يحب النظام الجزائري التاريخ عندما يخدم الترهيب، ونادرًا ما يحبه عندما يفرض عليه الإصلاح. يستدعي الشهداء، ويوظف الذاكرة الاستعمارية، ويتهم المستعمر السابق، لكنه يظل صامتًا أمام أحفاد أولئك الذين انتزعتهم فرنسا من الجزائر وألقت بهم في أقاصي العالم.

تنتمي الجزائر الرسمية إلى هذه الفئة المأساوية: تتحدث باسم الشهداء لكنها تتخلى عن الأحياء؛ تحتفي بالذاكرة الوطنية لكنها تنسى أبناء هذه الذاكرة المشتتين؛ تزعم أنها حارسة الهوية الجزائرية لكنها تفضل التهديد بسحب الجنسية من منتقدي إدارتها بدل أن تمد يدها إلى أحفاد الجزائريين الذين اقتلعتهم فرنسا الاستعمارية من أرضهم.

هنا تكمن الفضيحة.

في الوقت الذي تزود فيه السلطة الجزائرية نفسها بآليات مخصصة لدراسة وتأطير وتسريع إجراءات إسقاط الجنسية عن معارضيها، ينبغي أن يخطر سؤال لكل عقل حر: بأي حق يمنح نظام لم ينجح يومًا في مصالحة الجزائر مع جميع أبنائها نفسه سلطة استبعاد بعضهم من الجسد الوطني؟ بأي حق يدعي أولئك الذين اختزلوا الوطن في إدارة، والمواطنة في طاعة، والدولة في جهاز مراقبة، حق تقرير من يستحق أن يبقى جزائريًا؟ والأهم من ذلك، لماذا لا تتحول هذه الحماسة البيروقراطية لإقصاء الأصوات الناقدة إلى إرادة سياسية لاحتضان أحفاد الجزائريين المُرحَّلين، أولئك الورثة لجرح استعماري تركتهم الجزائر الرسمية طويلاً على هامش ذاكرتها؟

تحب الطبقة العسكرية البيروقراطية كلمة السيادة. تكررها حتى تفقد معناها. تجعل منها سياجًا ودرعًا وهراوة خطابية. لكن السيادة بالنسبة لها ليست أبدًا سيادة الشعب. إنها سيادة الجهاز على الشعب. ليست حق الجزائريين في تقرير مصيرهم، بل الحق الذي منحته السلطة الغامضة لنفسها في المراقبة والتصنيف والمعاقبة والإقصاء. وفي هذا المنطق، لا تعود الجنسية رابطة تاريخية ووجدانية لا رجعة فيها مع الأرض، بل تصبح وثيقة إدارية معلقة بمزاج من يحكمون دون مساءلة.

غير أن التاريخ الجزائري الحقيقي، ذلك الذي يتجاوز البيانات الرسمية والاحتفالات الحكومية والكتب المدرسية المنقحة، يقول العكس تمامًا. فهو يؤكد أن الجزائر لا تتكون فقط ممن يعيشون داخل حدودها الحالية. إنها تعيش أيضًا في أولئك الذين بعثرتهم الاستعمار. تتنفس في العائلات المنتزعة من قراها، وفي الأسماء التي شوهتها السجلات الاستعمارية، وفي الذكريات المنقولة همسًا فوق أراضٍ بعيدة، وفي أحفاد المنفيين الذين ربما لم يروا الجزائر قط، لكنهم ما زالوا يحملون في داخلهم صدى الرحيل القسري، وصورة الجد الذي نُقل بعيدًا، والأب الذي مات بعيدًا عن جبله، والأم التي حُرمت من قبر، والنسب الذي انقطع عن منبعه.

ومن بين هذه الجراح، تبقى مأساة الجزائريين الذين رُحّلوا إلى كاليدونيا الجديدة واحدة من أكثر المآسي قسوة وأقلها معرفة. فبعد المقاومات المناهضة للاستعمار في القرن التاسع عشر، وخاصة الثورات الكبرى التي هزت النظام الفرنسي في الجزائر، أُدين رجال ونُقلوا وأُرسلوا إلى الطرف الآخر من العالم. لم تكتف فرنسا الاستعمارية بالانتصار العسكري، بل اقتلعت الجذور. لم تعاقب المتمردين فقط، بل سعت إلى قطع الاستمرارية وإبعاد الثائر عن أرضه ولغته وموتاه وقبيلته وأفقه. كان الترحيل عقوبة سياسية بقدر ما كان عملية محو. لقد كان يقول للجزائري الثائر: لن ترى وطنك مرة أخرى، ستموت في مكان آخر، وسيكبر أبناؤك بعيدًا عن أرضك، وستتحول ذاكرتك إلى همسة.

لكن الذكريات المُهانة لا تموت بسهولة. إنها تعبر البحار، وتغير لغاتها، وتختبئ في لقب عائلي أو رواية أسرية أو صورة أو دعاء أو حنين بلا موضوع واضح. في كاليدونيا الجديدة عاش أحفاد الجزائريين طويلاً وهم يحملون هذا الأصل كما يحمل المرء مفتاحًا لا يعرف الباب الذي يفتحه. كانوا يعلمون أن هناك خسارة. كانوا يعلمون أن أحد أجدادهم جاء من الجزائر. كانوا يعلمون أن اقتلاعًا قد حدث. لكنهم لم يكونوا دائمًا يعرفون كيف يروون ذلك، ولا إلى من يطلبون العدالة، ولا أي مؤسسة ستقبل أخيرًا النظر إليهم لا بوصفهم فضولاً تاريخيًا، بل باعتبارهم أفرادًا متفرقين من عائلة وطنية ممزقة.

وفي الأثناء، ماذا كانت تفعل الجزائر الرسمية؟ كانت تبني الوزارات والسفارات والنصب التذكارية والقنوات العمومية والمتاحف والخطابات الطويلة حول الذاكرة. كانت تتحدث عن الجرائم الاستعمارية في كل توتر دبلوماسي مع باريس، لكنها لم تمنح هؤلاء الأحفاد المكانة التي يستحقونها في السرد الوطني. جعلت من الذاكرة أداة تفاوض مع المستعمر السابق، لا واجبًا تجاه أبنائها الضائعين. طالبت فرنسا بالاعتذار، وغالبًا بحق، لكنها لم تحسن دائمًا القيام بالخطوات الجزائرية التي لم يكن أحد يمنعها من اتخاذها: الاعتراف، والتوثيق، والاستقبال، والتسهيل، ومنح الانتماء الرمزي والقانوني، وفتح الأرشيفات، والمساعدة في إعادة بناء الأنساب، وتعليم هذا التاريخ، وإنشاء برنامج دائم للعودة إلى الذاكرة.

هنا تتجلى عيوب النظام في أوضح صورها. فعمى السلطة لا يضاهيه إلا تبذيرها. تنفق الأموال الطائلة لمراقبة المواطنين، والسيطرة على الكلمة العامة، وصيانة بيروقراطية قنصلية متعالية في كثير من الأحيان، وتمويل احتفالات بلا روح، لكنها تعجز عن صياغة سياسة كريمة تجاه أحفاد المرحلين. تعرف كيف تنشئ لجانًا لدراسة سحب الجنسية، لكن أين اللجنة الوطنية الدائمة المكلفة بإعادة الجزائر رمزيًا إلى أولئك الذين رُحّل أجدادهم؟ تعرف كيف تستدعي أجهزة الأمن لتقييم الخطر المفترض لمعارض سياسي، لكن أين المؤرخون والأرشيفيون وعلماء الأنساب والقانونيون والدبلوماسيون المكلفون بمساعدة أحفاد المنفيين على العثور على نسب أو قرية أو قبر أو اسم؟

إن التناقض فاضح. فمن جهة، تهدد السلطة الجزائري المعاصر الذي يجرؤ على الكلام قائلة: انتبه، قد تصبح جنسيتك موضع إشكال. ومن جهة أخرى، تترك ورثة أولئك الذين سُلبوا خلال الحقبة الاستعمارية إمكانية نقل هذه الجنسية وهذا الانتماء بصورة طبيعية ينتظرون. فمن جهة، تشكك في ولاء الجزائري الحر. ومن جهة أخرى، تهمل أولئك الذين ما زالوا، رغم أكثر من قرن من البعد، ينظرون إلى الجزائر باعتبارها وطنًا مجروحًا. فمن جهة، تحول الجنسية إلى أداة تأديب. ومن جهة أخرى، لا تحولها إلى وسيلة للإنصاف التاريخي.

يزعم النظام الجزائري أنه يحمي الهوية الوطنية. لكن أي هوية تُحمى حين يُترك أبناء المنفى الاستعماري لمصيرهم؟ وأي أمة تُدافع عنها السلطة عندما تغلق الباب أمام من طُرد أجدادهم بالعنف الإمبراطوري؟ وأي ذاكرة تُكرَّم عندما يُستخدم الشهداء كديكور سياسي بينما يُترك أحفاد المنفيين يبحثون وحدهم عن شظايا تاريخهم؟

إذا كانت الدولة الجزائرية مهتمة حقًا بالتاريخ، لما اكتفت بالخطب الحماسية. كانت ستُقر حقًا خاصًا بالاعتراف بأحفاد المرحلين الاستعماريين، وتفتح لهم مسارات إدارية مبسطة نحو الجنسية الجزائرية، أو على الأقل نحو وضع تذكاري رسمي واضح وكريم وقابل للتوارث. وكانت ستمول بعثات أرشيفية بين الجزائر وباريس ونوميا وآكس أون بروفانس والأماكن التي تحفظ فيها الملفات الاستعمارية. وكانت ستنشئ قاعدة وطنية للمرحلين الجزائريين يمكن للعائلات الاطلاع عليها. وكانت ستنظم رحلات عودة لا بوصفها عمليات دعائية بل حجًا مدنيًا. وكانت ستدرج هذه القصة في المناهج الدراسية. وكانت ستجعل من القرى الأصلية أماكن للقاء. وكانت ستسمح للأحفاد بالمجيء لا كسياح ولا كأجانب، بل كأبناء عادوا إلى أرض حُرموا منها.

لكن ذلك يتطلب من الدولة الجزائرية أن تتوقف عن الخلط بين الذاكرة والريع السياسي. ويتطلب منها أن تقبل بأن الأمة لا تملكها السلطة. وأن تدرك أن الجزائر أوسع من إداراتها، وأقدم من رؤسائها، وأعمق من ثكناتها، وأكثر شرعية من أجهزتها. ويتطلب قبل كل شيء أن تعترف بأن التاريخ لا يُستخدم فقط لاتهام الآخرين، بل أيضًا لمحاسبة الذات.

خالد بولعزيز.