لم تعد سبتة مجرد حدود إسبانية قائمة على الأرض الإفريقية، بل أصبحت، في 30 يوليو/تموز 2026، المرآة القاسية لمنطقة بأكملها. ففي غضون ساعات قليلة، عبر عشرات الآلاف من الأشخاص، معظمهم من الشباب، الحدود، أو التفوا حول الحواجز، أو حاولوا الوصول إلى الجيب الإسباني سباحة.
وخلف صور الحشود، والعمليات العسكرية، والاتهامات الدبلوماسية، والجدل الأوروبي، فرضت حقيقة أعمق نفسها: المغرب الكبير لم يعد قادراً على الاحتفاظ بجزء من شبابه.
وقع الحدث في المغرب، لكن دلالاته تتجاوز المملكة بكثير. فهو يعني أيضاً جزائر “الحراقة”، وتونس التي تنطلق منها القوارب من صفاقس أو جرجيس، وليبيا التي تحولت إلى منطقة عبور ضخمة، وموريتانيا العالقة في الطريق الأطلسي الخطير نحو جزر الكناري.
سبتة مكان محدد، لكن اليأس الذي تكشف عنه لا يحمل أي جنسية.
ومن مضيق جبل طارق إلى خليج قابس، ومن الشواطئ الجزائرية إلى السواحل الموريتانية، يطرح السؤال نفسه داخل المجتمعات:
لماذا يعتبر هذا العدد الكبير من الشباب أن البحر، رغم الموت، يوفر فرصاً أكثر من أوطانهم؟
سبتة ليست استثناءً مغربياً
قد يكون من السهل اختزال الأزمة في توتر بين الرباط ومدريد، أو في إشاعة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو في قرار قضائي إسباني أسيء فهمه. وربما لعبت هذه العوامل دور الشرارة الأولى، لكنها لا تفسر وحدها لماذا كان هذا العدد الهائل من الناس مستعداً للرحيل.
فالإشاعة قد تفتح ثغرة، لكنها لا تصنع اليأس الذي يدفع العائلات، والقاصرين، والخريجين، والعمال الهشين، والعاطلين عن العمل إلى الاندفاع نحو الحدود. كما أنها لا تقنع فجأة عشرات الآلاف من المواطنين الراضين عن حياتهم بالمغامرة بأرواحهم.
لقد انهارت حدود سبتة لأن حدوداً أخرى كانت قد انهارت قبل ذلك بوقت طويل: الحدود الفاصلة بين الإحباط والهروب.
وما حدث في المغرب مذهل من حيث حجمه، لكنه ظاهرة يومية في مختلف أنحاء المغرب الكبير. فهو يتخذ أشكالاً مختلفة، ويسلك طرقاً مختلفة، ويواجه أجهزة أمنية مختلفة، لكن مصدره يبقى واحداً: غياب الأفق، والإذلال الاجتماعي، وتعطل الحراك الاجتماعي، وعدم المساواة، والاعتقاد بأن الجدارة وحدها لم تعد كافية للتقدم.
أنظمة مختلفة… وشباب يعاني المشكلة نفسها
المغرب ملكية مركزية.
والجزائر تهيمن عليها بنية عسكرية بيروقراطية.
وتونس تعيش في ظل نظام رئاسي سلطوي معزز.
وليبيا ما تزال مجزأة بين مؤسسات متنافسة، وقوى مسلحة، ومصالح أجنبية.
أما موريتانيا فلها توازناتها الخاصة، الاجتماعية والقبلية والعسكرية.
هذه الدول ليست متشابهة، فتاريخها السياسي، ومواردها، ومؤسساتها، وعلاقاتها مع أوروبا تختلف، لكن شبابها يصطدم جميعاً تقريباً بالبنية نفسها التي تمنع التقدم.
في كل مكان تقريباً، لم تعد المدرسة تعد بما كانت تعد به في السابق. والشهادة الجامعية لم تعد تضمن وظيفة لائقة. والعمل لم يعد يضمن الاستقلال. والجهد لم يعد يضمن الحراك الاجتماعي. وإنشاء مشروع اقتصادي يعتمد في كثير من الأحيان على الترخيص، أو العلاقات، أو التمويل الذي يصعب الوصول إليه، أو القرب من دوائر القرار.
أما السياسة، فعندما لا تكون مغلقة، تبدو بلا جدوى. والكلمة العامة تخضع للمراقبة أو الاحتواء أو الازدراء.
الشاب المغاربي لا يواجه البطالة فقط، بل يواجه أيضاً الإحساس بأن حياته تُدار قبل أن تبدأ.
في المغرب، يرى القطارات فائقة السرعة، والموانئ الكبرى، والملاعب، والاستثمارات الصناعية، وقوة الواجهات السياحية، لكنه يتساءل: ما المكان الحقيقي المخصص له؟
وفي الجزائر، يعيش في بلد غني بالمحروقات، واسع المساحة، ويملك كفاءات كبيرة، لكن المبادرة فيه ما تزال تخنقها البيروقراطية، والاقتصاد الريعي، وغياب الشفافية. وقد أصبحت “الحرقة” هناك لغة سياسية؛ فكل قارب يقول إن الوعود الرسمية لم تعد تُصدق.
وفي تونس، مهد الثورة التي جعلت الكرامة في قلب التاريخ، ما يزال الشعور بالتراجع الاجتماعي والإرهاق الاقتصادي يدفع الشباب نحو البحر الأبيض المتوسط. ولا يزال المشهد الهجري التونسي مرتبطاً بمحاولات عبور الطريق المتوسطية الوسطى، إضافة إلى التدفقات القادمة من الجزائر وليبيا.
أما في ليبيا، فتأخذ الهجرة بعداً أكثر مأساوية. فقد أصبح البلد في آن واحد فضاءً للعمل، والعبور، والاحتجاز، والاتجار بالبشر، والانطلاق نحو أوروبا. ويستضيف أعداداً كبيرة من المهاجرين، بينما يبقى أحد أهم نقاط العبور إلى إيطاليا. وقد أدى تفكك الدولة إلى تحويل أجزاء من أراضيها إلى سوق تتحول فيه المعاناة الإنسانية إلى سلعة.
وفي موريتانيا، لم يعد الطريق متوسطياً فقط، بل أصبح أطلسياً أيضاً. فأصبحت نواذيبو والسواحل المحيطة بها في قلب رحلات الهجرة نحو جزر الكناري. وفي يوليو/تموز 2026، أدى غرق جديد قبالة السواحل الموريتانية إلى سقوط عشرات القتلى والمفقودين، مؤكداً أن المحيط الأطلسي، مثل البحر الأبيض المتوسط، أصبح مقبرة بلا شواهد.
البحر… آخر فضاء للحركة
لا تكمن الفضيحة المغاربية في عدد المغادرين فقط، بل في هذا الانقلاب المأساوي: أصبح البحر يبدو أكثر انفتاحاً من المجتمع.
فعندما تُغلق الطرق داخل الوطن، يصبح الطريق البحري خياراً ممكناً.
وعندما يتعطل المصعد الاجتماعي، يتحول القارب المطاطي إلى مصعد بديل.
وعندما تصبح الحدود بين الطبقات الاجتماعية أصعب عبوراً من الحدود بين إفريقيا وأوروبا، فإن عبور البحر الأبيض المتوسط لا يعود يبدو جنوناً مطلقاً.
يستغل المهربون هذا الواقع، فيبيعون الوهم، ويكذبون بشأن المخاطر، ويحّولون الأمل إلى تجارة. ولا بد من مكافحتهم.
لكن المهربين لم يخترعوا الفقر، ولا البطالة، ولا الاحتقار الإداري، ولا غياب التمثيل السياسي. فهم لا يصنعون الطلب، بل يزدهرون في سوق اليأس الذي أنتجته المجتمعات المغاربية.
قد يُفكك جهاز تهريب، لكن جهازاً آخر سيحل مكانه ما دام آلاف الشباب يعتقدون أنه لم يعد لديهم ما يخسرونه.
وقد سجل البحر الأبيض المتوسط أكثر من 1500 قتيل أو مفقود منذ بداية عام 2026، وفق الحد الأدنى من تقديرات المنظمة الدولية للهجرة. وهذه الأرقام لا تمثل سوى جزء من المأساة، لأن العديد من حوادث الغرق والاختفاء لا يتم توثيقها أبداً.
أوروبا توكل حراسة الحدود… والمغرب الكبير يصدّر أزمته
تتصرف أوروبا وكأنها تكتشف الأزمة في كل مرة تنهار فيها إحدى الحدود. عندها تتحدث عن الأمن، والرقابة، والإعادة، ومكافحة شبكات التهريب.
لكنها تشارك منذ سنوات في بناء نظام تُدعى فيه دول المغرب الكبير إلى لعب دور الحارس المتقدم لقلعة أوروبا.
فالاتحاد الأوروبي يمول المراقبة، ويتفاوض بشأن إعادة المهاجرين، ويحول التعاون في ملف الهجرة إلى أداة دبلوماسية. وهو يريد منع وصول الفقراء، وفي الوقت نفسه يجذب الأطباء، والمهندسين، والمبرمجين، والباحثين الذين تكوّنوا في جنوب المتوسط.
وهكذا يخسر المغرب الكبير مرتين: إذ يغادره مواطنوه الأكثر يأساً بصورة غير نظامية، بينما تغادره كفاءاته الأكثر طلباً بصورة قانونية.
ومن جهتها، تستخدم الأنظمة المغاربية الهجرة أحياناً كصمام أمان؛ فالمغادرون يخففون الاحتقان، ويقللون الضغط على سوق العمل، ويرسلون تحويلات مالية.
أما الشباب الذي يغادر، فلم يعد يتظاهر، ولم يعد يطالب بالمحاسبة، ولم يعد يطالب بمكانه في القرار الوطني.
لكن الدولة التي تجعل المنفى حلاً اجتماعياً إنما تمهد لإفقارها البشري.
إفلاس الفكرة المغاربية
تكشف هذه الهجرة الجماعية أيضاً فشل الاندماج الإقليمي.
فالمغرب الكبير يمتلك استمرارية جغرافية وثقافية ولغوية وبشرية استثنائية، ومع ذلك تبقى حدوده مغلقة أو معرقلة، واقتصاداته ضعيفة الاندماج، وحكوماته غارقة في خصومات غير منتجة.
يمكن لشباب المغرب الكبير أن يموتوا معاً في البحر نفسه، لكنهم لا يستطيعون دائماً التنقل بحرية بين بلدانهم.
وبينما تواصل الحكومات تكديس الأسلحة، وتبادل الاتهامات، وإلقاء خطابات السيادة، فإن المنطقة تفقد أثمن أشكال سيادتها: مواطنيها، وكفاءاتها، وعمالها، ومبدعيها.
لذلك، فالمأساة ليست مغربية، ولا جزائرية، ولا تونسية، ولا ليبية، ولا موريتانية.
إنها مأساة مغاربية، بل إنها تتجاوز طبيعة الأنظمة الحاكمة نفسها.
ملكية، أو جمهورية سلطوية، أو حكم عسكري، أو دولة مفككة… عندما تختفي الكرامة الاجتماعية، تصبح النتائج متشابهة.
لا ينبغي أن تتحول سبتة إلى مناسبة جديدة لإثارة الشعوب ضد بعضها البعض.
فلا ينبغي للجزائري أن يشمت في هروب المغربي.
ولا ينبغي للمغربي أن يعتبر “الحرقة” الجزائرية دليلاً على تفوق نظامه.
كما أن التونسي، والليبي، والموريتاني، ليسوا خارج هذه المأساة.
إن البحر نفسه يستقبل جثثهم.
والشمال نفسه يجذب أحلامهم.
والفشل الإقليمي نفسه يدفعهم إلى الرحيل.
يمكن تعزيز أسوار سبتة، وزيادة الدوريات قبالة وهران، ومراقبة صفاقس، وعسكرة السواحل الليبية، وتشديد الرقابة على نواذيبو.
لكن الهجرة لن تتوقف ما لم يُعد المغرب الكبير لشبابه الحق في البناء، واتخاذ القرار، والعمل، والتنقل، والأمل.
البحر ليس سبب الغرق.
إنه مجرد مرآته.
وفي تلك المرآة، يرى المغرب الكبير بأكمله شبابه وهو يختفي.
المصدر: Lanation.net



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..