توفي علي هارون عن عمر ناهز 99 عاماً، يوم 24 أكتوبر 2026، حاملاً معه التبريرات التي قدمها جيل من المسؤولين الذين زعموا إنقاذ الجزائر من الأصولية الإسلامية عبر مصادرة أول تجربة ديمقراطية تعددية في البلاد. فقد كان وزيراً سابقاً لحقوق الإنسان، وعضواً في المجلس الأعلى للدولة، وأحد أبرز المدافعين بإصرار عن وقف المسار الانتخابي في يناير 1992. وكان يجسد تناقضاً سياسياً كبيراً: رجل يستند إلى الحريات لتبرير تعليقها. إن رحيله يفرض إعادة فتح ملف المسؤولية التاريخية لما يُعرف بـ«التيار الانقلابي لجانفي 1992»، ليس لتبرئة الجرائم التي ارتكبتها الجماعات الإسلامية المسلحة، بل للتأكيد أن أي مبرر يتعلق بمصلحة الدولة لا يمكنه محو المسؤوليات السياسية عن الكارثة الجزائرية.

وفاة هادئة… وتاريخ لم يهدأ بعد

توفي علي هارون يوم السبت 24 أكتوبر 2026، عن عمر ناهز 99 عاماً. وقد أشادت الصحافة الرسمية بالمجاهد والمسؤول السابق عن فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، والمحامي، وآخر الأعضاء الأحياء في المجلس الأعلى للدولة. واستعرضت بيانات النعي محطات حياته الطويلة، مانحة حرب التحرير الوطني المكانة المجيدة التي تستحقها، بينما تناولت العشرية السوداء باعتبارها مأساة كان المسؤولون السياسيون فيها أقرب إلى متفرجين عاجزين منهم إلى فاعلين حاسمين في صناعة الأحداث.

رحل علي هارون دون أن يُحاسَب أمام هيئة قضائية مستقلة بشأن الدور السياسي الذي أداه في واحدة من أكبر الكوارث التي عرفتها الجزائر المستقلة. وسيظل اسمه مرتبطاً بنظام استثنائي رافق انهيار التعددية السياسية الناشئة، واتساع نطاق القمع، وتصاعد العنف المسلح، واندلاع حرب داخلية أودت بحياة عشرات الآلاف، ثم مئات الآلاف وفقاً للتقديرات المعتمدة.

لقد شارك الرجل في تحرير بلاده من الاستعمار الفرنسي، لكنه بعد أربعين عاماً أصبح جزءاً من سلطة اعتقدت أن بإمكانها اتخاذ القرارات نيابة عن الجزائريين، وتحديد حدود سيادتهم.

وهنا يكمن التناقض الجوهري في مسيرة هذه الشخصية.

إن الوفاة البيولوجية لعلي هارون تضع حداً لحياته، لكنها لا تنهي النقاش التاريخي ولا تطرح جانباً مسألة المسؤوليات. فالقضية لا تتعلق فقط بوزير سابق أصبح أحد أبرز رموز تيار يناير 1992، بل بجيل من المسؤولين الذين احتكروا لأنفسهم صفة الوطنية والجمهورية والدفاع عن الحريات، بينما أعفوا قراراتهم هم من الخضوع للمحاسبة الديمقراطية.

يناير 1992: عندما صادر حراس الجمهورية سيادة الشعب

في 26 ديسمبر 1991، شارك الجزائريون في الجولة الأولى من أول انتخابات تشريعية تعددية في البلاد. وتصدر الجبهة الإسلامية للإنقاذ النتائج بفارق كبير. وقد أثار فوزها قلقاً عميقاً لدى جزء من المجتمع، ولا سيما المدافعين عن الحريات الفردية والنساء والنشطاء الديمقراطيين ومعارضي المشروع الثيوقراطي، الذي لم يُخفِ بعض قادة الجبهة طموحاتهم السلطوية.

كانت تلك المخاوف جدية، ولا يمكن تجاهلها من خلال قراءة رومانسية لمبدأ الاقتراع العام. فالجبهة الإسلامية للإنقاذ لم تكن بالضرورة ضمانة للديمقراطية التي أرادت استخدامها للوصول إلى السلطة.

لكن السؤال الجوهري يظل قائماً: من كان يملك الشرعية لإلغاء نتائج صناديق الاقتراع؟ وبأي حق؟

في يناير 1992، أدى وقف المسار الانتخابي واستقالة الرئيس الشاذلي بن جديد وتنصيب المجلس الأعلى للدولة إلى استبدال الانتقال الديمقراطي بترتيبات استثنائية، خرجت أبرز مفاصلها عن الرقابة الشعبية.

وكان علي هارون أحد أعضاء هذا المجلس.

وهكذا جرى تعليق التجربة الديمقراطية الجزائرية، التي كانت لا تزال هشة، على يد رجال ادعوا أنهم يتحركون من أجل إنقاذها. ولم تعد سيادة الشعب مبدأً ثابتاً، بل أصبحت بمثابة ترخيص قابل للسحب عندما تتعارض ممارسة الشعب لحقه مع مصالح أصحاب السلطة الفعلية.

لقد استند منطق تيار يناير 1992 إلى تناقض يصعب تجاوزه: فمن أجل منع قوة سياسية يُشتبه في رغبتها بإلغاء الديمقراطية، قرروا هم أنفسهم وقف المسار الديمقراطي.

وكان لهذا القرار أثر بالغ الخطورة، إذ كرس سابقة مفادها أن الجيش ومؤسسات الحكم الاستثنائية يحتفظان بالسلطة النهائية لتحديد أشكال التعبير عن الإرادة الشعبية المقبولة.

وبذلك لم تعد الانتخابات آلية لتحديد من يحكم، بل تحولت إلى إجراء خاضع لموافقة السلطة.

وهذا المنطق، بدلاً من حماية المؤسسات على المدى الطويل، ساهم في ترسيخ ثقافة سياسية تتقدم فيها القوة على القانون، وتظل فيها الشرعية الانتخابية موضع شك دائم.

علي هارون… أو المفهوم الغريب لحقوق الإنسان

تكتسب حالة علي هارون بُعداً سياسياً بالغ الخطورة.

فهذا المحامي، قبل انضمامه إلى المجلس الأعلى للدولة، كان قد عُيّن وزيراً منتدباً مكلفاً بحقوق الإنسان في حكومة سيد أحمد غزالي، في يونيو 1991. وكان يفترض أن تلزمه هذه المسؤولية بالدفاع عن الضمانات الأساسية، خصوصاً في الوقت الذي كانت فيه السلطة العامة ترى ضرورة تقييدها.

لكن ابتداءً من يناير 1992، أصبح يبرر علناً وقف المسار الانتخابي بحجة الدفاع عن الأمة في مواجهة قيام دولة إسلامية.

وقد احتفظت منظمة هيومن رايتس ووتش بتسجيلات لتصريحاته التلفزيونية الصادرة في 15 يناير 1992. وكان علي هارون يدافع فيها عن فكرة أن مهمته كمدافع عن حقوق الإنسان يمكن أن تبرر الإجراءات الاستثنائية المتخذة لمنع إقامة نظام إسلامي.

وتكشف هذه الصيغة جوهر عقيدة تيار يناير 1992: لم تعد حقوق الإنسان تشكل قيداً على سلطة الدولة، بل تحولت إلى حجة تسمح بتوسيع صلاحياتها.

وهكذا أصبح الرجل المكلف بحماية المواطنين من تجاوزات الدولة أحد أبرز المدافعين سياسياً عن الحكم الاستثنائي.

إن هذا الانقلاب في المفاهيم يستحق أكثر من مجرد تحفظ تاريخي.

فحقوق الإنسان ليست مكافآت تمنحها الحكومات للمواطنين الذين تتوافق آراؤهم مع توجهاتها. بل هي حقوق مكفولة للجميع، بما في ذلك الخصوم والمشتبه بهم والمعارضون وأصحاب المعتقدات التي تتعارض مع المبادئ الجمهورية، في حدود القانون المطبق على الجميع.

إن الدولة التي تدعي الدفاع عن الحرية عبر إلغاء الضمانات القانونية لأعدائها لا تنقذ الديمقراطية بالضرورة، بل قد تؤسس للاستبداد في قلب الجمهورية نفسها.

وعندما يترسخ هذا الاستبداد، فإن ضحاياه لا يظلون لفترة طويلة محصورين في الخصوم الذين استُهدفوا في البداية.

معتقلات الجنوب: الوجه الحقيقي للحكم الاستثنائي

ظهر التناقض بين الخطاب الإنساني وممارسات السلطة بصورة بالغة القسوة في سياسة الاعتقال التي شهدتها سنوات التسعينيات.

فمنذ الأشهر الأولى للأزمة، اعتُقل آلاف الأشخاص المشتبه في تعاطفهم مع التيار الإسلامي، ونُقلوا إلى مراكز احتجاز، خصوصاً في مناطق الجنوب الصحراوي. وأصبحت الاعتقالات الإدارية والاحتجاز التعسفي والقيود المفروضة على حقوق الدفاع أدوات أساسية للحكم.

ولم يكن بإمكان علي هارون تجاهل هذه الحقيقة. فقد كان وزيراً مكلفاً بحقوق الإنسان في الوقت الذي تصاعد فيه القمع، ثم أصبح عضواً في أعلى هيئة حاكمة في البلاد، وهو موقع مؤسساتي يجعل مساءلة مسؤوليته السياسية أمراً مشروعاً.

وفي تقريرها الصادر في يناير 1994، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش أعمال التعذيب وسوء المعاملة والإجراءات القضائية المتسرعة والتدهور العام للحريات. وأشارت المنظمة إلى أن الحكومة، بينما كانت تدعي حماية الحقوق الأساسية من الإسلاميين، لم تكن تحترم هذه المبادئ بنفسها.

وبالتالي، لا تقتصر المشكلة على سوء تقدير مخاطر تلك المرحلة، بل تتعلق بتحويل الضرورات الأمنية إلى مبرر دائم للحكم الاستثنائي.

كيف يمكن لوزير حقوق الإنسان أن يقبل حرمان مواطنين من حريتهم استناداً إلى معتقداتهم المفترضة؟ وكيف يمكن الدفاع عن دولة القانون في الوقت الذي تتمتع فيه الإدارة والأجهزة الأمنية بصلاحيات استثنائية للتحكم في حياة الأفراد؟

كان رد تيار يناير 1992 يتمثل في الاستناد بصورة متكررة إلى التهديد الإسلامي.

لكن وجود تهديد، حتى وإن كان حقيقياً، لا يعفي الحكام من تقديم الحساب بشأن الوسائل التي استخدموها لمواجهته. كما أنه لا يحول الاعتقال التعسفي إلى عمل جمهوري، ولا يمنح التعذيب شرعية وطنية.

ولا تزال المسؤولية الشخصية الدقيقة لعلي هارون في كل واحد من هذه القرارات بحاجة إلى إثبات. غير أن مشاركته في السلطة التي غطت تلك الممارسات تكفي لطرح مسألة مسؤوليته السياسية.

60 ألف قتيل متوقع: الرقم الذي يضع صناع القرار موضع اتهام

تستحق مسألة الثمن البشري الذي كان تيار يناير 1992 مستعداً لقبوله اهتماماً خاصاً.

ففي مقال نُشر يوم 5 سبتمبر 2026، عادت صحيفة «لا ناسيون» إلى نص للصحفي معمر فرح، نُشر في جريدة «لو سوار دالجيري» يوم 13 أغسطس 2012. وتناول الصحفي في ذلك النص نقاشات سبقت وقف المسار الانتخابي، ونقل تقديراً بالغ الصدمة تمثل في 60 ألف قتيل.

ووفقاً لهذه الشهادة الاستعادية، فإن هذا الرقم كان متداولاً في الأوساط المطلعة على القرار الذي كان يجري التحضير له.

ولا تشكل هذه الرواية، بمفردها، دليلاً على أن كل عضو في المجلس الأعلى للدولة كان على علم بهذا التقدير، أو أن صناع القرار وضعوا خطة تتضمن حصيلة مماثلة. لكنها تطرح سؤالاً خطيراً: ما حجم المخاطر البشرية التي كانت حاضرة في حسابات مسؤولي يناير 1992 قبل دفع البلاد نحو المجهول؟

فحجم الكارثة لم يعد موضع خلاف.

وقد أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن عدد القتلى خلال صراع التسعينيات قد يصل إلى 200 ألف شخص. كما ذكرت هيومن رايتس ووتش أن التقديرات تراوحت بين 100 ألف و200 ألف قتيل، وأنه لم يتم وضع حصيلة شاملة ودقيقة تميز بين الضحايا وتحدد المسؤوليات بشكل كامل.

100 ألف إلى 200 ألف قتيل

الحصيلة التقديرية للعشرية السوداء

النطاق التاريخي الذي أوردته منظمة هيومن رايتس ووتش. ولم تخضع مسؤوليات مختلف الأطراف لعملية تحديد قضائي شاملة.

لقد ارتكبت الجماعات الإسلامية المسلحة جرائم قتل واعتداءات وتفجيرات وعمليات اختطاف واغتصاب ومجازر بحق المدنيين. ومسؤوليتها عن هذه الجرائم لا جدال فيها. لكن قوات الأمن ومجموعات مسلحة متحالفة مع الدولة وُجهت إليها أيضاً اتهامات بارتكاب إعدامات ميدانية وأعمال تعذيب واختفاءات قسرية.

وهذه الحقيقة المزدوجة تهدم الرواية المريحة التي تزعم أن الجزائر عاشت ببساطة حرباً بين جمهورية بريئة ووحشية خارج مؤسساتها.

لقد كانت وحشية الجماعات الإسلامية المسلحة حقيقة، كما كانت الانتهاكات المرتكبة باسم قمعها حقيقة أيضاً.

ولطالما قدم تيار يناير 1992 الجرائم الأولى باعتبارها مبرراً كافياً لإبعاد الجرائم الثانية عن أي تحقيق جدي.

وهذه الحصانة الأخلاقية والسياسية تحديداً هي ما يجب الاعتراض عليه.

تيار يناير 1992: نخبة نصّبت نفسها وصية على الشعب

لم يكن علي هارون حالة فردية شاذة، بل كان جزءاً من تركيبة سياسية اجتمع فيها مسؤولون عسكريون وقادة مدنيون ومثقفون منخرطون في الحياة السياسية حول قناعة واحدة: أن إنقاذ الوطن يقتضي إخراج القرار السياسي من دائرة التعبير الانتخابي.

وكان خالد نزار، أحد أبرز الوجوه العسكرية في تلك المرحلة، إلى جانب بقية مسؤولي المجلس الأعلى للدولة، يجسدون هذه البنية الاستثنائية. وحولهم تحركت شخصيات مدنية وفرت للانقلاب على المسار الانتخابي غطاءً وتبريراً جمهورياً.

وقد احتل سعيد سعدي مكانة مهمة في عملية إضفاء الشرعية على هذا التوجه.

وفي مقالها الصادر يوم 17 أغسطس 2026، تحت عنوان «عودة سعيد سعدي وانتقام تيار يناير»، ذكّرت صحيفة «لا ناسيون» بكيفية قبول جزء من النخبة السياسية بوضع جمهوريتها تحت حماية التدخل العسكري.

فقد قبل رجال كانوا يدينون سلطوية نظام الحزب الواحد، عندما أصبحت النتائج الانتخابية غير مقبولة بالنسبة إليهم، بأن تستعيد المؤسسات العسكرية دور الحكم الأعلى في البلاد.

وحاربوا احتمال قيام ديكتاتورية دينية، لكنهم ساهموا في ترسيخ وصاية سياسية تمارسها أجهزة غير منتخبة.

وكانت النتائج أكبر بكثير من النوايا المعلنة.

فالديمقراطية الجزائرية لم تُنقذ، بل جرى وقفها، ثم استُبدلت بنظام لم تكن فيه الانتخابات كافية لضمان التداول الفعلي على السلطة.

لقد زعم تيار يناير 1992 أنه يريد منع الإسلاميين من مصادرة السيادة الشعبية، لكنه ساهم في إدامة شكل آخر من المصادرة، عسكري وبيروقراطي.

ولا تجعل هذه الحقيقة الإسلاميين ديمقراطيين أسيء فهمهم، بل تكشف الفشل التاريخي لأولئك الذين ادعوا الدفاع عن الجمهورية دون قبول قيود السيادة الشعبية.

عودة بوضياف: شرعية مستعارة من الثورة

يشكل دور علي هارون في عودة محمد بوضياف فصلاً أساسياً آخر من مسيرته.

ففي يناير 1992، شارك في المساعي الرامية إلى إقناع القائد الثوري السابق، الذي كان يقيم آنذاك في المغرب، بالعودة إلى الجزائر لتولي رئاسة المجلس الأعلى للدولة.

وكان لهذه العملية بُعد رمزي بالغ الأهمية.

فالسلطة الجديدة، التي نشأت عن القطيعة مع المسار الانتخابي، كانت تبحث في الشرعية التاريخية لبوضياف عما لم تستطع مؤسساتها الوليدة توفيره: سلطة معنوية قادرة على طمأنة مجتمع شديد الانقسام.

عاد بوضياف إلى الجزائر، وأثار آمالاً كبيرة لدى المواطنين، لكن بعد ستة أشهر فقط، وتحديداً في 29 يونيو 1992، اغتيل في مدينة عنابة.

وأعرب علي هارون لاحقاً عن شعوره بالذنب بسبب مساهمته في إقناعه بالعودة.

لكن هذا الشعور الشخصي بالذنب لا يجيب عن الأسئلة السياسية التي تثيرها عملية الاغتيال.

لماذا كانت الترتيبات الأمنية الخاصة برئيس الدولة غير كافية؟ وما المسؤوليات الحقيقية المحيطة بعملية القتل؟ ولماذا لا تزال الحقيقة القضائية والتاريخية تثير الكثير من التساؤلات؟

لا توجد أدلة ثابتة تسمح بإسناد أي مشاركة في عملية الاغتيال إلى علي هارون. لكن موقعه ضمن المنظومة السياسية التي أعادت بوضياف يفرض دراسة دلالات تلك العملية: محاولة إضفاء الشرعية الأخلاقية المستمدة من حرب التحرير الوطني على سلطة استثنائية.

كان من المفترض أن يجسد بوضياف القطيعة مع الممارسات القديمة، لكن رحيله ترك الهياكل التي أعادته إلى البلاد قائمة دون تغيير.

الامتياز الاستثنائي المتمثل في عدم المساءلة أبداً

إن الفضيحة التاريخية الحقيقية للعشرية السوداء لا تكمن فقط في عدد الضحايا، بل أيضاً في الغياب المستمر لعملية مستقلة وشاملة لتحديد المسؤوليات.

فآلاف العائلات لا تزال تنتظر إجابات بشأن مصير أقاربها المختفين.

كما أن جرائم ارتكبتها الجماعات الإسلامية لم يتم الكشف عن جميع ملابساتها، في حين ظلت انتهاكات منسوبة إلى قوات الأمن دون عقاب. وقد ساهمت آليات المصالحة في عودة قدر من السلم المدني، لكنها لم تسمح بتوضيح شامل للوقائع.

وكانت منظمة العفو الدولية قد نددت منذ عام 2002 بعرقلة التحقيقات المستقلة وبالإفلات من العقاب الذي استفاد منه مرتكبو الانتهاكات الجسيمة، بصرف النظر عن انتماءاتهم.

وهكذا تتجاوز القضية مجرد استذكار سيرة علي هارون.

لماذا نادراً ما أُجبر الرجال الذين اتخذوا أخطر القرارات في تاريخ الجزائر المستقلة على تفسيرها أمام هيئة مستقلة فعلياً؟

ولماذا تتحمل عائلات الضحايا عبء تقديم الأدلة، بينما يستفيد المسؤولون السياسيون من افتراض دائم بأنهم تصرفوا من أجل إنقاذ الوطن؟

ولماذا تحرص الذاكرة الرسمية على الفصل بعناية بين الخدمات المقدمة خلال حرب التحرير والمسؤوليات التي تحملها أصحابها بعد الاستقلال؟

إن الماضي الثوري لا يمكن أن يكون شهادة إعفاء من المسؤولية السياسية مدى الحياة.

فالمشاركة في محاربة الاستعمار لا تمنح صاحبها أي حق خاص في تعليق حريات مواطنيه. والدفاع عن المناضلين أمام المحاكم لا يعفي من الإجابة عن المشاركة في سلطة استثنائية. والخوف من قيام ديكتاتورية إسلامية لا يحول جميع القرارات المتخذة لمنعها إلى أعمال مشروعة بالضرورة.

فالتاريخ لا يمكن اختزاله في شهادة وطنية.

الوصية السياسية لجيل لم يعترف بأخطائه

لم يتراجع علي هارون أبداً بصورة حقيقية عن قراره المتعلق بأحداث يناير 1992.

ففي مقابلات لاحقة، واصل الدفاع عن ضرورة وقف المسار الانتخابي، رغم اعترافه بطابعه المنافي للديمقراطية. وكان منطقه يقوم على قناعة مفادها أن فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ كان سيقوض الحريات نهائياً، وربما يقضي على إمكانية إجراء انتخابات مستقبلية.

وتستحق هذه المواقف الدراسة لما تكشفه من تصور للسلطة، يقوم على اعتبار احتمال وقوع كارثة مستقبلية مبرراً للقطيعة الفورية مع القواعد الديمقراطية.

لكن الكارثة التي زعم تيار يناير 1992 أنه يريد منعها أعقبتها كارثة حقيقية وواسعة النطاق.

فقد عاش المجتمع الجزائري حرباً داخلية مدمرة. ودُمرت عائلات بأكملها، وتعرضت قرى لمجازر، واغتيل صحفيون ومثقفون وموظفون وعسكريون ومواطنون عاديون. واستقر الخوف في العلاقات الاجتماعية، وأثرت حالة الطوارئ والحكم الاستثنائي بعمق في مؤسسات الدولة.

ولا يثبت ذلك أن استمرار الانتخابات كان سيضمن السلام. فلا أحد يستطيع إعادة بناء تاريخ لم يحدث بيقين مطلق.

لكن هذا الغموض لا يمكن أن يتحول إلى صك براءة تلقائي للمسؤولين عن القرار الذي اتُخذ فعلياً.

فالسلطة التي تقطع مساراً انتقالياً باسم حماية الوطن مطالبة بتحمل مسؤولية نتائج اختيارها، حتى عندما يرتكب أطراف آخرون جرائمهم الخاصة لاحقاً.

ولعل أحد أبرز النجاحات السياسية لتيار يناير 1992 تمثل تحديداً في فرض منطق دائري: بما أن الإسلاميين ارتكبوا فظائع، فإن وقف الانتخابات كان مبرراً؛ وبما أن وقف الانتخابات كان مبرراً، فلا يجوز مساءلة المسؤولين عنه بشأن عواقبه.

وهذا المنطق يستبدل الفحص التاريخي بعقيدة سياسية لا تقبل النقاش.

كما يمنع التمييز بين ضرورة محاربة التنظيمات الإجرامية ومشروعية القرارات التي أدت إلى القطيعة المؤسسية.

وفي النهاية، يحول معاناة الضحايا إلى حجة لحماية الحكام من أي مساءلة.

الموت لا يمحو المسؤوليات

عاش علي هارون ما يقارب قرناً كاملاً.

وعاصر الاستعمار، وحرب التحرير، والاستقلال، ونظام الحزب الواحد، والانفتاح التعددي، ووقف المسار الانتخابي، والحرب الأهلية، وعهد بوتفليقة، والحراك الشعبي.

وقليل من المسؤولين الجزائريين من عاصروا كل هذه التحولات التاريخية الكبرى.

لكن طول هذه الحياة الاستثنائي يكشف مفارقة أكثر إيلاماً.

فأجيال من الجزائريين لم تتح لهم فرصة التقدم في العمر. وأطفال كبروا دون آبائهم. وعائلات ظلت تنتظر عودة مفقوديها الذين لم يعودوا أبداً. وناجون لا يزالون يحملون جراحاً جسدية ونفسية من حرب استطاع المسؤولون السياسيون عنها في كثير من الأحيان مواصلة حياتهم دون أن يتعرضوا لمساءلة حقيقية.

توفي علي هارون عن عمر ناهز 99 عاماً، محاطاً بالتكريمات التي يستحقها ماضيه الثوري. ولا تتوفر معطيات علنية تسمح بوصف دقيق للظروف الخاصة التي أحاطت بلحظاته الأخيرة. لكن المفارقة التاريخية تظل قائمة: أحد أبرز المدافعين عن القطيعة التي شهدها يناير 1992 استطاع بلوغ سن متقدمة دون أن تُجرى عملية مستقلة لتحديد جميع المسؤوليات السياسية والمؤسساتية عن تلك المرحلة.

وهذه المفارقة، وليس الظروف الشخصية لوفاته، هي ما يستحق أن يُسجل في الذاكرة الوطنية.

فاحترام الموت لا يعني الصمت عن الحياة العامة.

يمكن لبيانات التأبين أن تستحضر المناضل في جبهة التحرير الوطني، والمدافع عن القضية الوطنية، والمحامي الملتزم. لكنها لا ينبغي أن تمحو صورة وزير حقوق الإنسان الذي برر الحكم الاستثنائي، وعضو المجلس الأعلى للدولة الذي شارك في إدارة البلاد خلال فترة القمع، والمدافع المستمر عن قطيعة لا تزال الجزائر تعاني من عواقبها.

لا يمكن للجمهورية أن تطالب الضحايا بالصمت باسم المكانة التاريخية لأولئك الذين حكموا البلاد.

كما لا يمكنها الخلط بين وفاة مسؤول سابق وبين تبرئته أمام التاريخ.

إن رموز تيار يناير 1992 يرحلون تدريجياً. فقد توفي خالد نزار عام 2023، وها هو علي هارون يرحل في 2026. ومعهما يغيب شهود مباشرون على القرارات التي اتُخذت داخل أكثر دوائر السلطة انغلاقاً.

لكن الأسئلة تبقى بعد رحيل الرجال.

من اتخذ القرار؟ وبناءً على أي معلومات؟ وما التوقعات التي كانت مطروحة؟ وما الوسائل التي جرى الترخيص باستخدامها؟ ومن غطى الانتهاكات؟ ولماذا جرى منع التحقيقات المستقلة أو تقييدها؟ ولماذا لا تزال عائلات المختفين محرومة من الإجابات؟

ما دامت هذه الأسئلة بلا إجابات، فإن الاحتفالات الرسمية بالذاكرة الوطنية ستظل تنطوي على قدر كبير من عدم الاحترام للضحايا.

لقد مات علي هارون، لكن تيار يناير 1992 لا يزال قضية سياسية عالقة، ودَيناً تاريخياً، واتهاماً موجهاً إلى نظام خلط طويلاً بين مصلحة الدولة والحق في عدم تقديم الحساب أبداً.

وإذا كان لرحيل آخر أعضاء المجلس الأعلى للدولة أن يحمل معنى، فهو التذكير بحقيقة تسعى خطابات التمجيد الرسمية إلى طمسها: يمكن للإنسان أن يموت محاطاً بالأوسمة والتكريمات، دون أن يكون قد أجاب أمام التاريخ عن اختياراته وقراراته.

 بقلم خالد بولعزيز على موقع Lanataion.net