بقلم: سيراجي عيسى (Siradji ISSA)

سيظل يوم 26 يوليو 2023 محطة بارزة في التاريخ السياسي للنيجر. ففي ذلك اليوم، أطاح الجنرال عبد الرحمن تياني، قائد الحرس الرئاسي، بدعم من الرئيس السابق، بالمؤسسات الجمهورية واستولى على السلطة، تحت ذريعة حماية الوطن واستعادة الأمن والسيادة الوطنية وصون كرامة الشعب النيجري.

وقد استند خطابه إلى الدعوة إلى القطيعة مع ممارسات الماضي، والتعهد بإحداث تحول سياسي جديد، وهو ما أثار آمالاً وتطلعات كبيرة لدى قطاعات واسعة من الشعب.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات على ذلك الانقلاب المؤسسي، لم يعد الوقت مناسباً للشعارات والوعود والتبريرات المتكررة، بل أصبح وقت تقديم الحصيلة والمساءلة. وعند تقييم هذه الحصيلة بموضوعية ووعي وإحساس بالمسؤولية، يتضح حجم الهوة بين الطموحات التي أعلنها الانقلابيون والواقع اليومي الذي يعيشه النيجريون.

إن أي سلطة تدّعي أنها جاءت لتكون حلاً للمشكلات الوطنية، ينبغي أن تقبل بأن تُقيَّم بناءً على النتائج التي حققتها. غير أن الإجابات المقدمة بشأن القضايا الأساسية، وفي مقدمتها الأمن والاقتصاد والتماسك الوطني والدبلوماسية والحكامة، لا تزال دون المستوى المطلوب إلى حد كبير.

1. الأمن: وعد أساسي يصطدم بواقع مقلق

كان المبرر الأول للانقلاب العسكري هو ضرورة استعادة الأمن وحماية السكان من الجماعات المسلحة الإرهابية. وقد وعد الانقلابيون بإحداث تغيير استراتيجي وتحقيق نتائج سريعة.

لكن السكان لا يزالون يعانون من العواقب المأساوية لانعدام الأمن. فما زالت مناطق تيلابيري وتاهوا وديفا ودوسو تواجه الهجمات المسلحة وعمليات الاختطاف والتهجير القسري وتدمير مصادر العيش.

ووفقاً لبيانات منظمة ACLED التي أوردتها شبكة FEWS NET، ارتفع عدد الحوادث الأمنية بنسبة 29% خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. ولا يزال الوضع في بعض المناطق الحدودية مثيراً للقلق بشكل خاص.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل تعكس عائلات فقدت أبناءها، وقرى هُجرت، وأطفالاً حُرموا من الدراسة، ومزارعين لم يعودوا قادرين على زراعة أراضيهم في ظروف آمنة.

فالسيادة الوطنية لا تُقاس بالشعارات والخطابات وحدها، بل تتجسد أولاً في قدرة الدولة على حماية مواطنيها في جميع أنحاء التراب الوطني.

2. اقتصاد تحت الضغط وسكان يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة

تمثل الوعد الثاني الكبير في استعادة السيادة الاقتصادية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

لكن الأسر النيجيرية لا تزال تواجه أوضاعاً معيشية صعبة، تتسم بضعف الدخل والبطالة ونقص الخدمات الاجتماعية الأساسية. كما يعاني التجار والناقلون وأصحاب المشاريع الصغيرة والمنتجون الزراعيون من حالة عدم اليقين الاقتصادي وصعوبات التمويل والاضطرابات التي تطال مسارات التبادل التجاري.

ولا ينبغي أن تتحول السيادة الاقتصادية إلى مجرد شعار سياسي يُستخدم للتغطية على الصعوبات الاجتماعية. بل يجب أن تنعكس بشكل ملموس في خلق فرص العمل، ودعم المقاولات الوطنية، وضمان الأمن الغذائي، وتوفير آفاق حقيقية أمام الشباب.

3. العزلة الدبلوماسية: السيادة الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى انغلاق

على المستوى الدبلوماسي، شهدت النيجر أيضاً قطيعة عميقة مع محيطها التقليدي. ويشكل انسحابها من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، الذي دخل حيز التنفيذ في 29 يناير 2025، منعطفاً مهماً في تاريخ علاقاتها الإقليمية.

لا يمكن للنيجر أن تحقق ازدهاراً مستداماً من خلال تقليص فضاءات تعاونها. فموقعها الجغرافي كدولة حبيسة يجعل بناء علاقات بناءة مع الدول المجاورة والمنظمات الإقليمية والشركاء الدوليين والمؤسسات المالية أمراً ضرورياً.

إن العزلة الدبلوماسية قد تترتب عليها تكاليف كبيرة، من بينها تراجع ثقة المستثمرين، وإضعاف المبادلات التجارية، وتقليص آليات التعاون، وزيادة الصعوبات التي تواجه السكان الذين تعتمد سبل عيشهم على التنقل والتبادل عبر الحدود.

إن السيادة الحقيقية تعني الدفاع عن المصالح الوطنية، مع القدرة في الوقت نفسه على الحوار والتفاوض وبناء شراكات تحقق المصالح المتبادلة. فهي لا تستوجب الخضوع للآخرين، ولا تعني الدخول في مواجهة دائمة معهم.

4. تراجع الحريات وإضعاف دولة القانون

هناك تناقض أساسي آخر يتعلق بالحريات العامة والمؤسسات الجمهورية.

فحل الأحزاب السياسية، بموجب القرارات التي اتُخذت خلال عام 2025، يمثل تراجعاً مقلقاً للغاية، إذ يحرم المواطنين من جزء أساسي من وسائل التعبير والتنظيم السياسي.

إن حرية الصحافة وحق التظاهر واستقلال القضاء وحماية المعارضين، تشكل جميعها ركائز أساسية لأي جمهورية تحترم نفسها.

فالديمقراطية ليست عائقاً أمام السيادة الوطنية، بل هي أحد مكوناتها الأساسية. والدولة القوية ليست تلك التي تكمم أفواه مواطنيها، بل التي تقبل الاختلاف وتحمي الحريات وتخضع ممارسة السلطة لرقابة المؤسسات.

كما أن استمرار احتجاز الرئيس محمد بازوم وزوجته لفترة طويلة، دون تسوية سياسية وقضائية لوضعيتهما، يعكس بدوره استمرار التساؤلات بشأن مدى احترام الضمانات والمؤسسات القانونية.

5. صورة دولية تضررت بشكل عميق

تأثرت صورة النيجر على الساحة الدولية أيضاً بتداعيات هذه القطيعة السياسية. فبعد أن كانت البلاد تحظى باعتراف مؤسسي قائم على نظامها الدستوري، أصبحت اليوم مرتبطة بمرحلة طويلة من الحكم العسكري الانتقالي والقيود السياسية والغموض المؤسسي.

وتعكس التقييمات الدولية هذا التراجع. فقد صنفت منظمة Freedom House النيجر، في تقريرها لعام 2026، ضمن الدول «غير الحرة»، ومنحتها 27 نقطة من أصل 100.

ولا يسهم هذا الوضع في تعزيز ثقة الشركاء الدوليين أو طمأنة المستثمرين، كما يؤثر في مصداقية الالتزامات الدولية للبلاد.

إن النيجر تستحق صورة أفضل من ذلك. فتاريخها ومواردها الطبيعية وتراثها الثقافي، وقبل كل شيء كفاءات شبابها، تؤهلها لتكون دولة فاعلة تحظى بالاحترام على مستوى القارة الإفريقية.

6. مرحلة انتقالية مطولة دون مبررات ديمقراطية كافية

هنا تحديداً، تبرز إحدى أهم التساؤلات المتعلقة بالوضع المؤسسي في البلاد: إلى متى سيظل الشعب النيجري ينتظر استعادة النظام الديمقراطي الطبيعي؟

إن استمرار العسكريين في إدارة شؤون البلاد لفترة طويلة لا يمكن أن يشكل سياسة عامة في حد ذاته. فالمطلوب هو تحقيق نتائج ملموسة وقابلة للتحقق، وبناء مؤسسات مسؤولة، وتقديم أفق سياسي واضح وذي مصداقية.

ولا يمكن تبرير المرحلة الانتقالية إلى ما لا نهاية بالظروف التي رافقت نشأتها. بل يجب أن تفضي في نهاية المطاف إلى استعادة الشرعية الشعبية.

7. من أجل مخرج جمهوري من الأزمة

أمام هذه الحصيلة، تقع على عاتقنا مسؤولية تقديم بديل جاد يستند إلى المبادئ الجمهورية.

فالنيجر لا تحتاج إلى مواجهة جديدة ولا إلى تصفية حسابات سياسية، بل تحتاج إلى حوار وطني حقيقي، ومصالحة صادقة، ومرحلة انتقالية هادئة تسمح بإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.

ويقتضي ذلك استعادة الحريات العامة، والإفراج عن الأشخاص المحتجزين تعسفياً، وإعادة التعددية السياسية، وفتح مسار توافقي يقود إلى تنظيم انتخابات حرة وشفافة وشاملة.

كما يقتضي أن يقبل الانقلابيون بتحمل المسؤولية السياسية عن حصيلتهم، وأن ينظموا مغادرتهم للسلطة لصالح مؤسسات مدنية شرعية.

إن معارضتنا ليست موجهة ضد الجيش النيجري، ولا ضد المصالح العليا للوطن، بل ضد مصادرة السلطة، وغياب الآفاق الديمقراطية، والفكرة الخطيرة التي تعتبر أن القوة العسكرية يمكن أن تحل بشكل دائم محل الشرعية الشعبية.

فالنيجر ملك لمواطنيها، وليست ملكاً لنظام أو عشيرة أو مؤسسة بعينها.

لقد حان الوقت ليدرك الانقلابيون أن حب الوطن يفرض أحياناً التخلي عن السلطة، بدلاً من التشبث بها على حساب المصلحة العامة.

ويجب على النيجر أن تستعيد استقرارها وتماسكها ومصداقيتها الدولية ونظامها الدستوري. كما ينبغي لها أن تعود إلى نهج الحكم المدني المسؤول، والمؤسسات الشرعية، والديمقراطية التي تحترم جميع التوجهات والحساسيات السياسية.

فلا يمكن لأي عملية إصلاح حقيقية أن تُبنى ضد الشعب، أو من دونه، أو عبر تجاهل تطلعاته.

الوطن أكبر من أولئك الذين يحكمونه. فالسلطة مؤقتة، أما الأمة فباقية. ولا يمكن أن يظل مستقبل النيجر رهينة المصادرة إلى أجل غير مسمى.


سيراجي عيسى (Siradji ISSA)
معارض حازم لكل استيلاء على السلطة عن طريق السلاح.