لم تعد المخدرات في الجزائر مجرد ظاهرة اجتماعية أو أزمة أمنية عابرة، بل تحولت إلى واحدة من أخطر القضايا التي تكشف طبيعة النظام الجزائري وآليات بقائه. فالمشكلة اليوم لا تكمن فقط في حجم السموم التي تغزو الأحياء والمدارس والجامعات والسجون، بل في التناقض الصارخ داخل دولة تدعي مراقبة كل شيء، بينما تبدو عاجزة بشكل مثير للريبة أمام شبكات المخدرات والتهريب.

النظام الجزائري الذي يستطيع ملاحقة معارض بسبب منشور على فيسبوك، واعتقال صحفي بسبب مقال، وتتبع ناشط بسبب تصريح، لا يمكنه أن يقنع أحدا بأنه غير قادر على معرفة كيف تدخل أطنان المخدرات إلى البلاد، وكيف تنتشر الأقراص المهلوسة في الأحياء الشعبية والجامعات وحتى داخل بعض المؤسسات الحساسة.

حين يصبح النظام شديد البصر أمام السياسة، وأعمى أمام المخدرات، فإن الأمر لا يتعلق بضعف الدولة، بل بطبيعة النظام نفسه.

الأرقام الرسمية وحدها تكشف حجم الكارثة. ففي سنة 2025 أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني حجز أكثر من 7 أطنان من القنب الهندي، وأكثر من 665 كيلوغراما من الكوكايين، إضافة إلى ما يفوق 20 مليون قرص مهلوس. كما تم تسجيل أكثر من 175 ألف قضية مرتبطة بالمخدرات، مع توقيف ما يزيد عن 192 ألف مشتبه فيه.

وفي سنة 2024 كانت الأرقام بدورها مرعبة، بعدما تم الإعلان عن حجز 5.697 أطنان من القنب الهندي، وأكثر من 377 كيلوغراما من الكوكايين، وأكثر من 14 مليون قرص مهلوس.

هذه المعطيات لا تعكس نجاحا أمنيا كما يحاول الإعلام الرسمي الترويج له، بل تكشف أن الظاهرة تتوسع بشكل خطير وأن شبكات التهريب أصبحت أكثر قوة وتنظيما وانتشارا.

فكلما ارتفعت أرقام المحجوزات، برز سؤال لا يمكن الهروب منه: كيف تستطيع شبكات التهريب تمرير هذه الكميات الضخمة داخل بلد يعيش تحت قبضة أمنية وعسكرية خانقة؟

في الجزائر، لا تبدو المخدرات مجرد تجارة إجرامية، بل تتحول تدريجيا إلى أداة سياسية غير معلنة. إنها الوسيلة الأكثر هدوءا لتحطيم المجتمع دون الحاجة إلى الدبابات أو المحاكمات الجماعية.

فالسجن قد يصنع بطلا، والقمع المباشر قد يولد الغضب، لكن المخدرات تقتل الإنسان ببطء، وتفكك الأسرة، وتدمر الإرادة، وتحول الشباب إلى كائنات منهكة لا تفكر إلا في الهروب أو النسيان.

الشاب الذي يغرق في الإدمان لا يشارك في النقاش العام، ولا يهتم بالتنظيم أو الاحتجاج، بل يصبح مشغولا فقط بمحاولة البقاء. وهنا تحديدا تكمن خطورة الظاهرة بالنسبة لمجتمع يعيش أصلا تحت ضغط البطالة والفقر والإحباط.

الشباب الجزائري يمثل أكبر هاجس بالنسبة للنظام الجزائري. فهو يمتلك الطاقة والغضب والقدرة على تحويل الإهانة اليومية إلى انفجار سياسي. ولذلك يتم إنهاكه بكل الوسائل الممكنة: بطالة، انسداد سياسي، قمع أمني، فقر ثقافي، هجرة قسرية، وحملات دعائية مستمرة.

وعندما لا تكفي كل هذه الأدوات، تترك المخدرات لتقوم بالباقي.

لقد تحولت المخدرات بالنسبة لكثير من الشباب إلى نوع من المنفى الداخلي. فمن لم يستطع الهجرة خارج البلاد، يحاول الهروب داخل نفسه. إنها حرقة صامتة نحو العدم.

لكن الأزمة لا تتوقف عند الأحياء الشعبية أو الجامعات فقط، بل تمتد حتى إلى داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فجنود الصف الأول الذين يتم وضعهم في مواجهة الشعب هم أيضا أبناء هذا الشعب. إنهم ينحدرون من العائلات نفسها، ويعيشون الظروف الاجتماعية نفسها، ويتقاسمون الإحساس ذاته بالظلم والإهانة.

الطبقة العسكرية الحاكمة تستخدم هؤلاء الجنود كجدار بشري لحماية مصالحها، بينما يعيش الجنرالات وكبار المسؤولين بعيدا عن المعاناة والخطر.

وهنا تظهر طبيعة النظام الجزائري بوضوح: أقلية عسكرية منظمة تسيطر على أغلبية مفككة ومشتتة.

هذه الأقلية لا تحتاج إلى الشرعية الشعبية بقدر ما تحتاج إلى السيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء والإعلام والاقتصاد والموانئ وشبكات النفوذ.

في المقابل، يعاني الشعب بشكل فردي ومجزأ، وهو ما يسمح للنظام بالاستمرار رغم حجم الغضب الشعبي.

المخدرات تلعب دورا مركزيا داخل هذا المشهد، لأنها تساهم في تفكيك المجتمع أكثر فأكثر. فهي تدمر الروابط العائلية، وتنشر الخوف داخل الأحياء، وتغذي العصابات الصغيرة، وتجعل الشباب غارقا في تدمير نفسه بدل التفكير في مستقبله أو في التغيير السياسي.

حتى التقارير المنسوبة إلى المؤسسة العسكرية تؤكد ضخامة الظاهرة، بعدما تحدثت حصيلة سنوية عن توقيف أكثر من 2354 تاجر مخدرات، وإحباط إدخال 35 طنا من الكيف المعالج، وحجز مئات الكيلوغرامات من الكوكايين وعشرات الملايين من الأقراص المهلوسة.

هذه الأرقام لا تصف مجرد تهريب محدود، بل تكشف وجود اقتصاد ضخم ومنظم وعابر للحدود.

ورغم ذلك، يواصل النظام الجزائري تقديم المشهد وكأنه مجرد معركة ضد بعض المروجين الصغار أو المدمنين البسطاء، بينما تبقى الشبكات الكبرى، ودوائر الحماية، والعلاقات بين الفساد والتهريب والأجهزة النافذة بعيدة عن أي مساءلة حقيقية.

وتبقى قضية 701 كيلوغرام من الكوكايين التي تم حجزها سنة 2018 بميناء وهران واحدة من أبرز الأمثلة على حجم التشابك بين المال والنفوذ والفساد داخل الدولة.

لهذا، لم يعد ممكنا التعامل مع المخدرات باعتبارها مجرد مشكلة اجتماعية فقط. إنها أيضا قضية سياسية مرتبطة بطبيعة الحكم داخل الجزائر.

فالأنظمة السلطوية لا تعتمد فقط على القمع المباشر، بل تستفيد أيضا من كل ما يؤدي إلى إنهاك المجتمع وتفكيك قدرته على التنظيم والمقاومة.

ولا يمكن محاربة المخدرات عبر الشعارات الرسمية أو الحملات الإعلامية، بينما تستمر الأسباب العميقة للأزمة كما هي: انسداد سياسي، تدمير المدرسة، انهيار الثقة، غياب العدالة الاجتماعية، وهيمنة طبقة عسكرية على مفاصل الدولة.

الحل الحقيقي يبدأ من إعادة بناء المجتمع نفسه: فتح فضاءات الثقافة والتعليم والرياضة والنقاش، كسر العزلة التي تعيشها العائلات، وإعادة الثقة بين فئات الشعب المختلفة.

كما يجب تذكير جنود الصف الأول بأنهم ليسوا حراسا دائمين لمصالح الطبقة العسكرية، بل أبناء لهذا الشعب الذي يعاني مثلهم.

النظام الجزائري لا يخاف من شعب فقير فقط، بل يخاف من شعب واع ومنظم.

ولا يخاف من الشباب الغاضب بقدر ما يخاف من الشباب الذي يفهم كيف تعمل آليات السيطرة والتفكيك.

لقد بدت الطبقة العسكرية الحاكمة قوية لأنها واجهت شعبا مشتتا، لكنها تصبح أضعف كلما بدأ الناس في فهم ما يجري وربط خيوط الصورة الكاملة.

فحين يتحول الوعي إلى تنظيم، وتتحول المعاناة المشتركة إلى مشروع جماعي، يصبح من الصعب على أي نظام الاستمرار في حكم شعب يتم تسميمه سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

وعندما تدرك الأغلبية أن قوتها الحقيقية تكمن في وحدتها، فإن أكثر الأنظمة تشددا لن تستطيع الصمود طويلا.

بقلم: خالد بولعزيز