بموافقة البرلمان الجزائري على إرسال قوات إلى النيجر، تفتح الجزائر صفحة جديدة في سياستها العسكرية. وبينما يُقدَّم هذا الانتشار باعتباره التزامًا بالتعاون مع نيامي، فإنه يضع الجزائر أيضًا في مواجهة مباشرة مع التنافسات التي تشهدها مناطق جنوب ليبيا. إنه قرار استراتيجي لا تزال أهدافه الدقيقة وحدوده بحاجة إلى التحديد.
بقلم هشام عبود | 26 أكتوبر 2026
تصويت يُلزِم الجزائر
منحت الجمعية الشعبية الوطنية ومجلس الأمة، يوم الأحد 25 أكتوبر، الضوء الأخضر لإرسال وحدات عسكرية إلى النيجر. وصادق المجلسان على هذا الترخيص بأغلبية الثلثين التي يشترطها الدستور. وبالنسبة إلى الجزائر، التي تمسكت طويلًا بمبدأ عدم التدخل العسكري خارج حدودها، فإن هذا التحول يُعدّ بالغ الأهمية.
ويأتي هذا القرار امتدادًا لبروتوكول التعاون العسكري الذي وقّعه البلدان في 21 أكتوبر الجاري، ليمنح التقارب مع السلطات النيجرية طابعًا عمليًا، وذلك بعد ثلاث سنوات من الانقلاب العسكري الذي سبق للجزائر أن أدانته.
لكن من الضروري التمييز بين أمرين: فالحصول على ترخيص بنشر القوات لا يعني أن عملية انتشارها قد اكتملت بالفعل. وكانت وكالة رويترز قد أفادت، يوم الأحد، بأنه لم يُؤكَّد رسميًا حتى ذلك الوقت وصول أي قوات عسكرية إلى النيجر.
ماداما.. أكثر من مجرد قاعدة عسكرية
يكشف الموقع المقترح لتمركز القوات عن الأبعاد الحقيقية للمشروع، ويتعلق الأمر بمنطقة ماداما الواقعة شمال النيجر، بالقرب من الحدود الليبية. إن نشر وحدات عسكرية في هذه المنطقة يعني اتخاذ موقع عند نقطة اتصال حساسة بين منطقة الساحل وجنوب ليبيا.
وكانت القاعدة الفرنسية السابقة، التي استُخدمت في إطار عملية «برخان»، قد أُخرجت من الخدمة الفعلية منذ يوليو 2019. وبالتالي، فإن المشروع الجزائري يتعلق بموقع اكتسب أهميته الاستراتيجية قبل مغادرة آخر القوات الفرنسية للنيجر عام 2023.
لكن تبقى أسئلة جوهرية مطروحة: كم عدد الجنود الذين سيُرسَلون؟ وما المهام الموكلة إليهم والمدة الزمنية المحددة لمهمتهم؟ وتحت أي تسلسل للقيادة العسكرية سيعملون؟
ستحدد الإجابات عن هذه الأسئلة الطبيعة الحقيقية للعملية، وما إذا كانت ستقتصر على تقديم الدعم للقوات النيجرية، أو تأمين منطقة حدودية، أو ستتخذ شكل تدخل أوسع نطاقًا.
بعد الطائرات.. القوات البرية
سبق أن تجلّى الدعم العسكري الجزائري لنيامي يوم 30 أغسطس الماضي، عندما وصلت إلى العاصمة النيجرية، وفقًا للمعلومات التي نُقلت استنادًا إلى بيان صادر عن سلطات البلاد، أربع مقاتلات من طراز «سو-30»، وطائرة نقل عسكرية من طراز «إيل-76»، وطائرة للتزوّد بالوقود جوًا من طراز «إيل-78». وجاء هذا التحرك عقب الاضطرابات التي شهدتها نيامي في اليوم السابق.
ومن شأن الإعلان عن إرسال وحدات برية أن ينقل هذا التعاون إلى مرحلة جديدة. فإقامة مفرزة عسكرية بصورة مستمرة تستلزم توفير الحماية والإمدادات والتموين والتنسيق، وهي متطلبات تجعل الجزائر أكثر انخراطًا في العملية.
ويكتسب هذا التقارب أهمية إضافية بالنظر إلى التوتر الذي طبع العلاقات بين البلدين عقب الإطاحة بالرئيس محمد بازوم. وقد شكّلت زيارة عبد الرحمن تياني إلى الجزائر، في فبراير 2026، محطة مهمة في مسار إعادة توجيه العلاقات الثنائية.
ظل حفتر يخيم على التوازنات الإقليمية
لا يمكن فصل الملف النيجري عن التنافسات الدائرة في ليبيا. ففي سبتمبر الماضي، أفادت مجلة أفريكا إنتليجنس بوجود مباحثات بين طرابلس ونيامي تهدف إلى مواجهة نفوذ معسكر حفتر.
ومن ثم، فإن أي وجود عسكري جزائري في ماداما سيأتي ضمن فضاء إقليمي يسعى فيه عدد من الأطراف بالفعل إلى تعزيز مواقعهم ونفوذهم.
وفي الوقت نفسه، تعمل القيادة العسكرية في شرق ليبيا على توسيع علاقاتها الخارجية. ويُجسّد استقبال خالد حفتر في المغرب خلال أكتوبر الجاري جانبًا من هذا النشاط الدبلوماسي ذي الطابع العسكري. غير أن هذه الخطوة لا تكفي، في حد ذاتها، لإثبات وجود تحالف موجّه ضد الجزائر.
ويكمن الخطر بالنسبة إلى الجزائر في احتمال تحول مهمة أمنية ثنائية إلى جزء من معادلات القوة الإقليمية، بما يتجاوز التفويض الأصلي الذي أُنشئت من أجله.
إنه احتمال يستدعي المتابعة والمراقبة، وليس مواجهة قائمة وثابتة بالفعل.
اتهامات بـ«الوصاية» تطلقها المعارضة
في صفوف المعارضين النيجريين، يثير التقارب مع الجزائر انتقادات حادة. إذ يتهم حميد أمادو نغادي سلطات نيامي بتعميق تبعيتها للجزائر، قائلًا:
«في خلفية هذا الانتشار المعلن، تلوح ملامح مشروع حقيقي لفرض الوصاية، بنزعة تفوح منها رائحة الاستعمار. ويبدو أن الجزائر باتت تتصرف اليوم باعتبارها السيد المطلق في النيجر التي تعيش حالة من اليأس، حيث أصبح تياني المحمي الجديد الذي يحظى برعاية الرئيس تبون في صالونات السلطة».
ويعبّر هذا التصريح عن الموقف السياسي لصاحبه من الانتشار العسكري المعلن، ويضع في صدارة النقاش مسألة حساسة تتمثل في الضمانات التي ستؤطر وجود قوات أجنبية على الأراضي النيجرية.
التزام لا تزال حدوده بحاجة إلى التحديد
بالنسبة إلى الجزائر، يتمثل التحدي الآن في تحديد المهام التي سيُكلَّف جنودها بتنفيذها، والشروط التي يمكن بموجبها إنهاء مهمتهم والانسحاب من النيجر.
أما بالنسبة إلى نيامي، فيكمن التحدي في تحديد موقع هذا الدعم الخارجي ضمن منظومتها الدفاعية الوطنية، وضبط حدود الاعتماد عليه.
لقد فتح التصويت البرلماني الطريق أمام نشر القوات، لكنه لم يحسم مسألة مدة هذا الانتشار ولا تداعياته المحتملة.
وفي ماداما، لن تُقاس أبعاد هذا الالتزام العسكري بالمهام الموكلة إلى الجنود فحسب، بل أيضًا بالحدود السياسية التي ستُرسم لتدخلهم.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..