خرجت حافلة قادمة من سطيف عن الطريق قبل أن تهوي في منحدر بولاية بومرداس. والحصيلة الأولية مفجعة: ما لا يقل عن 25 قتيلاً و44 جريحاً. ولا تزال الأسباب الدقيقة للحادث قيد التحقيق.

لكن وراء هذه المأساة الجديدة يبرز فشل أكبر: فشل دولة تجد آلاف المليارات لتمويل الدفاع، لكنها لا تزال عاجزة عن ضمان نقل جماعي آمن ولائق لمواطنيها.

طرق الموت… ما وراء حادث بومرداس

مأساة جديدة على الطرق الجزائرية.

فقد أسفر حادث حافلة وقع صباح الجمعة عن مقتل ما لا يقل عن 25 شخصاً وإصابة 44 آخرين، بحسب حصيلة أولية للحماية المدنية.

ووقع الحادث في منحدر الكرمة على الطريق الوطني رقم 24 بولاية بومرداس. وكانت الحافلة قادمة من سطيف، قبل أن تنحرف عن مسارها وتغادر الطريق وتسقط في منحدر.

ولا تزال الظروف الدقيقة للحادث غير معروفة.

وجندت الحماية المدنية إمكانات بشرية ومادية كبيرة، من بينها إحدى عشرة سيارة إسعاف، فيما استمرت عمليات الإنقاذ حتى بداية فترة ما بعد الظهر. كما انتقل الوزير الأول سيفي غريب إلى مكان الحادث.

اليوم تنحني البلاد أمام ضحاياها.

العائلات تبكي.

ورجال الإنقاذ ينتشلون الضحايا من هيكل الحافلة المحطم.

والمستشفيات تستقبل الجرحى.

أما السلطة، فتكرر من جديد طقسها المعتاد الذي أصبح محفوظاً: زيارة رسمية، بيان رسمي، تعازٍ، وعد بفتح تحقيق، ودعوة إلى توخي الحذر.

ثم…

يأتي النسيان.

جمهورية التعازي

يجب التأكيد بدقة على أن السبب الحقيقي للحادث لم يُعرف بعد.

ومن غير المسؤول الادعاء، قبل انتهاء الخبرات الفنية، بأن الحافلة خرجت عن الطريق بسبب الإطارات، أو المكابح، أو السرعة المفرطة، أو عطل ميكانيكي، أو حالة الطريق.

لكن هذا الحذر في التعامل مع الوقائع لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتبرئة النظام.

فحادث بومرداس لم يقع في بلد يمتلك أسطول نقل حديثاً، وطرقات لا تشوبها شائبة، وتوفراً دائماً لقطع الغيار، ورقابة تقنية صارمة.

بل وقع في بلد أصبحت فيه الوفيات الناجمة عن حوادث المرور مجرد رقم يتكرر بصورة شبه يومية.

ففي عام 2025، سجلت الجزائر 26,976 حادث مرور جسماني، أسفر عن 37,020 جريحاً و3,838 قتيلاً.

أي أكثر من عشرة قتلى يومياً على طرقات البلاد.

عشرة قتلى كل يوم.

وعند هذا المستوى، لم يعد الأمر مجرد سلسلة من سوء الحظ، أو أخطاء فردية، أو تجاوزات خطيرة، أو فقدان معزول للسيطرة على المركبات.

إنه فشل وطني.

“العامل البشري”… الملاذ المريح للسلطة

بعد كل مأساة، تلجأ السلطات إلى تفسير واحد: العامل البشري.

لا شك أن قلة الانتباه، والسرعة، والإرهاق، والتجاوزات الخطيرة، تقف وراء عدد كبير من الحوادث. كما يتحمل السائقون المحترفون مسؤولية خاصة عندما ينقلون عشرات الركاب.

لكن العامل البشري لا يمكن أن يبقى الذريعة الدائمة للدولة.

من الذي يكوّن السائقين المحترفين؟

ومن يراقب ساعات عملهم وفترات راحتهم؟

ومن يراقب شركات النقل؟

ومن يعتمد المركبات؟

ومن يفتش مراكز الفحص التقني؟

ومن يصون الطرق ويثبت الحواجز الواقية؟

ومن يسحب الحافلات الخطيرة من الخدمة؟

العامل البشري لا يوجد خارج النظام، بل هو أيضاً نتيجة لما تنظمه الدولة أو تراقبه أو تتسامح معه.

فعندما يعمل السائق في ظروف هشة، ويقود لساعات طويلة، ويستعمل مركبة لا تخضع للصيانة الكافية، فإن مسؤوليته الفردية لا تمحو مسؤولية السلسلة الإدارية والاقتصادية التي سمحت بوجود هذا الوضع.

لا يمكن تجاهل قضية الإطارات بعد اليوم

سيحدد التحقيق حالة إطارات الحافلة التي تعرضت للحادث في بومرداس.

وسيكون من الضروري معرفة تاريخ تصنيعها، ودرجة اهترائها، ومصدرها، وكيفية اقتنائها.

كما يجب فحص المكابح، ونظام التوجيه، ونظام التعليق، وجميع المكونات الميكانيكية للحافلة.

لكن بغض النظر عن نتائج التحقيق، فإن نقص الإطارات وقطع الغيار أصبح بالفعل مشكلة وطنية.

فمنذ سنوات، يندد السائقون والميكانيكيون وناقلو المسافرين بصعوبة العثور على الإطارات، وبارتفاع أسعارها، وتعقيد إجراءات استيرادها.

وبالنسبة للفرد، يعني ذلك غالباً تأجيل الإصلاح أو توقيف المركبة عن العمل.

أما بالنسبة لناقل يشغل يومياً حافلة تقل عشرات الركاب، فإن الأمر يصبح مسألة حياة أو موت.

الإطار ليس سلعة كمالية.

وبطانة الفرامل ليست نزوة استهلاكية.

وقطعة التوجيه ليست استيراداً غير ضروري.

إنها تجهيزات مرتبطة مباشرة بالسلامة.

ولا يمكن للسلطة أن تحد من الوصول إلى هذه المنتجات، وتترك أسعارها ترتفع، ثم تطلب من الناقلين أن يجدوا حلولاً لإبقاء مركباتهم في الخدمة.

لا يمكن تحميل الناقلين وحدهم المسؤولية

المالك الذي يضع عمداً حافلة خطيرة على الطريق يتحمل مسؤوليته كاملة.

والمراقب التقني الذي يمنح شهادة مطابقة مجاملة يجب أن يحاسب.

والسائق الذي يقود بسرعة مفرطة، أو دون راحة، أو يتجاهل عطلاً خطيراً، يجب أن يتحمل مسؤولية أفعاله.

لكن الدولة لا تستطيع أن تترك النقل الجماعي في يد مستغلين يعانون الهشاشة، وأن تنظم ندرة التجهيزات الضرورية لصيانة المركبات، ثم تجعل آخر شخص جلس خلف المقود هو المسؤول الوحيد.

إن جزءاً كبيراً من النقل البري للمسافرين تؤمنه شركات خاصة، يعمل كثير منها بهوامش ربح محدودة، ويتحمل وحده تكاليف الوقود، والتأمين، والأجور، والصيانة، وقطع الغيار.

ولا يبرر ذلك إطلاقاً الترقيع أو تشغيل مركبات خطيرة.

لكنه يكشف غياب سياسة عمومية حقيقية.

أين آليات التمويل التي تمكن الناقلين من تجديد حافلاتهم؟

أين القروض الميسرة المخصصة للسلامة وتحديث المركبات؟

أين المؤسسات العمومية القادرة على ضمان نقل آمن في مختلف أنحاء البلاد؟

وأين الشفافية في نتائج الفحص التقني والعقوبات المفروضة؟

الحقيقة أن الدولة سمحت بنشوء نظام قائم على الحلول المؤقتة، ثم تتظاهر بالدهشة كلما وقعت كارثة جديدة.

حافلات قديمة على طرق قاتلة

يعاني أسطول النقل الجماعي في الجزائر من التقادم منذ سنوات.

فآلاف الحافلات ما تزال تسير منذ عشرين عاماً أو أكثر، وبعضها تجاوز منذ زمن العمر التشغيلي المعقول لمركبة تنقل يومياً عشرات الأشخاص.

وقد أعلنت السلطات استيراد 10 آلاف حافلة جديدة، وبدأت بالفعل في استلام أولى الدفعات خلال سنة 2026.

وهذه خطوة في الاتجاه الصحيح.

لكنها لا تكفي لمواجهة الاستعجال.

كم عدد الحافلات القديمة التي سُحبت فعلاً من الخدمة؟

وكم عدد الحافلات التي تعاني أعطالاً خطيرة وما تزال تنقل المسافرين؟

ووفق أي معايير يتم توزيع الحافلات الجديدة؟

إن استيراد حافلات جديدة لا ينبغي أن يكون غطاءً لغياب الرقابة على القديمة.

ويجب منع “التوابيت المتحركة” من مواصلة السير.

بعد وادي الحراش… الأسئلة نفسها

يأتي حادث بومرداس بعد أقل من عام على كارثة وادي الحراش.

ففي 15 أغسطس/آب 2025، سقطت حافلة لنقل المسافرين من فوق جسر إلى الوادي، ما أدى إلى مقتل 18 شخصاً وإصابة آخرين.

آنذاك أيضاً، كانت الصدمة كبيرة، ووعدت السلطات بتشديد الرقابة، وتجديد الأسطول، واتخاذ إجراءات صارمة ضد المركبات الخطيرة.

لكن بعد أقل من عام، تنتهي رحلة حافلة أخرى في قاع منحدر.

كم عدد الحافلات الخطيرة التي سُحبت منذ كارثة وادي الحراش؟

وكم مركزاً للفحص التقني تم تفتيشه؟

وكم منها أُغلق أو عوقب؟

وكم مركبة أوقفت بسبب إطارات مهترئة أو مكابح معطلة أو أعطال في نظام التوجيه؟

للجزائريين الحق في معرفة هذه الأرقام.

ولهم الحق في الاطلاع على نتائج التحقيقات السابقة.

ولهم قبل كل شيء الحق في معرفة ما إذا كانت الوعود التي أطلقت أمام النعوش قد تحولت إلى أفعال.

آلاف المليارات للجيش… وفتات للنقل

يعكس قانون المالية لسنة 2026 صورة واضحة لأولويات الدولة.

فقد خصص أكثر من 3,205 مليارات دينار لوزارة الدفاع الوطني.

وفي المقابل، لم يحصل برنامج النقل سوى على نحو 90 مليار دينار، بينما خصصت للحماية المدنية حوالي 115 مليار دينار.

وبذلك تمثل ميزانية الدفاع نحو 18% من إجمالي اعتمادات الدفع في ميزانية السنة.

أي إنها تفوق ميزانية النقل بحوالي 36 مرة، وتفوق ميزانية الحماية المدنية بنحو 28 مرة.

وبالطبع، لا تغطي هذه الميزانيات المهام نفسها، وبالتالي فإن المقارنة المباشرة تبقى غير كافية.

لكن هذا التفاوت الكبير يطرح سؤالاً سياسياً لا يمكن تجاهله.

لا أحد ينكر على الجزائر حقها في حماية حدودها، وتحديث جيشها، والحفاظ على سيادتها.

لكن ما جدوى الحديث عن قوة الدولة إذا كان المواطنون يسافرون في حافلات متقادمة، وعلى طرق خطيرة، بإطارات يصعب استبدالها، وقطع غيار باهظة الثمن؟

إن الأمن الوطني لا يقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ.

بل يبدأ بطريق جيد، وحاجز أمان متين، وفحص تقني موثوق، وأربعة إطارات سليمة، ونظام فرامل قادر على إعادة المسافرين إلى بيوتهم أحياء.

إن الفضيحة ليست في تمويل الجيش.

بل في أن دولة قادرة على تعبئة أكثر من 3,200 مليار دينار للدفاع تعجز عن ضمان الحد الأدنى من السلامة لملايين المواطنين الذين يستقلون الحافلات يومياً.

فالبلد لا يدافع عن نفسه عند حدوده فقط.

بل يدافع أيضاً عن مواطنيه ضد الموت الذي يمكن تجنبه على طرقاته.

كم تساوي الوفورات المحققة من تقليص الواردات؟

على الحكومة أن تقدم حساباً عن نتائج سياستها في الاستيراد.

كم وفرت الجزائر فعلياً من خلال تقييد استيراد الإطارات وقطع الغيار؟

وكم كلفت هذه الوفورات من مركبات متوقفة، وإصلاحات مؤجلة، وحوادث، وإقامات في المستشفيات، وأرواح بشرية؟

إن الحفاظ على احتياطي النقد الأجنبي هدف مشروع.

لكن لا يجوز تحقيقه على حساب توفير المنتجات الأساسية المرتبطة بسلامة المواطنين.

فالمال الذي يتم توفيره بعدم استيراد إطار لا يساوي شيئاً إذا كان سيصرف لاحقاً على عمليات الإنقاذ، والاستشفاء، والتعويضات، ورعاية العائلات المنكوبة.

إن ثروة الدول لا تقاس فقط بحجم احتياطاتها.

بل أيضاً بقدرتها على منع مواطنيها من الموت لأسباب يمكن تفاديها.

الحكم ليس الوصول بعد سيارات الإسعاف

زيارة الوزير الأول إلى مكان الحادث لن تعيد الأطفال إلى آبائهم.

ولن تشفي أجساد الجرحى.

ولن تعوض سياسة نقل، أو استراتيجية صناعية، أو إدارة مسؤولة.

الحكم لا يعني الظهور أمام الكاميرات بعدما تكون الحافلة قد سقطت في المنحدر.

بل يعني منع سقوطها أصلاً.

ويعني سحب كل مركبة خطيرة من الخدمة فوراً.

وضمان شفافية الفحص التقني.

وحماية المفتشين الذين يرفضون الضغوط، ومحاسبة من يمنحون شهادات مجاملة.

وتوفير الإطارات، والمكابح، وقطع الغيار المطابقة للمواصفات.

ومراقبة ساعات القيادة.

وتأمين المنحدرات الخطيرة، ونشر خريطة وطنية للنقاط السوداء على شبكة الطرق.

وقبل كل شيء…

المساءلة.

يجب التحقيق في السلسلة كاملة

ينبغي أن يكون التحقيق في حادث بومرداس قضائياً وإدارياً وتقنياً.

وعليه أن يحدد سرعة الحافلة، وحالة الطريق، والظروف الجوية، والحمولة الفعلية.

كما يجب أن يفحص الإطارات، والمكابح، ونظام التوجيه، ونظام التعليق، ووسائل السلامة.

ويتحقق من عمر الحافلة، وعدد الكيلومترات التي قطعتها، وسجل صيانتها، وتاريخ آخر فحص تقني.

ويحدد كذلك ظروف عمل السائق، وساعات قيادته، وفترات راحته.

ويجب أن تمتد المسؤوليات إلى جميع حلقات السلسلة: مالك الحافلة، والمستغل، ومركز الفحص التقني، ومصالح الأشغال العمومية، وإدارة النقل، وهيئات الرقابة.

ويجب نشر نتائج التحقيق للرأي العام.

فمن السهل اعتقال السائق، أو المحصل، أو مالك الحافلة، ثم إغلاق الملف.

لكن عندما تسير مركبة خطيرة لأشهر أو سنوات، لا يمكن تحميل آخر شخص جلس خلف المقود وحده كامل المسؤولية.

غرق نظام بأكمله

الحداد الوطني ضروري.

والتعازي عمل إنساني.

وعمل فرق الإنقاذ يستحق الاحترام.

لكن لا الحداد، ولا الكلمات، ولا الزيارات الرسمية، تشكل سياسة عمومية.

يجب ألا يتحول ضحايا بومرداس الخمسة والعشرون إلى مجرد مشهد إعلامي جديد يُنسى بمجرد مغادرة الكاميرات.

إنهم يمثلون لائحة اتهام ضد نظام يتدخل لجمع الضحايا، لكنه يفشل في إزالة أسباب الكوارث.

في قاع منحدر الكرمة لا يرقد فقط هيكل حافلة محطمة.

بل يرقد أيضاً فشل دولة استطاعت تعبئة آلاف المليارات لإظهار قوتها، لكنها عجزت عن ضمان أبسط الشروط التي تسمح للمسافرين بالوصول إلى وجهتهم أحياء.

المصدر: Lanation.net