في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية، قام رئيس النظام الجزائري عبد المجيد تبون بزيارة مفاجئة إلى تركيا، وسط تكتم رسمي واضح ومحاولة لتقديم الزيارة على أنها مجرد محطة “لتعزيز التعاون الثنائي”، بينما تشير المعطيات القادمة من مصادر تركية إلى أن خلفيات الزيارة أعمق بكثير مما حاول الإعلام الرسمي الجزائري تسويقه.
وكالة الأنباء الجزائرية لم تعلن عن الزيارة إلا بعد ساعات من تداول الخبر، في مؤشر جديد على حالة الارتباك التي أصبحت تطبع تواصل النظام الجزائري مع الرأي العام. البيان الرسمي جاء مقتضبًا بشكل لافت، واكتفى بالحديث عن “تعزيز علاقات الأخوة والتعاون” و”الدورة الأولى لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى الجزائري التركي”، دون تقديم أي تفاصيل دقيقة حول الملفات الحقيقية المطروحة على الطاولة.
لكن وفق معطيات متقاطعة من مصادر تركية، فإن الزيارة تحمل أبعادًا سياسية حساسة تتجاوز بكثير الخطاب الدبلوماسي التقليدي. فالنظام التركي بقيادة رجب طيب أردوغان منح، بحسب المصادر نفسها، تعليمات صارمة لوسائل الإعلام التركية لتجنب أي انتقاد للنظام الجزائري خلال الزيارة، في مقابل تفاهمات اقتصادية وتجارية ضخمة ينتظر أن تستفيد منها أنقرة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا.
وتشمل الملفات المطروحة بين الطرفين التعاون الاقتصادي والاستثمار والطاقة والصحة والتعليم والصناعات التكنولوجية، وهي قطاعات يبدو أن النظام الجزائري مستعد لفتحها أمام الشركات التركية مقابل الحصول على دعم سياسي ودبلوماسي في مرحلة إقليمية معقدة.
غير أن أخطر ما يطفو خلف الكواليس، حسب المصادر ذاتها، هو محاولة تبون الاستعانة بأردوغان للعب دور وساطة مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تخفيف الضغوط المتزايدة على النظام الجزائري في ملف الصحراء المغربية ومخيمات تندوف. فالنظام الجزائري، رغم محاولاته التنصل العلني من الملف، ما يزال غارقًا فيه سياسيا وأمنيا وماليا، ويواجه مأزقا حقيقيا بشأن مستقبل المخيمات وكيفية تسويق أي تراجع محتمل للرأي العام الجزائري الذي تم شحنه لعقود بخطاب عدائي تجاه المغرب.
ويبدو أن النظام الجزائري يعيش حالة عزلة دبلوماسية غير مسبوقة، بعدما فقد أغلب أوراقه الإقليمية والدولية، وفشل في إقناع حلفائه التقليديين بالدفاع عن أطروحاته. فحتى القوى العربية التي كان يعول عليها، مثل السعودية وقطر، لم تعد تبدي الحماس نفسه للانخراط في معارك النظام الجزائري السياسية، خصوصا في ظل التحولات الدولية المتسارعة حول قضية الصحراء المغربية.
وفي الوقت الذي ينفق فيه النظام الجزائري مليارات الدولارات على التسلح وصفقات مشبوهة، يعيش الداخل الجزائري أوضاعا اجتماعية متدهورة. طوابير الحليب والسميد والقدرة الشرائية المنهارة والهجرة السرية أصبحت مشاهد يومية تكشف حجم الأزمة التي تتخبط فيها البلاد، رغم الثروات الطاقية الهائلة التي تملكها الجزائر.
وتأتي زيارة تبون إلى تركيا في ظرف داخلي وإقليمي بالغ الحساسية، ما يعزز الانطباع بأن النظام الجزائري لم يعد يتحرك من موقع القوة، بل من موقع البحث عن مخارج سياسية ودبلوماسية لتخفيف الضغوط المتزايدة عليه، سواء في الداخل أو الخارج. وبين صفقات الاقتصاد ورسائل السياسة، تبقى الحقيقة الأبرز أن السلطة في الجزائر تبدو اليوم أكثر ارتباكا وعزلة من أي وقت مضى.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..