بقلم هشام عبود
اعتمد مجلس الأمة الجزائري، يوم الخميس، تحفظات على أكثر مواد النص إثارة للانقسام الذي كان قد صادق عليه نواب المجلس الشعبي الوطني في نهاية ديسمبر 2025، ولا سيما المطالب المتعلقة بـ«الاعتذار» و«التعويضات» التي ترى الجزائر أنها مستحقة من الدولة الاستعمارية السابقة.
هل هو تعديل، أم تراجع، أم رغبة في التهدئة؟ يصعب الجزم بالدوافع العميقة لتصويت مجلس الأمة، يوم الخميس 22 يناير، على مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، غير أن الخطوة تظل ذات دلالة واضحة. فقد صادقت الغرفة العليا للبرلمان الجزائري بالإجماع على «تحفظات» تخص 13 مادة من أصل 27 في مشروع القانون الذي كان قد أُقر في 24 ديسمبر من طرف المجلس الشعبي الوطني.
ومن بين النقاط المعنية بالتحفظ، المادتان الأكثر إثارة للجدل في هذا المشروع التشريعي، وهما المادة 9 التي تطالب الدولة الفرنسية بتقديم اعتذار عن «الجرائم» المرتكبة خلال فترة الاستعمار، والمادة 10 التي تنص على تعويضات و«جبر شامل وعادل لكل الأضرار المادية والمعنوية التي خلفها الاستعمار الفرنسي».
وكان التصويت الذي جرى عشية عيد الميلاد قد رافقته مشاهد استعراضية واضحة، حيث ارتدى النواب أوشحة بألوان العلم الوطني وأنشدوا النشيد الوطني قبل فتح باب الاقتراع. وفي الجهة الأخرى من المتوسط، اكتفت وزارة الخارجية الفرنسية بتسجيل ما وصفته بـ«مبادرة عدائية بشكل واضح، تناقض في آن واحد إرادة استئناف الحوار الفرنسي الجزائري والعمل الهادئ على ملفات الذاكرة»، من دون التخلي عن الأمل في «استئناف حوار جاد مع الجزائر».
هذا المستوى من المطالب الموجهة إلى الدولة الاستعمارية السابقة، بما في ذلك احتمال اللجوء إلى القضاء والمحافل الدولية، لم يسبق أن بلغ هذا الحد. ووراء شعار حماية الذاكرة الوطنية الذي رفعه النواب، كانت تجري في الواقع صراعات نفوذ داخل النظام حول الموقف الواجب اتخاذه تجاه فرنسا.
ومن المنتظر أن يساهم موقف مجلس الأمة الصادر في 22 يناير في خفض التوتر بين العاصمتين، اللتين تعيشان على وقع أزمة متصاعدة منذ صيف 2024. فالمجلس يرى أن الصيغ المتعلقة بمفاهيم «الاعتذار» و«التعويض» لا تنسجم مع التوجه الوطني الذي حدده الرئيس عبد المجيد تبون.
ويقوم هذا الخط السياسي، بحسب الغرفة العليا، على «المطالبة باعتراف واضح وصريح بالجرائم الاستعمارية، من دون أن يقترن ذلك بآليات تعويض أو طلب اعتذار رسمي».
«لا تعويضات مالية»
عقب التصويت، دافع وزير المجاهدين وذوي الحقوق، عبد المالك تشريفات، عن قرار مجلس الأمة، معتبرا أنه سيساهم في «تعزيز» مشروع القانون ومنحه «القوة اللازمة ليكون في مستوى تضحيات الشهداء والمجاهدين»، سواء على الصعيد الرمزي أو من حيث المضمون.
من جهته، أعلن رئيس مجلس الأمة، عزوز ناصري، عن قرب تنصيب لجنة مشتركة بين غرفتي البرلمان، بهدف إعادة صياغة المواد الخلافية بما يضمن، على حد تعبيره، «انسجام أحكام النص مع المواقف الثابتة للدولة الجزائرية»، وتأمين السلامة القانونية للقانون المرتقب.
وبذلك يعكس تصويت مجلس الأمة، يوم الخميس، ضرورة إعادة مواءمة النص مع المواقف التي عبر عنها مرارا الرئيس الجزائري. ففي خطابه أمام غرفتي البرلمان في نهاية ديسمبر 2024، أوضح أن الجزائر لا تنتظر من فرنسا لا تعويضات مالية ولا اعتذارات شكلية، بل اعترافا صريحا بجرائم ماضيها الاستعماري.
وقال حينها: «أنا لا أتنازل عن الذاكرة. لسنا طامعين في المال، لا في اليورو ولا في الدولار… نحن نطالب باعتراف فرنسا بالجرائم المرتكبة في هذا البلد. لا أطلب تعويضات مالية».
ويذكّر مولود بومغار، أستاذ القانون العام بجامعة بيكاردي جول فيرن، بأن «ثلث أعضاء مجلس الأمة يعينهم رئيس الجمهورية». ويضيف أن «دستور 1996 صمم هذه المؤسسة لتكون غرفة توازن أمام المجلس الشعبي الوطني، حيث يضمن الثلث الرئاسي أقلية معطلة».
ويؤدي هذا التماهي بين القانون والخطاب الرسمي إلى تأكيد أن تحديد السياسة الخارجية هو من صلاحيات رئيس الدولة لا البرلمان. وإلى جانب هذا البعد الداخلي، فإن الرسالة الموجهة يوم الخميس تبدو موجهة أيضا إلى السلطات الفرنسية. ففي وقت يسعى فيه دبلوماسيو البلدين إلى إعادة فتح قنوات التواصل، خصوصا في مجالي التعاون الأمني والهجرة، فإن أي تصعيد في ملفات حساسة مثل التعويضات والاعتذارات التي تطالب بها الجزائر من القوة الاستعمارية السابقة قد يزيد من تدهور علاقة ثنائية هي أصلا في وضع متأزم.
هيئة التحرير / LEMED24
شاهد الفيديو:
كلمة الصحفي هشام عبود حول هذا الموضوع.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..