شهد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ليلة 30 إلى 31 أكتوبر 2026، زلزالاً دبلوماسياً حقيقياً. فبعد 35 عاماً من وجودها في الصحراء الغربية، وجدت بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) نفسها من دون تجديد لولايتها، إثر فشل مشروعي قرار متتاليين. وبين الفيتو الروسي والمناورات الدبلوماسية الأمريكية والطموحات المغربية، تبدو الأمم المتحدة عاجزة مرة أخرى عن الحفاظ على إطار دولي توافقي لتسوية النزاع. وهو وضع قد يقلب موازين القوى في المنطقة رأساً على عقب.
ستبقى ليلة 30 إلى 31 أكتوبر محطة كاشفة على نحو خاص للانقسامات التي تعصف بمجلس الأمن. فبينما كانت ولاية بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) توشك على الانتهاء، عجز أعضاء المجلس الخمسة عشر عن الاتفاق على تمديدها.
طُرح مشروعا قرار تباعاً على طاولة المجلس، وانتهى كلاهما بالفشل. وهكذا وجدت بعثة مضى على إنشائها 35 عاماً نفسها في مهبّ المجهول، ضحية تجاذب دبلوماسي طغت فيه مصالح القوى الكبرى على السعي إلى حل سياسي دائم.
واشنطن تحاول فرض رؤيتها للنزاع وموسكو تعرقل المسعى
وراء هذا الإخفاق تلوح مواجهة دبلوماسية بين واشنطن وموسكو، في ظل التنافس على مستقبل الصحراء الغربية.
قدمت الولايات المتحدة، الحليف الوثيق للمغرب، مشروع قرار يمنح خطة الحكم الذاتي المغربية مكانة محورية، بوصفها حلاً سياسياً قابلاً للتطبيق. ومع ذلك، أبقى النص على إشارة إلى مبدأ تقرير المصير الذي تدافع عنه جبهة البوليساريو.
ويبدو أن هذه الصياغة لم تقنع روسيا، إذ اعتبرت موسكو المشروع غير متوازن وغير كافٍ، فقررت استخدام حق النقض (الفيتو) في 30 أكتوبر، مانعةً بذلك اعتماده.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. فقد حاولت روسيا بعد ذلك تمرير تمديد تقني لولاية المينورسو لمدة عام، من دون تغيير شروط عملها، غير أن هذا الاقتراح لم يحظَ هو الآخر بالدعم اللازم.
وزاد ردّ فعل أحد عشر دبلوماسياً، ندّدوا بما وصفوه بـ«احتجاز رهائن روسي»، من تعثر المناقشات. وكانت النتيجة عدم توافر أغلبية تضمن استمرار البعثة.
وتكشف هذه التطورات حقيقة مقلقة: لقد أصبح ملف الصحراء الغربية رهينة لعبة موازين القوى، حيث يبدو أن الحسابات الاستراتيجية باتت تتغلب على التسويات الدبلوماسية.
الرباط تبتهج وجبهة البوليساريو أمام اختبار جديد
في الرباط، استُقبل الإخفاق في تجديد ولاية المينورسو باعتباره تطوراً إيجابياً. وأشاد الديوان الملكي بما وصفه بأنه «خطوة مهمة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية في الأمم المتحدة».
ويكشف هذا التصريح الكثير عن القراءة المغربية للأزمة. فمن وجهة نظر سلطات المملكة، قد يفتح إضعاف الآلية الأممية الباب أمام مرحلة جديدة من ترسيخ موقفها بشأن الإقليم.
ولكن هل يمكن حقاً اعتبار إضعاف بعثة دولية تسويةً للنزاع؟ إن الاختفاء المحتمل لإطار المراقبة الأممي لا يمكنه، بمفرده، حسم مسألة السيادة التي لا تزال في صلب خلاف دولي.
أما جبهة البوليساريو، التي تواصل الدفاع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، فإن هذا التطور يمثل بالنسبة إليها خطراً كبيراً. فقد كانت المينورسو واحدة من الآليات الدولية القليلة المكرسة تحديداً لمتابعة الوضع الميداني والمسار السياسي.
ومن ثم، فإن تهميشها قد يؤدي إلى مزيد من تقليص آليات الرقابة الدولية وتعميق اختلال التوازن بين الطرفين.
واشنطن تستعد للانسحاب وموسكو تتحدث عن استئناف الحوار
على الجانب الأمريكي، أعلن السفير مايك والتز استعداده للعمل مع الأمين العام للأمم المتحدة لتنظيم «انسحاب منظم»، مع الحرص على حماية موظفي المنظمة الدولية.
ويقدم هذا التصريح مؤشراً إضافياً على المنحى الذي اتخذته الأحداث: فبدلاً من إعطاء الأولوية لإيجاد مخرج يتيح الإبقاء على البعثة، يبدو أن المناقشات تتجه الآن نحو ترتيبات انسحابها المحتمل.
أما موسكو، فقد أشارت إلى احتمال استئناف المفاوضات السياسية اعتباراً من يوم الاثنين التالي. لكن هذا الاحتمال لم يبدد أجواء التشاؤم التي خيمت على مجلس الأمن.
فخلف التصريحات الدبلوماسية، يظل سؤال جوهري بلا جواب: ما الآلية الدولية التي ستتمكن من ضمان متابعة الوضع في الصحراء الغربية إذا توقفت المينورسو فعلياً عن أداء مهامها؟
انتصار دبلوماسي للرباط، لكنه بالتأكيد ليس نهاية النزاع
قد يشكل عدم تجديد ولاية المينورسو انتصاراً دبلوماسياً للمغرب، الذي يسعى منذ سنوات إلى فرض خطة الحكم الذاتي أساساً لتسوية النزاع.
لكن هذا التطور لا يعني إطلاقاً أن قضية الصحراء الغربية قد حُسمت. فهو لا يمثل قراراً دولياً بشأن الوضع النهائي للإقليم، ولا اعترافاً قانونياً تلقائياً بالسيادة المغربية.
في المقابل، قد تكون له تداعيات سياسية بالغة الأهمية، تتمثل في حرمان النزاع من أحد آخر أطره المؤسسية الدولية، وفسح مجال أوسع لموازين القوى على الأرض.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فبترك المينورسو من دون تجديد لولايتها، يخاطر مجلس الأمن بتحويل أزمة دبلوماسية إلى فراغ مؤسسي قد تكون عواقبه وخيمة.
وبعد 35 عاماً من الوجود، قد تختفي البعثة الأممية، لا نتيجة تسوية تفاوضية، بل بسبب عجز القوى الكبرى عن الاتفاق على شروط استمرارها.
كانت الأمم المتحدة تريد مواكبة مسار لتقرير المصير، لكنها تخاطر اليوم بأن تتحول إلى مجرد متفرج على نزاع لم تنجح في حله. ويبقى السؤال مطروحاً: من المستفيد الحقيقي من الفراغ الذي ستتركه المينورسو؟
أعضاء التحرير.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..