أحدث الانقلاب العسكري الذي وقع في 26 يوليو 2023، وأطاح بالرئيس محمد بازوم، تغييرًا عميقًا في التوازنات السياسية والدبلوماسية في النيجر. فبعد استيلائهم على السلطة، أدخل الانقلابيون البلاد في مسار لا أفق له، اتسم بقطع العلاقات مع عدد من الشركاء الغربيين التقليديين، وتعزيز العلاقات مع مرتزقة روس وأتراك، ومع بعض دول المنطقة، ولا سيما الجزائر وليبيا.
وبالنسبة إلى أنصار الانقلابيين، ولا سيما المقيمين منهم في الدول الغربية، فإن هذه التحولات تستجيب لضرورة تحقيق السيادة الوطنية وتنويع الشراكات. أما بالنسبة إلى النيجريين، فهي تندرج بالدرجة الأولى ضمن استراتيجية تهدف إلى ترسيخ سلطة المجلس الوطني لحماية الوطن (CNSP) وإبقائه في الحكم، من خلال ضمان الحصول على دعم سياسي واقتصادي وأمني خارجي، في ظل التشكيك في شرعيته.
البحث عن دعم إقليمي جديد
منذ الأسابيع الأولى التي أعقبت الانقلاب على الشرعية الدستورية، وجدت النيجر نفسها أمام ظروف بالغة الصعوبة.
فالعقوبات الاقتصادية التي فرضتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، والتوترات مع عدد من الشركاء الدوليين، والتهديد بالتدخل العسكري الإقليمي، دفعت الانقلابيين إلى البحث سريعًا عن دعم خارجي، ولا سيما من المرتزقة الروس والأتراك.
إشكالية الشرعية المؤسسية
تتمحور إحدى أبرز نقاط الجدل حول شرعية الاتفاقيات والالتزامات التي أبرمها الانقلابيون.
فبالنسبة إلى النيجريين، ينبغي أن تخضع القرارات التي ترهن مستقبل النيجر الاقتصادي أو الأمني أو الدبلوماسي لموافقة مؤسسات منبثقة عن مسار ديمقراطي.
إن غياب برلمان منتخب، وغياب رقابة مؤسسية فعلية، وانعدام النقاش العام، كلها عوامل تقوض بشكل كبير الشرعية السياسية لهذه الالتزامات الكبرى.
الجزائر: شريك استراتيجي أم طرف مهيمن؟
يثير موقف الجزائر بدوره العديد من التساؤلات. فغداة انقلاب 26 يوليو 2023، أدانت الجزائر رسميًا الاستيلاء على السلطة بالقوة، وأكدت مجددًا تمسكها باحترام النظام الدستوري.
غير أن هذا التحول اللافت يثير تساؤلات عديدة بشأن الدوافع الحقيقية وراء هذا التقارب. فهل انتقلت الجزائر من موقف الإدانة المبدئية إلى التعامل مع الأمر الواقع السياسي؟ أم أن الأمر يتعلق برغبتها في الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، حتى وإن تطلب ذلك التعامل مع نظام منبثق عن انقلاب عسكري ومع مرتزقة فاغنر الروس؟
ويأتي تسارع التقارب مع الجزائر في إطار استراتيجية تهدف إلى البحث عن ضمانات سياسية وأمنية من شأنها تعزيز استقرار النظام الانتقالي. كما أن الدعم الجزائري يمنح الانقلابيين في النيجر هامشًا للتحرك الدبلوماسي، بما قد يطيل أمد بقائهم في السلطة.
ليبيا: شريك مثير للجدل بالنسبة إلى السلطات الانتقالية
منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، لا تزال ليبيا تعاني من انقسام سياسي وأمني عميق. فالبلاد تشهد وجود مراكز نفوذ متنافسة، وجماعات مسلحة متعددة، وانقسامات مؤسسية مستمرة، وهي عوامل تغذي حالة مزمنة من عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، يتساءل النيجريون عن جدوى التقارب الذي يسعى الانقلابيون إلى إقامته مع دولة تواجه بدورها تحديات خطيرة على مستوى الحوكمة والأمن. فبالنسبة إليهم، يُعد سعي الانقلابيين إلى الحصول على دعم سياسي أو اقتصادي أو أمني من بلد لا تزال مؤسساته هشة مفارقة يصعب تبريرها.
وينظر النيجريون إلى هذا التوجه باعتباره مساسًا خطيرًا بهيبة الدولة النيجرية وبالتضحيات التي قدمتها قوات الدفاع والأمن على مدى عقود من أجل الحفاظ على وحدة أراضي البلاد. وكان الأجدر بالنيجر إعطاء الأولوية لشراكات تقوم على مؤسسات مستقرة وتتمتع بشرعية كاملة، بدلًا من الانخراط في تحالفات لا تزال فوائدها الاستراتيجية محل جدل.
قضايا الهجرة في قلب النقاش
تُعد الهجرة واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين النيجر والجزائر وليبيا.
فالنيجر تمثل منذ زمن طويل نقطة عبور رئيسية لتدفقات المهاجرين الأفارقة نحو شمال إفريقيا وأوروبا.
وتتعرض السياسات المتعلقة بالهجرة التي تنتهجها الجزائر وطرابلس بانتظام لانتقادات من منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان.
وقد ندد مراقبون بعمليات ترحيل جماعية، فضلًا عن الظروف الصعبة التي يواجهها بعض المهاجرين الأفارقة.
وتغذي هذه القضايا مخاوف شريحة من الرأي العام النيجري.
ويرى البعض أن التعاون مع هذه الدول ينبغي أن يكون مشروطًا بضمانات أكثر صرامة لحماية المواطنين النيجريين والأفارقة.
بين السيادة المعلنة والتساؤلات المستمرة
لا يقتصر النقاش الدائر حاليًا على مجرد مواجهة بين أنصار الانقلابيين ومعارضي أي استيلاء على السلطة بالقوة المسلحة، بل يتعلق أساسًا بشرعية الجهات المخولة باتخاذ قرارات تحدد مستقبل النيجر على المدى البعيد.
من يملك الصلاحية القانونية لإبرام اتفاقيات دولية باسم الشعب النيجري؟
كيف يمكن ضمان الشفافية والرقابة على الالتزامات التي تُتخذ باسم الدولة؟
كيف يمكن التوفيق بين المتطلبات الأمنية وضرورة احترام الشرعية الديمقراطية؟
وما المكانة التي تطمح النيجر إلى احتلالها في المشهد الجيوسياسي الجديد لمنطقة الساحل؟
بالنسبة إلى النيجريين، ينبغي أن تصدر الإجابات عن هذه التساؤلات من مؤسسات منبثقة عن الاقتراع العام، ومن حكومة منتخبة ديمقراطيًا وتحظى بتفويض شعبي واضح، لا من انقلابيين وصلوا إلى السلطة إثر انقلاب عسكري. فالقرارات التي من شأنها التأثير بشكل دائم في سيادة البلاد ومواردها وتوجهاتها الاستراتيجية، يجب أن تكون من اختصاص ممثلين يختارهم الشعب النيجري بحرية.
وسيتوقف إلى حد كبير المسار السياسي والمؤسسي والجيوستراتيجي للنيجر خلال السنوات المقبلة على الكيفية التي ستُحسم بها مسألة الشرعية هذه.
الخلاصة: مسألة الشرعية تظل في صلب الجدل
بعيدًا عن الجدل الدائر بشأن علاقات الانقلابيين بالجزائر وليبيا أو بغيرهما من المرتزقة الدوليين، تظل القضية المحورية هي الحوكمة والشرعية السياسية والسيادة الوطنية.
فمنذ 26 يوليو 2023، لا يزال الوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي يشهد تدهورًا في العديد من مناطق البلاد.
ولا يمكن لأي شريك خارجي، سواء كان دولة مجاورة أو طرفًا أجنبيًا، أن يحل بمفرده التحديات الهيكلية التي تواجهها النيجر. فالاستقرار الدائم يرتكز بالدرجة الأولى على مؤسسات شرعية، وتأييد شعبي، وشفافية في إدارة الشؤون العامة، والعودة إلى نظام دستوري معترف به.
وتظل المسألة الجوهرية مرتبطة بالإطار السياسي الذي ستُتخذ في ظله القرارات المحددة لمستقبل البلاد. فبالنسبة إلى العديد من الفاعلين السياسيين وأعضاء المجتمع المدني، ينبغي أن تكون الخيارات المتعلقة بالأمن والدبلوماسية والتنمية محل نقاش ومصادقة من مؤسسات منبثقة عن انتخابات حرة، وتعكس الإرادة الشعبية.
سيرادجي عيسى (Siradji ISSA)
معارض حازم لكل استيلاء على السلطة عن طريق السلاح.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..