أعلن الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية عن قرب صدور أول مؤلف فكري له بعنوان: «جزائر المعتقدات المتعددة: الشرعية والتعددية وإعادة تأسيس العقد الوطني». يثير العنوان الكثير من التساؤلات، تماماً كما يثير المسار السياسي لصاحبه. ففي بلد تدين الغالبية العظمى من سكانه بالإسلام، لماذا الحديث عن «معتقدات متعددة»؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن تناول مسألتي الشرعية والتداول على السلطة دون العودة إلى إرث سعيد سعدي، مؤسس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الذي أعلن صراحة دعمه لوقف الانتخابات في ديسمبر 1991؟ قبل الخوض في الحديث عن معتقدات الجزائريين، لا بد من توضيح مسألة حق الأغلبية في الحكم.
معتقدات متعددة في بلد يكاد سكانه جميعاً يكونون مسلمين؟
أعلن محسن بلعباس مؤخراً عن قرب صدور أول مؤلف فكري له عن دار «كوكو» للنشر، بعنوان: «جزائر المعتقدات المتعددة: الشرعية والتعددية وإعادة تأسيس العقد الوطني». ويسعى الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، بحسب ما جاء في تقديم الكتاب، إلى دراسة مختلف مصادر الشرعية التي شكلت تاريخ الجزائر، والعوائق التي تحول دون أن يصبح التداول السياسي على السلطة ممارسة عادية وطبيعية.
تبدو هذه النية جديرة بالاهتمام، غير أن العنوان يستدعي توضيحاً ننتظره بقدر كبير من الترقب. فلماذا اختار محسن بلعباس مصطلح «المعتقدات» مدخلاً للتفكير في سيادة الشعب؟ وأي معتقدات يقصد تحديداً؟
إذا كان المقصود بهذا التعبير هو المعتقدات الدينية، فإن الأمر يثير الاستغراب في بلد تُقدّر نسبة المسلمين فيه عموماً بأكثر من 99 في المائة. صحيح أن هذه النسبة لا تستند بالضرورة إلى إحصاء شامل ودقيق لقناعات كل فرد، لكنها تعكس واقعاً اجتماعياً يصعب إنكاره، يتمثل في التجانس الديني الكبير الذي يميز المجتمع الجزائري. وبطبيعة الحال، تتمتع الأقليات الدينية والمواطنون الذين لا يعتنقون أي دين بالحقوق الأساسية نفسها التي يتمتع بها بقية مواطنيهم. غير أن وجودهم لا يحوّل الجزائر إلى فسيفساء طائفية مماثلة للبنان، حيث تدخل الانتماءات الدينية بصورة مباشرة في تركيبة النظام والمؤسسات.
أما إذا كان محسن بلعباس يقصد بالمعتقدات التوجهات السياسية، أو القناعات الفلسفية، أو التصورات التاريخية، أو مختلف الرؤى المتعلقة بالأمة، فلماذا اختار مصطلحاً يثير هذا القدر من الالتباس الجوهري؟ فالآراء السياسية ليست أدياناً، والبرامج الاقتصادية ليست عقائد إيمانية، والاختلافات الأيديولوجية لا تشكل بالضرورة صراعات بين معتقدات دينية.
إن الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية على دراية كافية بالحياة السياسية تسمح له بإدراك دلالات الكلمات وأبعادها. ولذلك، فإن اختياره للمصطلح يستحق التساؤل، ليس من أجل افتراض نوايا مسبقة لديه، وإنما لأن المفردات التي نستخدمها في التفكير في المجتمع تحدد غالباً الطريقة التي نتصور بها تنظيمه.
يمتلك المجتمع الجزائري تنوعاً لغوياً وثقافياً ومناطقياً وسياسياً لا يمكن إنكاره. لكن مشكلته المؤسساتية الرئيسية لا تكمن في استحالة التعايش بين معتقدات دينية متنافسة، بل في صعوبة الاعتراف بإرادة المواطنين باعتبارها الأساس الفعلي للسلطة.
الجزائر ليست بحاجة إلى لاهوت جديد للشرعية، بل إلى جمهورية يختار فيها المحكومون حكامهم، ويراقبون أداءهم، ويستبدلونهم.
تعدد المعتقدات ووحدة السيادة
يؤكد محسن بلعباس في تقديمه للكتاب أنه يريد التفكير في نظام سياسي لا يستطيع فيه أي مصدر من مصادر الشرعية الادعاء بأنه يجسد الأمة بمفرده.
يبدو هذا الطرح جذاباً، وهو ينسجم ظاهرياً مع المبدأ القائل إن الأمة ليست ملكاً لأي مؤسسة أو حزب أو جماعة. لكنه يطرح فوراً سؤالاً أساسياً: هل تتساوى جميع مصادر الشرعية في النظام الديمقراطي؟
يمكن دراسة الشرعية التاريخية، والشرعية الثورية، والشرعية الدينية، والشرعية الانتخابية باعتبارها ظواهر اجتماعية، لكنها لا تتمتع بالقيمة الدستورية نفسها.
فمنذ الاستقلال، اعتاد الحكام الجزائريون الاستناد إلى حرب التحرير الوطني لتبرير سلطتهم. كما استندت المؤسسة العسكرية إلى دورها في نشأة الدولة والحفاظ عليها. في المقابل، احتجت تيارات أخرى بالدين أو الهوية أو الدفاع عن الحداثة لتبرير مطالبها السياسية.
لقد تركت هذه المرجعيات بصمتها على التاريخ الوطني، لكن لا ينبغي لأي منها أن يمنح أصحابها حقاً دائماً في الحكم.
في النظام الديمقراطي، تستمد السلطة السياسية شرعيتها من سيادة الشعب، التي تُمارس وفق إجراءات دستورية تضمن حقوق الجميع. قد تتعدد المعتقدات، وتتعارض القناعات، وتتباين البرامج السياسية إلى حد التناقض، لكن المواطنين يظلون متساوين أمام القانون وينتمون إلى مجتمع سياسي واحد.
تحصل الأغلبية المنبثقة عن انتخابات حرة على تفويض الحكم، بينما تحتفظ الأقلية بحقوقها وحرياتها وبفرصة التحول إلى أغلبية في المستقبل. ولا يحق للأغلبية إلغاء الضمانات الدستورية، كما لا يجوز للأقلية أن تتحول إلى سلطة وصاية تتولى المصادقة على اختيارات الشعب.
وهذا تحديداً هو التوازن بين الأغلبية والحريات والتداول على السلطة الذي ننتظر من محسن بلعباس توضيحه.
فالديمقراطية لا تعني تنظيم مؤتمر دائم للمعتقدات والهويات والتوجهات، سعياً إلى تحقيق إجماع مستحيل، بل تعني تمكين المواطنين، رغم اختلاف أفكارهم، من اتخاذ قرارات جماعية، ومساءلة حكامهم، واستبدالهم سلمياً.
ويصبح هذا التساؤل أكثر إلحاحاً عندما نتوقف عند التاريخ السياسي للحزب الذي تولى محسن بلعباس قيادته لفترة طويلة.
سعيد سعدي: عندما طالب المدافع عن التعددية بوقف صناديق الاقتراع
تأسس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في فبراير 1989، حول سعيد سعدي ومناضلين ينتمون، على وجه الخصوص، إلى الحركة الثقافية الأمازيغية. وقدم الحزب نفسه باعتباره تشكيلاً ديمقراطياً وعلمانياً وحداثياً، ومدافعاً عن الحريات الفردية. وجاء تأسيسه في سياق الانفتاح على التعددية الحزبية الذي أعقب أحداث أكتوبر 1988.
وبعد عامين، كشفت تجربة الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991 عن تناقض سيطبع تاريخ الحزب بصورة دائمة.
فقد حققت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهي حزب معتمد قانونياً، فوزاً كبيراً في الدور الأول من الانتخابات التي جرت يوم 26 ديسمبر 1991. وأثارت برامجها وخطاباتها ومواقف عدد من قياداتها مخاوف عميقة بشأن الحريات العامة وحقوق المرأة ومستقبل التعددية. وكانت تلك المخاوف حقيقية، ولا يمكن محوها من صفحات التاريخ.
لكن سعيد سعدي لم يكتفِ بانتقاد المشروع السياسي لخصومه، بل أيد وقف المسار الانتخابي، الذي تقرر في نهاية المطاف في يناير 1992، عقب استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد.
هذه الواقعة موثقة، وقد أعلن سعيد سعدي نفسه تبنيه لهذا الموقف.
ففي تصريح مؤرخ في 4 فبراير 1999، نشره الموقع الرسمي للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، قال:
«في عام 1991، أعلنتُ رسمياً تأييدي لوقف المسار الانتخابي».
ويتميز هذا التصريح بالوضوح، إذ يجنبنا الدخول في تأويلات مطولة بشأن نوايا مؤسس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية. فقد أعلن الرجل موقفه علناً وتحمل مسؤوليته، معتبراً أن منع استمرار الانتخابات كان ضرورة في مواجهة الخطر الإسلامي.
وبالتالي، فإن المسألة التاريخية لا تتعلق بحقيقة موقفه، بل بدلالته السياسية.
لم يكن سعيد سعدي رئيساً للأركان، ولا صاحب سلطة تنفيذية، كما أنه لم يكن يقود الوحدات العسكرية التي شاركت في الانقلاب على المسار المؤسساتي. لكنه كان ينتمي إلى التيار المدني الذي دافع عن وقف الانتخابات وأسهم في توفير تبرير سياسي لهذا القرار.
كانت القوات المسلحة تمتلك وسائل الإكراه والقوة، فيما قدمت شخصيات مدنية لها حجة الدفاع عن الجمهورية وإنقاذها.
وعلى هذا الالتقاء بين السلطة العسكرية والغطاء المدني يستند جزء أساسي من النقاش التاريخي حول أحداث يناير 1992.
وقد أشارت صحيفة «لوموند» الفرنسية إلى موقف سعيد سعدي في نوفمبر 1995، حيث ذكّرت بدعوته إلى وقف المسار الانتخابي ودعمه للمؤسسة العسكرية.
وهكذا، فإن الرجل الذي كرّس نضاله لانتقاد نظام الحزب الواحد، قبل في نهاية المطاف توقيف المنافسة الانتخابية عندما أظهرت نتائجها وجود أغلبية اعتبرها خطراً.
إنه تناقض كبير، ولا يمكن محوه وراء النوايا المعلنة، حتى وإن كانت تلك النوايا نابعة من قلق صادق بشأن الحريات.
جمهورية أنقذها من صادروا السيادة
طرح الانقطاع الذي حدث في يناير 1992 سؤالاً لم يتمكن المدافعون عن وقف الانتخابات من الإجابة عنه بشكل كامل: كيف يمكن حماية الديمقراطية من أعدائها، دون منح مؤسسة غير منتخبة الحق في تحديد النتائج الانتخابية المقبولة؟
لقد كان الخوف من قيام ديكتاتورية إسلامية حجة سياسية جدية، وكان يستدعي ردوداً دستورية وقضائية ومؤسساتية. لكنه لم يكن كافياً، بمفرده، لمنح تدخل الجيش شرعية ديمقراطية.
ويكشف التاريخ اللاحق للجزائر حجم العواقب الوخيمة التي ترتبت على هذا التناقض. فقد أعقب وقف المسار الانتخابي صدام مسلح، وقمع واسع النطاق، واعتداءات، ومجازر، وعمليات اختفاء قسري. وارتكبت الجماعات الإسلامية المسلحة جرائم جسيمة، في حين نُسبت أيضاً انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان إلى قوات الأمن.
ومن غير الموضوعي تاريخياً تحميل قرار واحد أو فاعل سياسي واحد مسؤولية المأساة بأكملها. لكن من المؤكد أن وقف الانتخابات شكّل منعطفاً رئيسياً في الأزمة التي دفعت البلاد نحو الحرب الأهلية.
كان حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بقيادة سعيد سعدي يدافع آنذاك عن جمهورية رأى أن بقاءها يمر عبر تدخل مؤسسة عسكرية لا تخضع هي نفسها للرقابة الديمقراطية.
وهذا التناقض يستحق أكثر من مجرد تبريرات بأثر رجعي، فهو يستدعي التفكير في حدود الشرعية الجمهورية عندما تنفصل عن إرادة الشعب وموافقته.
كما يجدر التذكير بالاختلاف مع جبهة القوى الاشتراكية بقيادة حسين آيت أحمد. فقد عارضت الجبهة المشروع الإسلامي، كما عارضت في الوقت نفسه وقف المسار الانتخابي. واستند موقفها إلى رفض جعل الاختيار بين الاستبداد الديني والوصاية العسكرية الأفق السياسي الوحيد المتاح للبلاد.
وبالتالي، لم يكن الخلاف بين الحزبين مجرد صراع على النفوذ أو تنافس بين شخصيات سياسية، بل تعلق أساساً بموقع الجيش في تحديد مستقبل الجزائر السياسي.
وهذه بالضبط هي المسألة التي لا ينبغي لكتاب محسن بلعباس المرتقب أن يتجاوزها أو يتفاداها.
هل يستطيع محسن بلعباس تجاوز إرث سلفه؟
خلف محسن بلعباس سعيد سعدي على رأس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في مارس 2012، واستمر في قيادة الحزب حتى يونيو 2022. وقد ورث تشكيلاً سياسياً يجمع تاريخه بين نضالات حقيقية من أجل الحريات والاعتراف بالهوية الأمازيغية والتعددية الحزبية، وبين خيارات سياسية لا تزال تثير جدلاً واسعاً.
وشارك التجمع، على وجه الخصوص، في حكومة عبد العزيز بوتفليقة خلال الفترة الممتدة من ديسمبر 1999 إلى مايو 2001. وتذكّرنا هذه التجربة بأن علاقة الحزب بالنظام السياسي الجزائري لا يمكن اختزالها في معارضة دائمة وخارجية لمؤسسات السلطة.
ومن المؤكد أن محسن بلعباس ليس مطالباً بتحمل المسؤولية الشخصية عن كل القرارات التي اتُخذت قبل وصوله إلى قيادة الحزب. لكن سيكون من المستغرب أن يتجاهل مسؤول يريد اليوم التفكير في الشرعية والتعددية والتداول على السلطة هذا الإرث السياسي.
بل إن مشروعه الفكري سيكون أكثر أهمية إذا تناول التناقضات التي يشوب بها الإرث الحزبي الذي ينتمي إليه.
ماذا يعني الاعتراف بسيادة الشعب عندما تختار الأغلبية برنامجاً سياسياً يعارضه المرء جذرياً؟ وما الآليات الدستورية الكفيلة بحماية الحريات دون منح الجيش حق النقض على الانتخابات؟ وكيف يمكن منع الأغلبية من تدمير شروط التداول على السلطة بنفسها، دون تحويل الأقليات السياسية إلى حراس دائمين للإرادة الوطنية؟
لا توجد إجابات بسيطة عن هذه الأسئلة. فهي تتطلب تفكيراً عميقاً في العدالة الدستورية، واستقلالية المؤسسات، والحريات الأساسية، وخضوع الجيش للسلطة المدنية.
والأهم من ذلك، أنها تتطلب ألا تُصمم القواعد الديمقراطية لحماية عائلة سياسية معينة من خصومها، بل لضمان حقوق جميع المواطنين.
ويملك الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الآن فرصة لإظهار الكيفية التي يستجيب بها تصوره للتعددية لهذا المطلب.
العقد الوطني أم العودة إلى الشرعيات المتنافسة؟
يثير العنوان الفرعي للكتاب، «الشرعية والتعددية وإعادة تأسيس العقد الوطني»، تساؤلاً أخيراً.
فقد تعني إعادة تأسيس العقد الوطني إعادة بناء المؤسسات على أساس سيادة الشعب، والمساواة بين المواطنين، والحريات الدستورية. لكن هذا التعبير قد يُستخدم أيضاً للدلالة على مفاوضات بين قوى مختلفة يدّعي كل منها تمثيل مكوّن أساسي من مكونات الأمة.
في الحالة الأولى، تهدف إعادة التأسيس إلى إعادة سلطة القرار إلى المواطنين. أما في الحالة الثانية، فإنها قد تؤدي إلى نقل هذه السلطة إلى ممثلين نصبوا أنفسهم بأنفسهم للتعبير عن توجهات سياسية أو تاريخية أو هوياتية معينة.
لقد عرفت الجزائر بالفعل عواقب نظام تدّعي فيه بعض المؤسسات امتلاك شرعية تفوق شرعية صناديق الاقتراع. فالشرعية الثورية، التي استولت عليها تدريجياً أجهزة السلطة، سمحت لفترة طويلة بتبرير استمرار مراكز القرار نفسها في الحكم.
ولا ينبغي لإعادة التأسيس الديمقراطي أن تستبدل هذه الوصاية بهندسة جديدة من الشرعيات المتنافسة.
إن الاعتراف بالتنوع الثقافي والسياسي لا يعني تفتيت السيادة. فالجزائريون قد يكونون ناطقين بالعربية أو الأمازيغية، مؤمنين أو غير مؤمنين، محافظين أو تقدميين أو ليبراليين، دون أن يفقدوا انتماءهم إلى مجتمع واحد من المواطنين.
ليس على الجمهورية أن تطلب منهم اعتناق معتقد موحد، بل عليها أن تضمن لهم حقوقاً متساوية ومؤسسات مشتركة.
وتبقى المسألة الأساسية مرتبطة بالممارسة الفعلية للسلطة: هل تستطيع أغلبية منتخبة بحرية أن تحكم في إطار حدود الدستور، دون الحاجة إلى الحصول مسبقاً على موافقة مؤسسة عسكرية أو نخبة سياسية أو مجموعة تقدم نفسها باعتبارها حارسة الهوية الوطنية؟
إن هذا التساؤل يمتد عبر تاريخ الجزائر المستقلة بأكمله، ويتجاوز بكثير الاختلافات بين الإسلاميين والديمقراطيين والقوميين والعلمانيين.
قبل الحديث عن المعتقدات، حق الجزائريين في حكم بلدهم
بما أن كتاب محسن بلعباس لم يصدر بعد، فلا يمكن لأي شخص أن يدّعي معرفة خلاصاته بشكل جدي. غير أن عنوانه والتقديم الذي صاحبه يكفيان لفتح نقاش تتجاوز أهميته شخصية المؤلف.
ننتظر أولاً توضيحاً لمصطلح «المعتقدات». ففي بلد غالبية سكانه الساحقة من المسلمين، يحتاج تعبير «المعتقدات المتعددة» إلى تعريف دقيق. فإذا كان يشير إلى القناعات الفلسفية والسياسية، فينبغي تبرير استخدامه. أما إذا كان يقصد مختلف المصادر التاريخية للشرعية، فسيكون من الضروري توضيح كيفية الاعتراف بها دون أن تتحول إلى منافس لسيادة الشعب.
وننتظر ثانياً قراءة نقدية للإرث السياسي للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية. فقد أعلن سعيد سعدي تأييده لوقف المسار الانتخابي خلال الفترة 1991-1992. ولا يمكن محو هذه الواقعة التاريخية بسبب مواقف الحزب اللاحقة المؤيدة للحريات والتداول على السلطة.
وأخيراً، ننتظر إجابة عن السؤال الجوهري: هل يعترف محسن بلعباس اعترافاً كاملاً بحق الأغلبية الانتخابية في الحكم، حتى عندما يتعارض توجهها السياسي مع قناعات التيار الذي ينتمي إليه، شريطة احترام الحقوق الأساسية؟
هذا السؤال لا يطالب الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بالتخلي عن قناعاته، بل يطالبه بتوضيح القواعد المؤسساتية التي يرى ضرورة تطبيقها على الجميع، بصرف النظر عن هوية الفائز.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بحرية الدفاع عن الأفكار، بل تُقاس أيضاً بالقدرة على تقبّل الهزيمة، وحماية حقوق الخصوم، والاعتراف بشرعية حكومة منتخبة بانتظام.
لقد حوّل التاريخ الجزائري، في مناسبات كثيرة، القناعات الخاصة إلى صكوك ملكية للدولة. فالجيش احتج بالثورة، والإسلاميون احتجوا بالدين، وتيارات أخرى احتجت بضرورة إنقاذ الجمهورية. وقد استطاع كل طرف، في مرحلة من مراحل تاريخه، تقديم تصوره الخاص للمصلحة الوطنية باعتباره ضرورة تتجاوز النقاش الديمقراطي.
وتبدأ المشكلة تحديداً عندما يحاول أي معتقد، مهما كان، التحرر من رقابة المواطنين.
يعلن محسن بلعباس رغبته في التفكير في شروط تداول على السلطة لا يؤدي مجدداً إلى أزمة للدولة. ونحن نتقاسم معه هذا الانشغال. غير أن التداول السلمي على السلطة يفترض أن تتوقف الدولة عن كونها ملكاً لمن يحكمون، وألا يتمكن الخاسرون في الانتخابات من اللجوء إلى جهات تحكيم خارج صناديق الاقتراع لمنع خصومهم من ممارسة التفويض الذي حصلوا عليه.
لقد ترك سعيد سعدي للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية إرثاً سياسياً يطبعه هذا التناقض. ويملك خلفه فرصة لدراسته ومناقشته، وربما تقديم نظرية ديمقراطية قادرة على تجاوزه.
وسيكون ذلك إسهاماً أكثر أهمية بكثير من مجرد الاحتفاء بالتعددية.
فالجزائر لا تعاني نقصاً في الخطابات المتعلقة بالديمقراطية. لقد عرفت عقوداً من التصريحات الرسمية حول سيادة الشعب، في الوقت الذي ظلت فيه القرارات الأساسية خاضعة لموازين قوى بعيدة إلى حد كبير عن رقابته.
وقبل أن يشرح لنا محسن بلعباس تعدد معتقدات الجزائريين، يمكنه أن يبدأ بالإجابة عن سؤال أكثر بساطة: لماذا يجد أولئك الذين يدّعون الدفاع عن الشعب صعوبة كبيرة، منذ الاستقلال، في قبول حقه في اختيار حكامه بحرية؟
لقد قدم مؤسس حزبه السابق، في ديسمبر 1991، إجابة تحمّل هو نفسه مسؤوليتها وأعلن تبنيها. وبعد خمسة وثلاثين عاماً، ننتظر من خلفه أن يشرح لنا كيف يمكن منع تكرار مثل هذا التناقض.
يمكن للجزائر أن تضم من المعتقدات والقناعات والتوجهات ما يشاء مواطنوها اعتناقه والتعبير عنه. لكنها لا تحتاج إلا إلى مبدأ واحد للسيادة: أن يكون الشعب مصدر السلطة السياسية، مع احترام حقوق كل فرد وحرياته.
المعتقدات شأن يخص الضمير، والسلطة شأن تحسمه صناديق الاقتراع. أما الجمهورية، فلا ينبغي أن تكون ملكاً للجنرالات، ولا للأحزاب، ولا لمن ينصّبون أنفسهم أوصياء على الديمقراطية.
بقلم خالد بولعزيز على موقع Lanataion.net



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..