لم تعد الجزائر تخفي رغبتها في إعادة ترتيب حضورها داخل منطقة الساحل، بعد سنوات شهدت خلالها مكانتها الإقليمية تراجعا واضحا أمام صعود قوى جديدة وتغير موازين التحالفات في المنطقة. وفي هذا السياق، جاءت الهبة العسكرية التي قدمتها للنيجر، والمتمثلة في أربع مروحيات إلى جانب الذخائر وقطع الغيار ومعدات الصيانة والدعم اللوجستي، لتطرح أكثر من سؤال حول الأهداف الحقيقية وراء هذه الخطوة.
فالبيانات الرسمية الجزائرية قدمت العملية باعتبارها امتدادا للعلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين، وكتعبير عن استعداد الجزائر لمساندة النيجر في مواجهة التحديات الأمنية التي تواجهها. لكن وضع هذه الهبة في سياقها السياسي والإقليمي يجعل من الصعب النظر إليها باعتبارها مجرد تعاون عسكري تقني بين دولتين متجاورتين.
الأمر يتعلق، في جانب كبير منه، بمحاولة جزائرية لاستعادة موطئ قدم في منطقة تغيرت قواعد اللعب فيها بصورة جذرية.
من القطيعة إلى البحث عن مخرج
خلال السنوات الأخيرة، فقدت الجزائر جزءا من هامش الحركة الذي كانت تتمتع به تقليديا في الساحل. فالعلاقات مع مالي دخلت مرحلة توتر حاد، كما تراجعت قدرة الجزائر على التأثير في النيجر وبوركينا فاسو، في وقت كانت فيه الدول الثلاث تتجه نحو بناء تحالف إقليمي خاص بها، بعيدا عن عدد من الأطر والشركاء التقليديين.
ومع بروز تحالف دول الساحل، لم تعد العواصم الثلاث تنظر إلى علاقاتها الخارجية من المنظور نفسه الذي كان سائدا قبل الانقلابات العسكرية التي غيرت المشهد السياسي في المنطقة.
وهنا وجدت الجزائر نفسها أمام واقع جديد: دول كانت تعتبرها مجالا طبيعيا لنفوذها الإقليمي أصبحت أكثر استقلالية في خياراتها، وأكثر انفتاحا على شركاء جدد، وأقل استعدادا لقبول الوصاية السياسية من أي قوة إقليمية.
وتفاقمت هذه المعضلة مع الأزمة الجزائرية المالية المرتبطة بحادثة الطائرة المسيّرة، والتي كشفت هشاشة العلاقات بين الجزائر وباماكو، وأظهرت أن النفوذ التاريخي الذي كانت الجزائر تراهن عليه لم يعد كافيا لضمان توافق دائم مع جيرانها في الساحل.
النيجر.. اختبار للواقعية الجزائرية
في النيجر، تبدو المفارقة أكثر وضوحا.
فالجزائر التي كانت من أشد المدافعين عن العودة إلى النظام الدستوري عقب الإطاحة بالرئيس محمد بازوم، وجدت نفسها مضطرة في نهاية المطاف إلى التعامل مع السلطة العسكرية التي تدير البلاد فعليا.
عودة السفير الجزائري إلى نيامي كانت إحدى أبرز الإشارات إلى هذا التحول. فبعد مرحلة من التوتر والجمود، بدأت لغة المصالح تتقدم تدريجيا على الاعتبارات السياسية التي كانت تهيمن على الموقف الجزائري.
وهكذا انتقلت الجزائر، ولو بصورة تدريجية، من محاولة التأثير في شكل النظام السياسي داخل النيجر إلى محاولة بناء علاقة عملية مع السلطة الموجودة على الأرض.
وتأتي الهبة العسكرية في هذا السياق تحديدا.
فالجزائر لا تقدم للنيجر مجرد أربع مروحيات وكمية من الذخائر وقطع الغيار، وإنما تبعث برسالة مفادها أنها لا تزال قادرة على تقديم شيء ملموس لشريكها الجنوبي، وأنها تريد العودة إلى المشهد من بوابة التعاون الأمني والعسكري.
لكن المشكلة أن هذه العودة تأتي بعد أن تغير المشهد بالكامل.
«دبلوماسية الخردة» أم دبلوماسية الضرورة؟
من زاوية نقدية، يمكن وصف الخطوة بأنها نوع من «دبلوماسية الخردة»، خصوصا إذا كانت المعدات المرسلة قد أصبحت قديمة أو مستعملة ولم تعد تمثل إضافة نوعية كبيرة إلى قدرات الجيش الجزائري.
لكن المسألة لا تتوقف عند القيمة التقنية للمروحيات.
فحتى المعدات العسكرية القديمة يمكن أن تحمل قيمة سياسية عندما تستخدمها دولة ما كوسيلة لإعادة فتح قنوات التعاون مع دولة أخرى. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا أرسلت الجزائر إلى النيجر؟ وإنما: لماذا اختارت الجزائر إرسالها الآن؟
الإجابة تبدو مرتبطة بمحاولة سد الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الجزائري في الساحل.
فالجزائر لا تتحرك في بيئة إقليمية مستقرة، بل في منطقة أصبحت ساحة تنافس بين قوى متعددة، فيما تبحث حكومات الساحل عن أكبر قدر ممكن من تنويع الشراكات وعدم الارتهان لطرف واحد.
وبالتالي، فإن إرسال معدات عسكرية إلى نيامي قد يمنح الجزائر مساحة للتواصل والتأثير، لكنه لا يضمن بأي حال عودة نفوذها السابق.
من المروحيات إلى الطاقة
الأهم أن التعاون العسكري ليس الورقة الوحيدة التي تحاول الجزائر استخدامها في علاقتها مع النيجر.
فعودة الاهتمام بنشاط شركة سوناطراك في النيجر، إلى جانب المشاريع الطاقية والاستراتيجية التي تربط البلدين، تمنح التحرك الجزائري بعدا اقتصاديا يتجاوز مجرد المساعدة العسكرية.
وهنا تتحول المروحيات إلى جزء من حزمة أوسع من الأدوات: التعاون الأمني، الطاقة، الحدود، والاستثمارات والمشاريع العابرة للحدود.
إنها محاولة لإعادة بناء علاقة متعددة المستويات مع نيامي، بعدما أدركت الجزائر أن النفوذ السياسي وحده لم يعد كافيا لضمان حضورها في الساحل.
المغرب يتحرك من بوابة مختلفة
في المقابل، يبرز اختلاف واضح في الأدوات التي تستخدمها الرباط في التعامل مع دول الساحل.
فبدلا من حصر المقاربة في التعاون الأمني والعسكري، يدفع المغرب باتجاه ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي عبر البنية التحتية والموانئ المغربية، في إطار المبادرة التي أعلنها الملك محمد السادس لتمكين الدول غير الساحلية في المنطقة من الوصول إلى البحر.
وهذه المقاربة تمنح الرباط ورقة جيو-اقتصادية طويلة الأمد، لأنها تربط المصالح الاقتصادية والتجارية واللوجستية لدول الساحل بشبكة من البنى التحتية والممرات التجارية.
وفي منطقة تبحث فيها الحكومات عن بدائل وشراكات جديدة، قد تكون المشاريع التي تخلق مصالح اقتصادية مستدامة أكثر قدرة على إنتاج نفوذ طويل الأمد من الهبات العسكرية، حتى وإن كانت الأخيرة أكثر سرعة في إظهار الحضور السياسي.
هل تستطيع الجزائر شراء الوقت؟
التحرك الجزائري باتجاه النيجر يكشف قبل كل شيء أن الجزائر أدركت أن ترك الساحة فارغة لم يعد خيارا.
لكن استعادة النفوذ ليست مسألة إرسال شحنة عسكرية أو إعادة سفير. فالنفوذ الإقليمي يُبنى على الثقة، والمصالح المتبادلة، والمشاريع طويلة الأمد، والقدرة على مواكبة التحولات السياسية بدل الاكتفاء بردود الفعل عليها.
وإذا كانت «دبلوماسية المحفظة» قد تمنح الجزائر مدخلا جديدا إلى نيامي، فإن تحويل هذا المدخل إلى نفوذ حقيقي ومستدام سيتطلب أكثر بكثير من أربع مروحيات وقطع غيار وذخائر.
فالنيجر اليوم ليست النيجر التي كانت قبل سنوات، والساحل نفسه لم يعد الساحة التي اعتادت الجزائر التحرك فيها بأريحية.
وبينما تحاول الجزائر ترميم ما تصدع عبر العتاد والطاقة والدبلوماسية، يبقى السؤال الأهم:
هل بدأت الجزائر فعلا استعادة نفوذها في الساحل، أم أنها تحاول فقط شراء الوقت قبل أن تترسخ موازين القوى الجديدة؟



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..