناجم الرصاص بالجزائر.
- عائلة كاموندو، التي موّلت التجارة مع المشرق وشمال إفريقيا.
- ألفونس دي روتشيلد، الذي شارك لاحقًا في ملف الديون التونسية.
- غوستاف دي إيشتال، الذي دعا إلى مشروع استعماري وصفه بـ”التحديثي” في الجزائر.
خلاصة
ويخلص المقال إلى أن العائلات اليهودية الفرنسية الكبرى، سواء كانت مصرفية مثل روتشيلد وفولد، أو تجارية مثل بكري وكاموندو، أو استثمارية مثل بيرير، لعبت دورًا مهمًا في بدايات المشروع الاستعماري الفرنسي.
ويرى أن قدرتها المالية شكّلت عنصرًا أساسيًا في تمويل حملة الجزائر، ثم في دمج المستعمرة الجديدة داخل الاقتصاد الفرنسي من خلال القروض والبنية التحتية والاستثمارات.
ويشير في الوقت نفسه إلى أن هذه العائلات واجهت منافسة من قوى مالية وسياسية أخرى، كما تعرضت أحيانًا لموجات من العداء للسامية.
وينتهي المقال بالقول إن الفترة الممتدة بين 1830 و1870 شهدت، وفق رؤية الكاتب، تزامنًا بين توسع النفوذ المالي للعائلات اليهودية الكبرى واتساع الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، معتبرًا أن نهب الجزائر سنة 1830 كان بداية علاقة طويلة بين المصالح المالية والمشروع الاستعماري الفرنسي.
بقلم: خالد بولعزيز
عن موقع Lanation.net



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..