نوفمبر! لن يسرقوا ثورتنا منا مرة أخرى!

64 عامًا… لقد سئمنا النظام!

نوفمبر. اسم محفور في كياننا التاريخي بوصفنا جزائريين. إنه أفق لا يمكن تجاوزه، لأنه يمثّل القطيعة النهائية بين تاريخ الجزائر الاستعمارية وولادة الجزائر المعاصرة. ولا يزال نوفمبر يشكّل، حتى اليوم، رؤيتنا الحضارية للأمة الجزائرية.

إن بيان أول نوفمبر يلخّص في آنٍ واحد تاريخ الحركة الاستقلالية وتاريخ الجزائر. وهذا هو السبب الذي دفع الشعب الجزائري وقواه السياسية إلى الالتفاف حوله. ومن أجل هذا المثل الأعلى، المتمثّل في الاستقلال، دفع الشعب الجزائري ثمنًا باهظًا.

إن دَيننا تجاه ذاكرة شهدائنا عظيم. ولأن هذا الدَّين عظيم على وجه التحديد، فقد هتف الحراك الشعبي، يوم 5 يوليو 2019، في قلب الجزائر العاصمة، من أعماق قلبه، مرة أخرى، بهذه العبارة العميقة التي تختزل تطلعاته: «الشعب يريد الاستقلال».

لقد صودرت الاستقلالية الأولى من الشعب الجزائري. فباسم حرب التحرير، التي كان الشعب فيها صاحب التضحيات جميعها، حوّل جيش الحدود هذه المعركة إلى شرعية تاريخية تتيح له الاستحواذ على السلطة. ومنذ ذلك التاريخ، فرض العسكريون إرادتهم وثقافتهم ورؤيتهم للحكم.

وقد تبيّن أن هذه الثقافة العسكرية، التي تتناقض تمامًا مع ثقافة التحرير، ثقافة مدمّرة. إذ أعادت إنتاج هياكل الهيمنة الموروثة عن الاستعمار.

في الجزائر، أعادت الجزائر ما بعد الاستعمار إنتاج صورة الجزائر الاستعمارية، بصورة تكاد تكون مطابقة للأصل. فقد حلّت جزائر الجنرالات محل جزائر المستوطنين؛ وهي الجزائر التي يسميها الجزائريون «النظام». وحلّت جزائر الشعب محل الجزائر التي كان يعيش فيها السكان الأصليون تحت الاستعمار.

وهكذا، تواجه جزائران بعضهما من جديد.

من جهة، هناك جزائر الامتيازات والمستفيدين منها؛ جزائر الفساد والإفساد، جزائر الصفقات والمصالح، جزائر القمع والتنكيل والسجن والتشويه. جزائر لا يتمثّل هدفها الوحيد إلا في إطالة عمر النظام والحفاظ على امتيازات الأقلية والمقرّبين منها والمتملّقين لها.

ومن جهة أخرى، هناك جزائر أُفقرت وأُهينت وقُمعت. وهي الجزائر التي تناضل من أجل الحرية والكرامة والعدالة والسيادة الشعبية، وتتطلع إلى جزائر أخرى.

إن نوفمبر يستدعينا إلى المثول أمام محكمة تاريخنا وضميرنا. فماذا فعلنا بروحه؟

يجب أن نعترف بأننا أخفقنا. بل أكثر من ذلك، لقد خُنّاها.

فقد أصبح نوفمبر، الذي يرمز إلى التضحية والعطاء والكرم، على أيدي النظام رمزًا للقمع والإقصاء. وتحولت بطاقة المجاهد، التي كان يُفترض أن تكون علامة شرف واعتزاز، إلى وسيلة للتجارة ومصدر للوجاهة والتفاخر والتمييز.

وعندما استبدل النظام الشرعية الشعبية بالشرعية الثورية، انتهى به الأمر إلى تشويه الجزائر والجزائري.

لقد أعاد الحراك الشعبي إحياء هويتنا الجزائرية في داخلنا. وعاد تاريخ الجزائر بقوة إلى الواجهة، وأدرك الشعب، بكل مكوّناته، أن صيف عام 1962 كان منبع الداء الجزائري: تلك اللحظة الحاسمة التي أُقصيت فيها السيادة الشعبية.

ومن خلال ترديد شعار «الشعب يريد الاستقلال»، أعاد الحراك الشعبي ربط نفسه بروح نوفمبر. فإذا كان نداء أول نوفمبر قد طالب باستقلال الجزائر، فإننا نرى، للأسف، ما آل إليه ذلك الاستقلال. فهناك مسافات شاسعة تفصل بين جزائر عام 2026 والجزائر التي رسم بيان نوفمبر 1954 معالمها.

هذه المرة، يطالب الشعب باستقلال آخر: استقلال الجزائري.

إن وجود الجزائر ذاته أصبح اليوم موضع تساؤل. وهذا القلق حقيقي. فالنظام، الذي لا تتمثّل سياسته الوحيدة إلا في ضمان بقائه، يقود الجزائر نحو الكارثة النهائية: الانهيار.

وعلى الشعب أن يتحمّل مسؤولياته من جديد.

في عام 1962، تدخّل الشعب وتمكّن من تجنّب حرب أهلية بين الإخوة، رافعًا شعاره الشهير: «سبع سنين بركات»، أي سبع سنوات من الحرب كافية، لقد سئمنا.

لكن هذا الشعار سُرعان ما جرى تحريفه واستغلاله من طرف مجموعة لم يكن هدفها سوى الاستيلاء على السلطة بأي ثمن. وقد أدّى هذا المنطق القائم على مصادرة السلطة والإرادة الشعبية إلى ظهور هذا النظام المعادي للشعب.

لقد حان الوقت لكي نُبلغ النظام بوضوح أن الفاعل الحقيقي في الاستقلال هو الشعب، وأن مهمة بناء الجزائر المستقلة تقع على عاتقه.

لقد انتهى زمن الزيف وتزوير التاريخ والنهب والقمع والإقصاء.

أربعة وستون عامًا… كفى!

إن السيادة الشعبية، التي يجب أن توضع في صلب السلطة وفي مركزها، هي الضامن الوحيد لكرامة الجزائري وازدهاره، ولقيام ديمقراطية حقيقية وعدالة فعّالة، ولتحقيق عظمة الجزائر.

إن الجزائرين، جزائر النظام وجزائر الشعب، ليستا محكومتين بالضرورة بمواجهة أبدية. فهناك مثل أعلى مشترك يجمعهما ويسكنهما: روح نوفمبر. وهذه الروح تدعونا إلى النهوض من جديد وتجاوز هذا المشهد المأساوي والمدمّر.

نحن، أبناء الجالية الجزائرية في الخارج، أبناء الجزائر. نعيش خارج الوطن بدافع الضرورة، لكننا نظل أوفياء لرسالة آبائنا، أولئك الذين دعوا، خلال عشرينيات القرن الماضي، إلى استقلال الجزائر. وها نحن، بدورنا، ندعو إلى استقلال المواطن الجزائري.

نريد للجزائر ألا تكون مجرد بلد، بل وطنًا لنا؛ وطنًا لجميع الجزائريين، وطنًا تكون فيه كرامة الجزائري وعظمة الجزائر في قلب المشروع السياسي.

وندعو جميع الجزائريين إلى التوحّد والالتفاف حول روح هذا النداء.

لن يسرقوا ثورتنا منا مرة أخرى!

إن الحراك هو الاسم الآخر لنوفمبر. لقد امتدت ثورة نوفمبر من عام 1954 إلى عام 1962، والحراك بدوره يدخل عامه الأخير من دورة الاستقلال الممتدة بين 2019 و2027. طالب نوفمبر باستقلال الجزائر، أما الحراك فيطالب باستقلال الجزائري.

في عام 1957، كانت المقاومة في الداخل قد تعرّضت لضربات قاسية، ولم يكن جيش الحدود ينتظر سوى اللحظة المناسبة للاستيلاء على السلطة. وفي هذا السياق، جاء تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (GPRA) في 19 سبتمبر 1958، ثم أحداث ديسمبر 1960، التي شكّلت محطات حاسمة في مسار استقلال الجزائر.

غير أن العامل الأهم في ظاهرة إنهاء الاستعمار هو روح العصر. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أخذت القوتان العظميان آنذاك تشجّعان حركات الاستقلال. وكان جون كينيدي، حتى عندما كان عضوًا في مجلس الشيوخ، من أشد المدافعين عن استقلال الجزائر.

وهذا ما افتقده الحراك: لم تكن روح العصر على المستوى العالمي مؤاتية لعودة الشعب إلى الساحة السياسية.

يشهد خريف عام 2026 عودة المقاومة الشعبية إلى واجهة التاريخ. فقد جعل سلوك القوة الأمريكية وحليفها، دولة إسرائيل، الشعوب تشعر بأن العالم بات في حاجة ملحّة إلى العدالة.

أما النظام الجزائري، الذي يُظهر تضامنه مع القضية الفلسطينية، مستخدمًا إياها ورقة سياسية لضمان بقائه، فإنه يتصرف تجاه شعبه بوصفه سيدًا مستبدًا يمارس القهر.

لقد كان نوفمبر خلاصة مجموع الانتفاضات ضد الاستعمار، والحراك بدوره خلاصة مجموع النضالات ضد النظام منذ عام 1962.

ولهذا السبب هزّ الحراك أركان النظام بعمق، وأعلن بداية نهايته المنطقية. فهذا النظام لا يتمتع بأي شرعية: لا شرعية تاريخية، لأن جيش الحدود لم يكن يومًا جيش تحرير؛ ولا شرعية سياسية، لأنه ظل يتلاعب بصناديق الاقتراع ويختار المرشحين؛ ولا شرعية أخلاقية، لأنه نظام فاسد ومُفسد، وقد انحرف اليوم نحو الممارسات المافيوية.

إن نهايته التاريخية ستأتي لا محالة.

وسيكون عام 2027 موعدًا لتجسيد انتصار المثل الأعلى للحراك: تغيير النظام. وهذه المرة، سيستعيد الشعب الجزائري، بكل تأكيد، معنى الاحتفال بعيد الخامس من يوليو؛ عيد استقلال حقيقي، هو عيد استقلال الجزائر والجزائري.

لن يسرقوا ثورتنا منا مرة أخرى!

إبراهيم كنتور – محمود سنادجي (جزائر الشعب)