في 21 أغسطس/آب 1993، سقط قاصدي مرباح، رئيس الحكومة الأسبق والمدير السابق للأمن العسكري، برصاص مجموعة مسلحة في برج البحري. كما قُتل معه ابنه وشقيقه واثنان من مساعديه. وسرعان ما نسبت الرواية الرسمية العملية إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، غير أن عائلته لم تتوقف يومًا عن التأكيد على أن الأمر يتعلق باغتيال سياسي، وأن التحقيق جرى توجيهه عمدًا بعيدًا عن الحقيقة. وبعد ثلاثة وثلاثين عامًا، لا تزال إحدى أكثر القضايا حساسية في تاريخ الجزائر المعاصر دون إجابة مقنعة.

كان قاصدي مرباح من بين الدائرة الضيقة للقيادات التي كانت تمتلك معرفة بأكثر أسرار السلطة الجزائرية حساسية.

فقد تولى سابقًا إدارة الأمن العسكري، وشغل عدة مناصب وزارية، ثم أصبح رئيسًا للحكومة، وشارك في جميع التحولات الكبرى التي عرفها النظام الجزائري منذ الاستقلال. وكان يعرف الرجال، والشبكات، والصراعات، وآليات عمل النظام الذي ساهم بنفسه في بنائه.

وعندما اغتيل في أغسطس/آب 1993، لم يعد واحدًا من الحراس الصامتين لذلك النظام، بل أصبح زعيم حزب سياسي ومعارضًا يدعو إلى حل سياسي للأزمة التي كانت تدفع الجزائر نحو دوامة العنف.

وهذه الهوية المزدوجة ــ رجل سابق في قلب النظام، ثم مناصر متأخر للحوار ــ تمنح اغتياله بعدًا تاريخيًا خاصًا.

من حرب التحرير إلى قمة الدولة

كان قاصدي مرباح الاسم الحركي لعبد الله خلف، المولود في 16 أبريل/نيسان 1938، والمنحدر من عائلة تنتمي إلى بني يني.

التحق في سن مبكرة بصفوف ثورة التحرير الوطنية، وانضم إلى أجهزة الاستخبارات التابعة لجبهة التحرير الوطني.

وفي عام 1960، أصبح مسؤولًا عن الإعلام العملياتي داخل هيئة أركان جيش التحرير الوطني، وكان ينتمي إلى ذلك الجيل من الإطارات الذين تخرجوا من العمل السري، وكانوا يعتبرون الاستخبارات سلاحًا أساسيًا في مواجهة الاستعمار.

وبعد الاستقلال، تولى قيادة جهاز الأمن العسكري، وظل يشغل هذا المنصب الاستراتيجي قرابة سبعة عشر عامًا، من 1962 إلى 1979.

وفي الجزائر آنذاك، لم يكن رئيس جهاز الأمن يقتصر دوره على جمع المعلومات، بل كان يراقب المؤسسات، ويتابع كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، ويتدخل في التوازنات الداخلية للنظام، ويحتفظ بأكثر ملفات الدولة حساسية.

وقد أكسبه بقاؤه الطويل في هذا المنصب سمعة الرجل الأكثر اطلاعًا على أسرار البلاد.

كما شارك قاصدي مرباح في الإطاحة بالرئيس أحمد بن بلة في 19 يونيو/حزيران 1965، وصعود هواري بومدين إلى السلطة، الذي ظل وفيًا له لسنوات طويلة.

وبعد وفاة بومدين في ديسمبر/كانون الأول 1978، لعب دورًا مهمًا في المشاورات التي انتهت باختيار الشاذلي بن جديد رئيسًا للجمهورية، إذ اعتُبر القائد السابق للناحية العسكرية الثانية آنذاك مرشحًا توافقيًا بين مختلف أجنحة السلطة.

ولم يتراجع نفوذ قاصدي مرباح بعد مغادرته جهاز الأمن العسكري.

فقد عينه الشاذلي بن جديد أمينًا عامًا لوزارة الدفاع، ثم نائبًا لوزير الدفاع مكلفًا بالدعم والصناعات العسكرية، قبل أن يتولى وزارة الصناعات الثقيلة، ثم وزارة الفلاحة، ثم وزارة الصحة.

وفي الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 1988، وبعد أسابيع قليلة من أحداث أكتوبر، عُين رئيسًا للحكومة.

فترة قصيرة على رأس الحكومة

وصل قاصدي مرباح إلى رئاسة الحكومة في وقت كانت فيه الجزائر تعيش أزمة عميقة.

فقد كشفت احتجاجات أكتوبر 1988 عن استنفاد النموذج السياسي القائم على الحزب الواحد، وعن تفاقم الأزمة الاقتصادية واتساع رقعة السخط الشعبي.

وفي تلك المرحلة، شرعت السلطة في سلسلة من الإصلاحات انتهت بإقرار دستور جديد وفتح المجال أمام التعددية السياسية.

لكن قاصدي مرباح لم يمكث طويلًا في رئاسة الحكومة.

فقد اتسمت فترة توليه المنصب بخلافات مع رئاسة الجمهورية حول إدارة الإصلاحات وتقاسم الصلاحيات، قبل أن يُقال من منصبه في سبتمبر/أيلول 1989، بعد أقل من عام على تعيينه.

وشكلت هذه الإقالة نقطة تحول بالنسبة للرجل الذي كان يُعرف سابقًا بأنه سيد أجهزة الاستخبارات.

فالشخص الذي خدم النظام لعقود بدأ يبتعد عنه تدريجيًا.

رجل من داخل النظام أصبح معارضًا

في عام 1990، غادر قاصدي مرباح جبهة التحرير الوطني وأسس الحركة الجزائرية من أجل العدالة والتنمية (ماجد – MAJD).

ولم يكن اختيار هذا الاسم اعتباطيًا؛ فبعد سنوات جسّد خلالها القوة الصامتة للدولة، أراد المدير السابق للأمن العسكري أن يصبح فاعلًا سياسيًا في الساحة التي فتحتها التعددية الحزبية.

وظل حزبه محدود التأثير نسبيًا، ولم يحصل على أي مقعد خلال الدور الأول من الانتخابات التشريعية في ديسمبر/كانون الأول 1991.

غير أن زعيمه كان يمتلك ما لم يكن لدى كثير من المعارضين: معرفة دقيقة بتوازنات القوى داخل قمة السلطة.

وعندما أُوقف المسار الانتخابي في يناير/كانون الثاني 1992، وحُلّت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، دخلت الجزائر تدريجيًا في مواجهة دامية.

وشهدت البلاد موجة من الاعتقالات الجماعية، والاغتيالات، والهجمات المسلحة، والعمليات العسكرية، لتدخل في دوامة لم يكن أحد يدرك آنذاك مدى اتساعها.

وفي تلك المرحلة، تبنى قاصدي مرباح موقفًا ميّزه عن أنصار المواجهة الشاملة، إذ دعا إلى حل سياسي يشمل ممثلي التيار الإسلامي، واعتبر أن الاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة.

كما حافظ على اتصالات مع شخصيات مختلفة من المعارضة، وسعى إلى الدفع نحو تسوية تفاوضية.

وفي 13 يوليو/تموز 1993، أي قبل أسابيع قليلة من اغتياله، نشر رسالة مفتوحة دعا فيها المسلحين الإسلاميين إلى إلقاء السلاح، وفي الوقت نفسه طالب بإطلاق حوار بين السلطة والقوى السياسية المستبعدة من المسار المؤسساتي.

فهل جعل هذا التوجه منه عقبة أمام أولئك الذين اختاروا مواصلة الحرب حتى النهاية؟

إنه السؤال الذي ظل يرافق كل الروايات المتعلقة باغتياله.

كمين برج البحري

في 21 أغسطس/آب 1993، كان قاصدي مرباح يتنقل في منطقة برج البحري شرق العاصمة الجزائر.

وهناك، استهدفت مجموعة مسلحة سيارته، فقُتل رئيس الحكومة الأسبق مع ابنه حكيم، وشقيقه عبد العزيز، وسائقه هاشمي آيت مقيدش، وحارسه الشخصي عبد العزيز ناصري.

وكان الهجوم سريعًا وعنيفًا للغاية.

وسرعان ما نسبت المعلومات الأولى التي أعقبت الجريمة العملية إلى جماعة إسلامية مسلحة، وهو ما بدا في ذلك السياق أمرًا معقولًا، إذ كانت الاغتيالات السياسية تتزايد، وكانت الجماعات المسلحة تستهدف مسؤولين في الدولة، ومثقفين، وصحفيين، وشخصيات عامة.

وأعلنت إحدى التنظيمات المسلحة لاحقًا مسؤوليتها عن العملية.

وبذلك أُدرجت القضية مباشرة ضمن الرواية العامة للعنف الإسلامي الذي كانت تعرفه الجزائر آنذاك.

غير أن هذا التفسير لم يقنع عائلة قاصدي مرباح يومًا.

تحقيق محل تشكيك منذ البداية

على امتداد السنوات، واصل أقارب رئيس الحكومة الأسبق إصدار بيانات وتصريحات يطالبون فيها بإعادة فتح الملف.

ووصفوا منفذي الهجوم بأنهم مجموعة مدججة بالسلاح وعالية التدريب، مؤكدين أن الإعداد المحكم للكمين، ودقة التنفيذ، والوسائل المستخدمة، تتوافق أكثر مع عملية اغتيال سياسي منها مع هجوم نفذته مجموعة مسلحة بصورة عفوية.

كما اتهمت العائلة التحقيق بأنه كان متسرعًا وموجهًا نحو نتيجة محددة سلفًا.

وأكدت، على وجه الخصوص، أن الخبرات الباليستية لم تُجرَ بالصرامة المطلوبة، وأن مسرح الجريمة لم يخضع لإعادة تمثيل حقيقية، وأن عددًا من الشهود المهمين لم يتم الاستماع إليهم بالشكل المناسب.

وانتقدت العائلة أيضًا المحاكمة التي جرت في القضية، معتبرة أنها لم تكشف عن الجهة الحقيقية التي أصدرت أوامر الاغتيال، بل اكتفت بإغلاق ملف أصبح محرجًا.

وتبقى هذه الاتهامات صادرة عن أفراد العائلة، ولا تشكل وحدها دليلًا قاطعًا على هوية القتلة.

ومع ذلك، فإنها تكشف حقيقة يصعب إنكارها، وهي أنه بعد أكثر من ثلاثة عقود على الجريمة، لم تُقدم أي رواية قضائية علنية، مفصلة وموثقة، تجيب عن الأسئلة الجوهرية.

فرضية الاغتيال السياسي

على مدى سنوات، تداولت وسائل إعلام، وشهادات منسوبة إلى عسكريين سابقين، وروايات انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، اتهامات مباشرة لبعض مسؤولي الجهاز الأمني آنذاك بالوقوف وراء اغتيال قاصدي مرباح.

وتتحدث هذه الروايات عن وحدة سرية مكلفة بتنفيذ عمليات خاصة، وعن عناصر اخترقت حزب الحركة الجزائرية من أجل العدالة والتنمية (MAJD)، وأسماء حركية، وملفات حساسة، ومجموعة منفذة ضمت عناصر من أجهزة الأمن.

وبحسب هذه الفرضية، فإن قاصدي مرباح احتفظ، بعد مغادرته جهاز الأمن العسكري، بوثائق شديدة الحساسية تتعلق بقضايا فساد، وشبكات مالية، وعقود سرية، وأنشطة كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين.

وكانت معرفته العميقة بشبكات السلطة، وفق هذه الرواية، تجعل منه رجلًا خطيرًا.

كما أن تقاربه مع أنصار الحل السياسي زاد، بحسب أصحاب هذه الفرضية، من حجم التهديد الذي كان يمثله، في مرحلة كان فيها جزء من أجهزة الدولة يفضل الحسم العسكري، بينما كان المدير السابق للأمن العسكري يمتلك الخبرة والعلاقات التي قد تمكنه من الدفع نحو تسوية سياسية.

وقد وردت أسماء عدد من كبار المسؤولين في شهادات ومنشورات مختلفة، إذ نسبت بعض الروايات قرار الاغتيال إلى دائرة نافذة داخل السلطة السياسية والأمنية، بينما تحدثت روايات أخرى عن تدخلات خارجية أو تقاطع مصالح بين عدة أجهزة.

إلا أنه، حتى اليوم، لم يصدر أي حكم قضائي علني يثبت صحة هذه الاتهامات.

كما لا توجد أي وثائق رسمية، جرى التحقق من صحتها وإتاحتها للرأي العام، تسمح بإعادة بناء سلسلة القيادة التي أفضت إلى تنفيذ الجريمة.

وعليه، فإن تقديم هذه الروايات باعتبارها حقائق نهائية سيكون استبدالًا لرواية رسمية محل جدل برواية أخرى لم تثبت هي الأخرى.

فواجب المؤرخ والصحفي يقتضي نقل الاتهامات عندما تكون ذات أهمية للمصلحة العامة، مع توضيح مصدرها وطبيعتها القانونية.

فالاشتباه لا يمكن أن يحل محل الحكم القضائي.

ملفات الفساد

تحتل مسألة الملفات التي يُعتقد أن قاصدي مرباح احتفظ بها بعد مغادرته الأمن العسكري مكانة محورية في معظم الروايات المرتبطة باغتياله.

فبعد سبعة عشر عامًا على رأس جهاز الأمن العسكري، كان يمتلك بلا شك معرفة واسعة بملفات الدولة، والصراعات الداخلية، وأنشطة كبار مسؤولي النظام.

فهل احتفظ بنسخ من بعض الوثائق؟

وهل سلمها إلى مقربين أو مساعدين؟

وهل كان ينوي استخدامها في معركته السياسية؟

حتى اليوم، لا توجد أي إجابات علنية وموثقة عن هذه الأسئلة.

غير أن طبيعة المرحلة غذّت الشكوك.

ففي مطلع تسعينيات القرن الماضي، اغتيل عدد من الشخصيات التي كانت تشتغل على ملفات اقتصادية، أو مؤسساتية، أو مرتبطة بالفساد.

فقد اغتيل عالم الاجتماع جيلالي ليابس، الوزير السابق ومدير المعهد الوطني للدراسات في الاستراتيجية الشاملة، في مارس/آذار 1993، كما اغتيل الجامعي وعالم الاجتماع محمد بوخبزة داخل منزله بعد أشهر قليلة.

ونُسبت هذه الجرائم رسميًا إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، إلا أن تقاربها الزمني مع اغتيال قاصدي مرباح عزز الاعتقاد بوجود حملة أوسع استهدفت شخصيات كانت تمتلك معلومات حساسة أو تعمل على كشف اختلالات النظام.

ومرة أخرى، لا توجد أي معطيات قضائية علنية تثبت وجود رابط مباشر بين هذه الجرائم.

لكن تراكمها ساهم في ترسيخ مناخ الشك الذي لا يزال يطبع ذاكرة تلك المرحلة.

ليس قديسًا… ولا مجرد ضحية للنظام

لا يمكن اختزال سيرة قاصدي مرباح في صورة مصلح مسالم اكتشف فجأة فضائل الحوار.

فقد قاد جهاز الأمن العسكري لنظام سلطوي طوال ما يقارب عقدين من الزمن.

وترتبط سنوات إدارته للجهاز، في ذاكرة شريحة من الجزائريين، بالمراقبة السياسية، وقمع المعارضين، والنفوذ الواسع للأجهزة الأمنية.

كما كان أحد أبرز أركان النظام الذي نشأ عقب انقلاب 19 يونيو/حزيران 1965، وساهم في ترسيخ سلطة هواري بومدين وبناء جهاز استخبارات حاضر بقوة في مختلف مفاصل الدولة.

وللمعارضين الذين اعتُقلوا، أو خضعوا للمراقبة، أو اضطروا إلى المنفى خلال تلك المرحلة، ذاكرتهم أيضًا.

وهذه المسؤولية التاريخية لا تزول لمجرد أن قاصدي مرباح اغتيل لاحقًا.

لكنها، في المقابل، لا تبرر اغتياله.

وهنا تكمن كل تعقيدات شخصيته.

فقد كان، لسنوات طويلة، أحد أقوى رجال النظام، وكان يعرف ممارساته لأنه شارك بنفسه في تنفيذها.

وعندما غادر السلطة واقترب من صفوف المعارضة، أصبحت تلك المعرفة في حد ذاتها عنصرًا سياسيًا بالغ الأهمية.

فهل تغير قاصدي مرباح فعلًا؟

وهل كان يسعى إلى دمقرطة النظام، أم إلى استعادة موقعه داخل هرم السلطة؟

وهل كانت دعوته إلى الحوار نابعة من قناعة حقيقية، أم من حسابات سياسية، أم من الاثنين معًا؟

إن التاريخ لا يمكن أن يكتفي بصورة تقوم فقط على التمجيد أو الإدانة.

بل يجب أن يقدم الرجل بكل تناقضاته.

اغتيال في منعطف الحرب

جاء اغتيال قاصدي مرباح في لحظة مفصلية من تاريخ الجزائر.

ففي عام 1993، لم تكن إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية قد اختفت بالكامل بعد.

وكانت شخصيات عدة تحاول منع القطيعة النهائية بين الدولة وجزء من التيار الإسلامي.

غير أن كل تفجير، وكل اعتقال، وكل عملية اغتيال، كان يضيق هامش التفاوض أكثر فأكثر.

فداخل الجماعات المسلحة، فرضت الفصائل الأكثر تشددًا منطقها تدريجيًا.

وفي المقابل، كان أنصار الحل الأمني داخل السلطة يعتبرون الحوار علامة ضعف قد تهدد بقاء الدولة.

وفي هذا السياق، أدى مقتل قاصدي مرباح إلى إقصاء أحد القلائل الذين كانوا قادرين على مخاطبة الجيش، وأجهزة الأمن، والسلطة السياسية، والمعارضة في الوقت نفسه.

فقد كان يعرف شخصيًا كبار صناع القرار، ويدرك توازنات النظام الداخلية، ويتمتع بعلاقات داخل مؤسسات مختلفة، كما كان قادرًا على التواصل مع شخصيات كانت السلطة ترفض الاعتراف بها رسميًا.

ولا يثبت ذلك أن الدولة هي التي أمرت باغتياله.

لكنه يفسر لماذا تجاوزت تداعيات مقتله مجرد وفاة رئيس حكومة سابق.

فالعملية أزاحت رجلًا يعرف النظام من الداخل، وأصبح يعلن أن الخروج من الأزمة لا يمكن أن يكون عسكريًا فقط.

هل تكفي تبني الجماعة الإسلامية للعملية؟

يظل أحد أهم مرتكزات الرواية الرسمية هو إعلان إحدى الجماعات الإسلامية المسلحة مسؤوليتها عن عملية الاغتيال.

غير أن إعلان المسؤولية لا يشكل دائمًا دليلًا نهائيًا.

ففي الحروب الأهلية، قد تتبنى تنظيمات عمليات لم تنفذها بنفسها، إما لتعزيز صورتها، أو لأنها تؤيد نتائجها سياسيًا.

وفي المقابل، قد تحاول بعض الأجهزة الأمنية نسبة عملياتها إلى جماعات مسلحة لإخفاء مسؤوليتها.

ولا يثبت هذا أي شيء في قضية قاصدي مرباح.

لكنه يبين فقط أن إعلان المسؤولية لم يكن ينبغي أن يعفي العدالة من إجراء تحقيق شامل.

فقد كان من الضروري تحديد نوع الأسلحة المستخدمة، وتتبع مسار المقذوفات، وإعادة تمثيل تحركات المجموعة المنفذة، وتحديد الوسائل اللوجستية التي استُعملت، ودراسة المعلومات التي كانت بحوزة المهاجمين.

فقط تحقيق منهجي كان قادرًا على تأكيد أو نفي الرواية الرسمية.

وهذا بالتحديد ما تقول عائلة قاصدي مرباح إنه لم يحدث، أو على الأقل لم يُعرض للرأي العام.

اتهامات موجهة إلى أجهزة الأمن

تستند فرضية تورط مسؤولين في جهاز الأمن العسكري في اغتيال قاصدي مرباح أساسًا إلى شهادات متأخرة، وتصريحات أدلى بها ضباط سابقون، وروايات يصعب في كثير من الأحيان التحقق من مصادرها الأصلية.

ويؤكد بعض الشهود أن جهازًا سريًا كان مكلفًا، خلال تسعينيات القرن الماضي، بتصفية الشخصيات التي اعتُبرت خطرًا على السلطة.

كما تتحدث هذه الروايات عن وحدات خاصة، ومجموعات كانت تنشط بهويات مزيفة، وعمليات نُسبت لاحقًا إلى التنظيمات الإسلامية المسلحة.

ويظهر اسم ما يسمى بـ”الوحدة 192” في عدد من هذه الروايات، إذ يُقال إنها كانت تضم عناصر مختارة لتنفيذ عمليات اغتيال محددة.

غير أن وجود هذه الوحدة، وتركيبتها، وأنشطتها الفعلية، لم يثبت قط أمام جهة قضائية مستقلة استنادًا إلى أرشيف رسمي متاح.

وينطبق الأمر نفسه على المزاعم التي تقول إن حزب قاصدي مرباح كان مخترقًا من طرف عميل كان يزود الجهة التي خططت للاغتيال بمعلومات عن تحركاته.

ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه العناصر باعتبارها ادعاءات، لا حقائق مثبتة.

وهذا لا يعني تجاهلها.

فعندما تُوجَّه اتهامات بهذا الحجم من أكثر من مصدر، فإن الرد الطبيعي في دولة القانون ينبغي أن يكون فتح تحقيق شفاف، لا الاكتفاء بالصمت.

موقف العائلة

لم تقبل عائلة قاصدي مرباح يومًا بإغلاق الملف قضائيًا.

ففي أكثر من مناسبة، طالبت بإجراء تحقيق حقيقي، وتمكينها من الاطلاع على الملف، والاستماع إلى جميع الأشخاص الذين قد يمتلكون معلومات بشأن القضية.

وترى العائلة أن ظروف تنفيذ الاغتيال، والمستوى الاحترافي للمجموعة المنفذة، يجعلان من الصعب تصديق رواية الهجوم الذي نفذته جماعة مسلحة مستقلة.

كما تؤكد أن المسار القضائي صُمم بطريقة تستبعد منذ البداية فرضية الاغتيال السياسي، وتكرس سريعًا تحميل المسؤولية للجماعات الإسلامية.

وترى كذلك أن حق معرفة الحقيقة لا يجوز التضحية به باسم استقرار الدولة أو المصالحة الوطنية.

ويطرح هذا الموقف سؤالًا جوهريًا:

هل يمكن الحفاظ على السلم الأهلي على حساب الحقيقة؟

وهل يجوز التذرع بـ”مصلحة الدولة” لمنع العائلات من معرفة الظروف الحقيقية التي قُتل فيها ذووها؟

وبالنسبة إلى عائلة قاصدي مرباح، فإن الجواب واضح:

الحقيقة لا تهدد الدولة، وإنما الصمت والإفلات من العقاب هما ما يضعفان مؤسساتها.

ثقل سرية الدولة

ينتمي اغتيال قاصدي مرباح إلى مرحلة كانت فيها المؤسسات الجزائرية تعمل في ظل سرية شديدة.

فقد كانت القرارات المصيرية تُتخذ داخل دائرة ضيقة من المسؤولين، بينما بقيت أنشطة أجهزة الأمن بعيدة إلى حد كبير عن أي رقابة برلمانية أو شعبية، كما أن حالة الطوارئ قلصت أكثر إمكانيات مراقبة أداء الأجهزة الأمنية.

وفي هذا السياق، لا يزال الوصول إلى الأرشيف بالغ الصعوبة.

فالوثائق المتعلقة بالعمليات العسكرية، وأجهزة الاستخبارات، والاغتيالات السياسية، ليست متاحة بحرية، كما أن المسؤولين السابقين نادرًا ما يتحدثون، في حين تبقى الشهادات المتوفرة متأثرة في كثير من الأحيان بالخلافات الشخصية وتصفية الحسابات.

وهذا الوضع يخلق مفارقة لافتة.

فالدولة ترفض فتح الأرشيف الذي قد يسمح بالتحقق من الاتهامات، ثم تستند إلى غياب الأدلة لرفض تلك الاتهامات.

وهكذا تزدهر الروايات غير الموثقة في الفراغ الذي تتركه المؤسسات.

ولا يعني فتح الأرشيف إقرار الاتهامات الموجهة إلى الجيش أو أجهزة الأمن.

بل قد يسمح، على العكس، بدحض بعضها، أو بإثبات المسؤولية الفعلية للجماعات المسلحة.

لكن ما دامت الوثائق بعيدة عن متناول الباحثين والرأي العام، فإن الشك سيظل قائمًا.

ثلاثة وثلاثون عامًا من الانتظار

في أغسطس/آب 2026، تكون قد مرت ثلاثة وثلاثون سنة على اغتيال قاصدي مرباح ورفاقه.

وخلال هذه السنوات، رحل تدريجيًا معظم الفاعلين الأساسيين في تلك المرحلة، وتداخلت الذكريات، وتناقضت الشهادات، بينما بقيت الأرشيفات مغلقة إلى حد كبير.

ومع مرور الزمن، يتزايد خطر أن تحل الرواية الرسمية، أو الروايات غير القابلة للتحقق، محل الحقيقة التاريخية.

غير أن الحقيقة بشأن اغتيال قاصدي مرباح لا تخص عائلته وحدها.

بل تخص تاريخ الدولة الجزائرية، ومؤسساتها، والعشرية الدموية التي عاشتها البلاد.

كما تخص أيضًا حكيم مرباح، وعبد العزيز خلف، وهاشمي آيت مقيدش، وعبد العزيز ناصري، الضحايا الأربعة الآخرين الذين سقطوا في الكمين، والذين غالبًا ما يُختزلون في صفة “مرافقين”.

إن فتح الأرشيف، ونشر الوثائق الأساسية المتعلقة بالتحقيق، وإتاحة الخبرات الفنية، والاستماع إلى الشهود الذين ما زالوا على قيد الحياة، لا يشكل تهديدًا للدولة.

بل سيكون اعترافًا بأن الدولة الحقيقية لا تحمي استقرارها بالصمت، وإنما بالعدالة.

لقد كان قاصدي مرباح رجلًا من داخل النظام، قبل أن يصبح أحد معارضيه.

وقاد جهازًا أمنيًا أثار كثيرًا من الجدل، قبل أن يدعو إلى الحوار.

وعرف أسرار السلطة، قبل أن يُقتل في واحدة من أكثر الفترات غموضًا في تاريخ الجزائر الحديث.

ويبقى السؤال مطروحًا حتى اليوم:

من اغتال قاصدي مرباح؟

قد يكون بعض الأشخاص يعرفون الجواب.

أما التاريخ، فلا يزال ينتظر الأدلة.

المصدر: موقع Lanation.net