أفادت صحيفة The Objective الإسبانية، الجمعة 2 أكتوبر 2026، بأن الحكومة الإسبانية قررت تأجيل الاجتماع رفيع المستوى مع الجزائر، الذي كان مقرراً عقده في مدريد خلال شهر أكتوبر الجاري، في خطوة مفاجئة جاءت بعد أسابيع من التحضيرات الرسمية لإعادة إطلاق العلاقات الثنائية بين البلدين.
وبحسب مصادر دبلوماسية نقلت عنها الصحيفة، فقد أبلغت الحكومة الإسبانية السلطات الجزائرية بقرار التأجيل خلال الساعات الأخيرة، فيما لم تحدد موعداً جديداً للاجتماع، ما يعني عملياً تعليق القمة إلى أجل غير مسمى.
وكان من المقرر أن تنعقد الدورة الثامنة من الاجتماع رفيع المستوى الإسباني-الجزائري يومي 20 و21 أكتوبر في إسبانيا، بحضور مسؤولين حكوميين من البلدين، إلى جانب منتدى لرجال الأعمال وأنشطة رسمية أخرى.
قرار مفاجئ بعد التحضير للقمة
يأتي قرار مدريد في وقت كانت فيه التحضيرات للقمة قد قطعت مراحل متقدمة. ففي 25 سبتمبر الماضي، التقى وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس نظيره الجزائري أحمد عطاف على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث ناقشا العلاقات الثنائية والتحضيرات للاجتماع رفيع المستوى المقرر في أكتوبر.
وكان ألباريس قد أكد آنذاك أن بلاده تواصل تعزيز علاقاتها مع الجزائر، واصفاً إياها بالدولة الجارة والشريكة، ومشيراً إلى أن استقرار وازدهار منطقة البحر المتوسط يمثلان التزاماً مشتركاً بين البلدين.
لكن، وفقاً لـ The Objective، لم تكن المؤشرات العلنية في الأيام الماضية توحي بأن مدريد تستعد لتعليق القمة، وهو ما يجعل القرار الأخير مفاجئاً بالنسبة إلى الجانب الجزائري.
قمة كان يفترض أن تؤكد عودة العلاقات
كان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد اتفقا خلال زيارة سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليو 2026 على عقد الدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى خلال شهر أكتوبر.
وجاء الاتفاق في إطار مساعي البلدين لفتح صفحة جديدة بعد الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بينهما عام 2022، على خلفية تغيير موقف مدريد من قضية الصحراء الغربية.
وكانت آخر قمة من هذا المستوى قد عقدت في الجزائر في أبريل 2018، قبل أن تدخل العلاقات الثنائية في مرحلة طويلة من التوتر السياسي والجمود الاقتصادي.
وفي يوليو الماضي، أعلنت الحكومة الإسبانية رسمياً أن الاجتماع المرتقب سيشكل جزءاً من مرحلة جديدة في العلاقات، تشمل التعاون في مجالات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والثقافة والاقتصاد والطاقة.
ملف الغاز في قلب التقارب الإسباني الجزائري
لم يكن التقارب السياسي منفصلاً عن المصالح الاقتصادية والطاقة. فقد بحث سانشيز خلال زيارته إلى الجزائر إمكانية زيادة واردات الغاز الجزائري إلى إسبانيا، خصوصاً عبر خط أنابيب ميدغاز، إضافة إلى الغاز الطبيعي المسال.
وتعد الجزائر أحد أهم موردي الغاز لإسبانيا، وهو ما يمنح العلاقات الثنائية بعداً استراتيجياً يتجاوز الملفات السياسية والدبلوماسية.
وخلال زيارة يوليو، أكدت مدريد رغبتها في توسيع التعاون مع الجزائر ليشمل قطاعات أخرى، بينها الصناعة والبنية التحتية والغذاء والخدمات والابتكار والتكنولوجيا، إلى جانب الطاقة.
قضية أيوب عيسيو تثير التوتر مع الجزائر
وتربط The Objective قرار تأجيل القمة أيضاً بتطور قضائي أثار استياء السلطات الجزائرية.
ويتعلق الأمر برجل الأعمال والمعارض الجزائري أيوب عيسيو، الذي كان محتجزاً في إسبانيا منذ نهاية يوليو في إطار طلب تسليم قدمته السلطات الجزائرية.
وفي 4 سبتمبر الماضي، قررت المحكمة الوطنية الإسبانية الإفراج عنه مؤقتاً مع إخضاعه لسلسلة من الإجراءات الاحترازية، من بينها سحب جواز سفره ومنعه من مغادرة الأراضي الإسبانية، إضافة إلى إلزامه بالمثول أمام القضاء بشكل دوري.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، أثار القرار استياءً كبيراً في الجزائر، خصوصاً أن النيابة العامة الإسبانية كانت قد عارضت في مرحلة أولى الإفراج عنه قبل أن تغير موقفها لاحقاً وتبدي موافقتها على إطلاق سراحه.
ولا يعني الإفراج المؤقت انتهاء ملف التسليم، إذ لا يزال القضاء الإسباني مطالباً باتخاذ القرار النهائي بشأن طلب الجزائر.
عامل آخر: زيارة العاهلين الإسبانيين إلى سبتة ومليلية
وتطرح الصحيفة الإسبانية أيضاً احتمال ارتباط تأجيل القمة بالتطورات المتعلقة بزيارة العاهلين الإسبانيين الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر.
وكانت هذه الزيارة قد أثارت اهتماماً كبيراً في ظل حساسية ملف المدينتين بالنسبة إلى المغرب.
وترى مصادر دبلوماسية نقلت عنها The Objective أن تنظيم زيارة ملكية إلى المدينتين، ثم عقد قمة إسبانية-جزائرية في مدريد بعد أيام قليلة، كان يمكن أن يخلق مزيداً من التعقيدات في العلاقات الإسبانية مع الرباط.
وتشير الصحيفة إلى أن قرار تأجيل القمة الجزائرية يأتي في ظرف إقليمي حساس بالنسبة إلى السياسة الخارجية الإسبانية، في ظل العلاقات المتشابكة بين مدريد وكل من الجزائر والمغرب.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه القراءة المتعلقة بدوافع التأجيل هي تفسير منسوب إلى مصادر دبلوماسية نقلتها الصحيفة الإسبانية، ولم تعلن الحكومة الإسبانية، وفق المعلومات المتاحة، سبباً رسمياً مفصلاً لقرار التأجيل.
من المصالحة إلى مرحلة جديدة من الغموض
كان مسار العلاقات الإسبانية الجزائرية قد شهد خلال الأشهر الماضية سلسلة من الخطوات التي بدت وكأنها تؤكد تجاوز الأزمة السابقة.
ففي يوليو، أعلنت مدريد والجزائر استئناف التعاون السياسي والعمل على عقد الاجتماع رفيع المستوى، بينما أكدت الحكومة الإسبانية أن الحوار السياسي يمثل أساساً لبناء التعاون في المجالات الأخرى.
كما شهدت العلاقات تطورات في المجال الاقتصادي والطاقة، مع سعي البلدين إلى توسيع التعاون التجاري والاستثماري.
وفي سبتمبر، كان وزيرا الخارجية الإسباني والجزائري قد ناقشا بالفعل التحضيرات للقمة، وهو ما جعل قرار تعليقها بعد ذلك بأيام قليلة مفاجئاً.
وبالتالي، فإن تأجيل اجتماع 20 أكتوبر يفتح مرحلة جديدة من التساؤلات حول مستقبل التقارب الذي بدأ بين مدريد والجزائر خلال عام 2026، وما إذا كان التأجيل مؤقتاً فقط أم أنه يعكس خلافات أعمق بين الطرفين.
المصدر الرئيسي: The Objective الإسبانية، مقال للصحفي أنطونيو رودريغيز، نُشر بتاريخ 2 أكتوبر 2026 بعنوان: «سانشيز يفتح أزمة دبلوماسية مع الجزائر بتأجيل القمة الثنائية لشهر أكتوبر».



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..