لا تزال واحدة من أكثر القضايا غموضا في التاريخ السياسي الجزائري الحديث مرتبطة بالجزء الثاني المفقود من مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد. ذلك الجزء الذي تم الإعلان عنه لسنوات، قبل أن يختفي فجأة دون نشر، رغم أنه كان من المفترض أن يغطي أخطر المراحل التي عرفتها الجزائر منذ الاستقلال: أحداث أكتوبر 1988، وصعود الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ووقف المسار الانتخابي، ثم الانزلاق نحو العشرية السوداء.

الجزء الأول من المذكرات صدر بالفعل، وتناول الفترة الممتدة من 1929 إلى 1979، من طفولة الشاذلي بن جديد مرورا بالحرب التحريرية ومسيرته العسكرية وصولا إلى وصوله إلى قمة السلطة بعد وفاة هواري بومدين. لكن حتى هذا الجزء كشف حقيقة أساسية كثيرا ما حاول الخطاب الرسمي إخفاءها: وصول الشاذلي إلى الرئاسة لم يكن نتيجة مسار ديمقراطي، بل نتيجة توازنات داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

وهذه النقطة ليست تفصيلا هامشيا، لأنها تساعد على فهم كل ما سيأتي لاحقا. فالرجل دخل إلى قصر المرادية عبر بوابة الجيش، وغادره أيضا عندما قررت التوازنات العسكرية استعادة السيطرة الكاملة على المشهد السياسي مع بداية التسعينيات.

لكن الجزء الثاني من المذكرات لم ير النور أبدا، وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية. فهذا الجزء كان يفترض أن يروي أخطر مرحلة في تاريخ الجزائر المستقلة: علاقة الرئاسة بقيادات الجيش، انفجار أكتوبر 1988، فتح المجال السياسي، صعود الإسلاميين، انتخابات 1991، استقالة 11 يناير 1992، ثم دخول البلاد في دوامة العنف والدمار.

بمعنى آخر، الرواية توقفت تماما عند اللحظة التي تبدأ فيها المسؤولية التاريخية الحقيقية.

الشاذلي بن جديد لم يكن مجرد رئيس بروتوكولي أو شخصية عابرة داخل النظام. فقد حكم الجزائر لمدة ثلاثة عشر عاما، وكان الوجه الرسمي للدولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقع القرارات، استقبل الزعماء، عين المسؤولين، وظهر أمام الجزائريين باعتباره رئيس الجمهورية وصاحب السلطة العليا. ثم، عندما اقتربت البلاد من الانفجار، اختفى المشهد فجأة وانتهى كل شيء باستقالته الشهيرة يوم 11 يناير 1992.

بعد أيام فقط من تلك الاستقالة، تم توقيف المسار الانتخابي الذي كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في طريقها للفوز به بعد تصدرها نتائج الدور الأول من الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991. ثم دخلت الجزائر في واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخها الحديث: حالة الطوارئ، حل الجبهة الإسلامية، المواجهة المسلحة، المجازر، الاختفاءات القسرية، والآلاف من الضحايا. المركز الدولي للعدالة الانتقالية قدر عدد قتلى الحرب الأهلية خلال التسعينيات بحوالي 150 ألف قتيل على الأقل، إضافة إلى أكثر من 7 آلاف مفقود.

وسط كل هذه المأساة، قد يبدو كتاب أو مذكرات مجرد تفصيل صغير. فهو لن يعيد الموتى، ولن يمحو آلام العائلات، ولن يعوض القرى التي دمرت أو المختفين الذين لم يعودوا أبدا. لكن قيمة هذه المذكرات تكمن في شيء آخر: الحقيقة.

فالجزء الثاني من مذكرات الشاذلي، إذا كان موجودا فعلا، يمكن أن يكشف ما الذي كان يعرفه الرئيس آنذاك، وما الذي شاهده من الداخل، وما الذي حاول منعه أو قبله أو فشل في مواجهته. يمكن أن يوضح طبيعة العلاقة بين الرئاسة والطبقة العسكرية الأمنية التي كانت تمسك بمفاصل الدولة، ويكشف كيف كانت تُتخذ القرارات داخل السلطة الجزائرية في تلك السنوات المصيرية.

لهذا السبب، فإن هذا الجزء ليس مجرد وثيقة شخصية، بل قطعة أساسية من الذاكرة الوطنية الجزائرية.

القصة نفسها مليئة بالغموض والتناقضات. فبعض الدراسات الأكاديمية تحدثت عن تأجيل نشر الجزء الثاني الذي كان منتظرا سنة 2013 بسبب خلافات بين الناشر وعائلة الشاذلي. كما نقلت صحيفة الشروق تصريحات لعبد العزيز بوباكير، أحد المشاركين في إعداد المذكرات، قال فيها إن الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ووزير الدفاع الأسبق خالد نزار كانا وراء منع نشر الجزء الثاني. وأضاف أن المخطوط كان يتكون من حوالي 380 صفحة باللغتين العربية والفرنسية.

بطبيعة الحال، تبقى هذه التصريحات مجرد روايات منقولة عبر الصحافة وليست أدلة قضائية حاسمة. لكنها رغم ذلك تطرح سؤالا خطيرا: لماذا لم يُنشر هذا النص إذا كان موجودا بالفعل؟

الأكثر إثارة أن مصادر أخرى شككت لاحقا في وجود نسخة نهائية جاهزة للنشر من الجزء الثاني، وادعت أن المشروع ربما لم يكتمل أصلا. لكن هذا التناقض لا ينهي القضية، بل يزيدها غموضا. فإذا كان المخطوط موجودا، فلماذا بقي محجوبا عن الجزائريين؟ وإذا لم يكن موجودا، فلماذا لم يكتب الشاذلي أبدا شهادته حول أخطر مرحلة في تاريخ حكمه؟ وكيف يمكن لرئيس حكم الجزائر ثلاثة عشر عاما أن يترك رواية تتوقف بالضبط قبل اللحظة التي يطالبه فيها التاريخ بالإجابة؟

وهنا تصبح الدعوة واضحة ومباشرة: إذا كان هذا المخطوط موجودا، فيجب نشره.

يجب على العائلة، والناشرين، والمقربين، وكل من يملك نسخة أو معلومات أو وثائق مرتبطة بهذه المذكرات، أن يخرجها إلى العلن. ليس من أجل تبرئة الشاذلي أو تحويله إلى ضحية، وليس من أجل تبرئة الجماعات المسلحة أو اختزال العشرية السوداء في طرف واحد، بل من أجل إعطاء الجزائريين فرصة لفهم ما حدث داخل السلطة خلال تلك السنوات الدامية.

اليوم، يبدو الشاذلي بن جديد بالنسبة لكثيرين مجرد رئيس جاء به الجيش ثم تخلى عنه الجيش أيضا عندما تغيرت الحسابات. رجل عاش امتيازات السلطة لسنوات طويلة، ثم غادر المشهد في اللحظة التي كانت البلاد تسقط فيها نحو الكارثة. وربما تكون هذه الصورة ناقصة أو ظالمة أو مبسطة، لكن استمرار الصمت هو ما يجعلها تترسخ أكثر فأكثر.

إذا كان الشاذلي قد حاول المقاومة، فيجب أن يُعرف ذلك. وإذا كان قد تعرض للضغط أو التهديد، فيجب أن يُوثق. وإذا كان مجرد واجهة داخل نظام كانت السلطة الحقيقية فيه بيد المؤسسة العسكرية الأمنية، فيجب أن يقال ذلك بوضوح. وإذا كان قد أخطأ أو تردد أو استسلم، فمن حق الجزائريين أيضا أن يسمعوا تفسيره.

فلا يمكن لبلد بأكمله أن يبني ذاكرته الوطنية على الشائعات والصمت والملفات المغلقة. العشرية السوداء ليست مجرد عبارة إدارية أو “مأساة وطنية” غامضة بلا مسؤولين ولا قرارات ولا أسماء. إنها جرح مفتوح لا يزال يطارد الجزائر حتى اليوم.

عائلات المختفين لا تزال بعد عقود تطالب بالحقيقة والعدالة وكشف مصير أبنائها. وحتى سنة 2026، كانت منظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية تعتبر التضييق على جمعية “SOS Disparus” ضربة جديدة لمعركة البحث عن الحقيقة حول الاختفاءات القسرية في التسعينيات. وهذا يعني أن الجرح لم يُغلق بعد، بل ما زال تحت المراقبة والصمت والخوف.

الجزء الثاني من مذكرات الشاذلي، إذا كان موجودا، يدخل في قلب هذه المعركة. صحيح أنه لن يقدم الحقيقة الكاملة، فالحروب الأهلية أعقد من أن يختصرها كتاب واحد، لكنه على الأقل قد يكسر جزءا من جدار الصمت الذي يحيط بتلك المرحلة. وحتى شهادة ناقصة تبقى أفضل من غياب كامل للرواية.

أما بالنسبة للشاذلي نفسه، فإن استمرار إخفاء هذا الجزء لا يحمي صورته، بل يزيد الغموض حولها. لأنه يتركه في موقع الرئيس الصامت أمام واحدة من أخطر الكوارث في تاريخ الجزائر الحديثة.

نشر الجزء الثاني لن يحسم الجدل، لكنه سيعيد الشاذلي إلى ساحة النقاش والتاريخ، بدل أن يبقى مجرد وجه صامت داخل جمهورية اختطفها النظام الجزائري لعقود.

وإذا كان هذا الكتاب موجودا بالفعل، فإن مكانه الطبيعي ليس الأدراج المغلقة، بل أمام الجزائريين، وأمام التاريخ، وأمام عائلات الضحايا التي ما زالت تبحث منذ أكثر من ثلاثين عاما عن الحقيقة المفقودة.

بقلم: خالد بولعزيز