أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض حزمة جديدة من العقوبات تستهدف شبكات تجارة الطائرات المسيرة الإيرانية، في خطوة تؤكد تشديد واشنطن الخناق على انتشار هذا النوع من السلاح الذي بات يشكل تهديدا متزايدا للاستقرار الإقليمي والدولي. ورغم أن القرار ركز بشكل مباشر على أطراف في إيران وفنزويلا، إلا أن تداعياته السياسية والأمنية تتجاوز هذين البلدين، وتفتح الباب مجددا أمام مساءلة أطراف أخرى، من بينها الجزائر، بسبب علاقتها غير المباشرة بملف الدرونات التي أعلنت جبهة البوليساريو امتلاكها.

القرار الأمريكي شمل عشرة أفراد وكيانات متورطة في بيع ونقل طائرات مسيرة ومواد تدخل في صناعة الصواريخ الباليستية، واعتبرت واشنطن أن هذه الأنشطة تساهم في تهديد المصالح الأمريكية وحلفائها، وتغذية بؤر التوتر في مناطق عدة، من الشرق الأوسط إلى البحر الأحمر. اللافت في لهجة البيان الأمريكي هو التأكيد على أن العقوبات لا تقتصر على مسار تجاري محدد، بل تطال كل من يساهم في نشر هذه التكنولوجيا العسكرية خارج الأطر القانونية.

في هذا السياق، يعود إلى الواجهة ملف جبهة البوليساريو، التي سبق أن أعلنت من داخل مخيمات تندوف الواقعة فوق التراب الجزائري امتلاكها لطائرات مسيرة، في سابقة خطيرة حاولت لاحقا التخفيف من وقعها بالقول إن الأمر يتعلق فقط بمهام استطلاعية. غير أن تسجيلات مصورة بثتها الجبهة نفسها أظهرت محاكاة لعمليات هجومية، ما قوّض روايتها، وأعاد طرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذه الأسلحة ومصادرها.

المغرب، من جهته، كان سباقا إلى دق ناقوس الخطر. فقد قدمت الرباط، عبر قنوات رسمية، معطيات موثقة إلى الأمم المتحدة تؤكد حصول البوليساريو على درونات إيرانية الصنع، واستغلال المساعدات الإنسانية الموجهة لسكان المخيمات في اقتناء معدات عسكرية. هذه المعطيات عززت مخاوف المجتمع الدولي من تحول مخيمات تندوف إلى منطقة رمادية خارجة عن الرقابة، تحت مسؤولية مباشرة للدولة الحاضنة، أي الجزائر.

ورغم أن العقوبات الأمريكية لم تذكر الجزائر صراحة، فإن استمرار تواجد جماعة مسلحة غير معترف بها دوليا على أراضيها، وتوفرها على تكنولوجيا عسكرية حساسة، يضع النظام الجزائري في موقع المساءلة السياسية والأخلاقية. فواشنطن، كما تؤكد في بياناتها، تعتمد مبدأ المسؤولية غير المباشرة، ما يعني أن أي دولة توفر بيئة حاضنة أو تغض الطرف عن أنشطة تهدد الاستقرار قد تجد نفسها لاحقا في دائرة الضغط.

الأبعاد الأخلاقية لهذا الملف لا تقل خطورة. ففي الوقت الذي تحذر فيه منظمات أممية من تدهور الأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف، وتطالب البوليساريو بمزيد من الدعم، تكشف الوقائع أن قيادات الجبهة تخصص عشرات آلاف الدولارات لاقتناء طائرات مسيرة، بدل توجيه الموارد المحدودة لتوفير الغذاء والعلاج والتعليم للساكنة المحتجزة.

خلاصة القول إن العقوبات الأمريكية على تجارة الدرونات الإيرانية ليست مجرد إجراء تقني، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن مرحلة التساهل مع انتشار السلاح غير النظامي تقترب من نهايتها. وإذا استمرت الجزائر في لعب دور الراعي الصامت للبوليساريو، فإن السؤال لم يعد إن كانت ستُذكر بالاسم في قرارات دولية قادمة، بل متى وبأي ثمن سياسي ودبلوماسي.

هيئة التحرير / LEMED24