عاد مؤسس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (RCD) إلى الجزائر بعد سبع سنوات قضاها في فرنسا وخمسة مجلدات من المذكرات. نحو ألفين وخمسمائة صفحة لإثبات أن النظام الجزائري سلطوي، وأن بوتفليقة كان يحب السلطة، وأن التاريخ الوطني قد صودر. شكرًا على المعلومة. فالجزائريون، الذين عاشوا كل ذلك من دون لجنة قراءة، لم يكونوا على علم به.

أما فيما يتعلق بالجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS)، فيواصل سعيد سعدي تقديم قناعته الشخصية باعتبارها حقيقة تاريخية: كان يرى أن الجبهة خطيرة، وكان يعتبر أن انتصارها ينبغي منعه. لكن في ديسمبر 1991، كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ حزبًا قانونيًا، مشاركًا في انتخابات قانونية. وهذا الفرق، الذي يكاد يختفي في رواية صاحب المذكرات، يقع في قلب الكارثة التي يزعم اليوم أنه يفسرها.

العودة الكبرى للشاهد الأكبر على نفسه

هناك أولًا مسألة الإخراج. وهي تستحق أن تُقرأ بعناية، لأن الزهور، عند محترفي السياسة، غالبًا ما تتحدث بصدق أكثر من الخطب.

في 31 يوليو، نزل سعيد سعدي من الطائرة في الجزائر. كان في استقباله أوفياء وأنصار. صُوّرت العناقات، والابتسامات المحتجزة، والأيدي المرفوعة. ثم جاءت الرحلة نحو أغريبس، قريته في منطقة القبائل، مع توقف اختير بعناية في أغوني أوشركي، أمام تمثال ديدوش مراد. إكليل من الزهور، صمت مهيب، وجه متجهم: عودة الزعيم السابق للحزب وُضعت تحت الحماية الرمزية لبطل مات في السابعة والعشرين.

الأسلوب معروف. عندما لا يكفي الحاضر لإنتاج العظمة، تُستعار عظمة الموتى.

يملك ديدوش مراد ميزة هائلة: فهو بريء بلا منازع لأنه مات مبكرًا بما يكفي كي لا تتاح له فرصة أن يصبح وزيرًا أو مرشحًا أو حليفًا أو خصمًا أو منشقًا أو عائدًا أو صاحب مذكرات. لن يجيب. لن يعترض على استخدام صورته. ولن يسأل لماذا يبدأ مسؤول سياسي سابق، بعد سبع سنوات قضاها في فرنسا، عودته بخلط مساره الشخصي بالملحمة الوطنية.

في السياسة الجزائرية، لا تضع إكليلًا من الزهور فحسب. بل تشتري قليلًا من الشرعية من المقبرة.

ثم يأتي تفسير السنوات السبع من الغياب. لم تكن، حسب الرواية، «اختيارًا ولا قيدًا»، وإنما «واجب ضرورة» فرضته كتابة المذكرات.

كان لا بد من الجرأة.

«لا اختيار ولا قيد»: إنها عبارة تمثل تحفة في النجارة السياسية. فهي تلغي في الوقت نفسه المسؤولية الشخصية والاضطهاد. سعيد سعدي لم يغادر بمحض إرادته، ولم يُجبر على الرحيل. لم يتخلَّ عن الساحة، ولم يُطرد منها. لقد أطاع ببساطة قوة عليا: مخطوطه.

كانت البلاد آنذاك تعرف الحراك، أكبر حركة شعبية منذ الاستقلال. ملايين الجزائريين كانوا ينزلون إلى الشوارع. مواطنون مجهولون كانوا يواجهون الشرطة، والمنع، والاستدعاءات والاعتقالات. وكان كل يوم جمعة ينتج من الكلام السياسي أكثر مما أنتجته عقود من المؤتمرات الحزبية.

كان الشعب يكتب التاريخ في الشارع؛ وسعيد سعدي كان يكتب دوره في التاريخ في مرسيليا.

كان لا بد، على ما يبدو، من الابتعاد. وفي الجزائر، يُقاس الابتعاد غالبًا بالكيلومترات حتى البحر الأبيض المتوسط. كلما ابتعدت عن المخاطر، اقتربت من الحقيقة. المناضلون الذين يبقون في الداخل مندفعون؛ والذين يغادرون يصبحون مؤرخين. الأولون يتلقون الضربات، والآخرون يدونون الملاحظات.

وبعد سبع سنوات، يعود الرجل إذن بخمسة مجلدات، ولجنة استقبال وإكليل من الزهور. لم يبقَ سوى موسيقى الافتتاح.

ألفان وخمسمائة صفحة لإخبارنا بأن الماء مبلل

عناوين الكتب تحمل نفسًا يليق بالأعمال الكبرى: الحرب كمهد، الفخر كزاد، الكراهية كخصم، السلطة كتحدٍّ، التاريخ كمرآة.

خمس تجريدات، وخمس وعود بالعمق. نتخيل لوحة شاملة، وأسرار دولة، وحوارات ليلية، وقرارات اتُّخذت في مكاتب بلا نوافذ، وأسماء وتواريخ ومسؤوليات.

ففي نهاية المطاف، لم يكن سعيد سعدي مراقبًا يجلس في الصف الأخير. لقد قاد حزبًا لأكثر من عقدين، والتقى رؤساء دول، وتحدث مع جنرالات، وشارك في عدة تحالفات، وترشح للرئاسة، وأرسل وزراء إلى الحكومة.

كان لا بد أن يعرف أشياء.

وماذا يقدم لنا؟

الاستعمار كان وحشيًا. الجيش الفرنسي مارس التعذيب. الاستقلال صودر. بومدين كان سلطويًا. التعريب كان عنيفًا. الربيع الأمازيغي قُمِع. العشرية السوداء كانت مروعة. بوتفليقة كان يحب السلطة. والفساد دمر البلاد.

بعبارة أخرى، خمسة مجلدات لشرح سيرة الجزائريين لهم.

احتاج الأمر إلى سبع سنوات في فرنسا لاكتشاف ما يمكن لأي سائق سيارة أجرة أن يلخصه بين ازدحامين مروريين. وبعد بضعة مجلدات أخرى، سنكتشف ربما أن الصيف حار في الجزائر، وأن الإدارات تغلق أبوابها مبكرًا.

تصبح الحقيقة البديهية هنا نوعًا أدبيًا.

المشكلة ليست أن هذه التأكيدات خاطئة. فهي غالبًا صحيحة. المشكلة أنها معروفة، وقديمة، وموثقة، وقد دفع ثمنها منذ زمن طويل أولئك الذين عاشوها.

لم نكن ننتظر من سعيد سعدي أن يخبرنا بما كان عليه النظام. كنا ننتظر منه أن يشرح ما الذي فعله هو عندما اقترب منه.

كنا نريد الوقائع التي لا يمكن أن يعرفها إلا هو. لكنه يقدم، في الغالب، الأحكام التي يستطيع الجميع إصدارها.

عندما يتعلق الأمر بأخطاء الآخرين، تتكاثر التفاصيل. النوايا معروفة، والدوافع الخفية يعاد تركيبها، والمسؤوليات توزع. لكن عندما تصل الرواية إلى القرارات التي كان صاحبها نفسه طرفًا فيها، يرتفع الضباب في الوقت المناسب.

تصبح الأسماء «قوى». والخيارات «ظروفًا». والتحالفات «ضرورات». وتتحول المسؤولية الشخصية إلى بصيرة مأساوية.

تلك هي ميزة صاحب المذكرات: إنه المتهم الوحيد الذي يختار وثائق القضية، والمدعي العام، وترتيب جلسات المحاكمة.

الكمية هنا لا تضمن العمق. بل تدفنه. فألفان وخمسمائة صفحة يمكن أن تكون أيضًا وسيلة لبناء ضريح حول صمت.

الجبهة الإسلامية للإنقاذ القانونية وخوف سعيد سعدي

هنا تصبح الأمانة التاريخية ضرورية.

في ديسمبر 1991، لم تكن الجبهة الإسلامية للإنقاذ منظمة سرية تخوض تمردًا مسلحًا ضد الدولة. كانت حزبًا معتمدًا قانونيًا من السلطات الجزائرية، ومسموحًا له بتقديم مرشحين والمشاركة في انتخابات منظمة وفق قوانين البلاد.

وكانت قد فازت بالفعل في الانتخابات المحلية في يونيو 1990. وفي الدور الأول من الانتخابات التشريعية في 26 ديسمبر 1991، حققت انتصارًا كبيرًا، وأصبحت في موقع يسمح لها بالحصول على أغلبية برلمانية واسعة.

هذه هي الوقائع.

كان سعيد سعدي والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، إلى جانب فاعلين سياسيين آخرين، يرون أن وصول الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى السلطة يمثل خطرًا جسيمًا. وكانت بعض خطابات قادة الإسلاميين، ورؤيتهم للمجتمع، ومواقفهم من النساء والفنانين والعلمانيين والحريات الفردية، تغذي هذا الخوف.

كان من الممكن أن يكون هذا القلق صادقًا.

لكنه ظل تقييمًا سياسيًا.

لم يحول ذلك الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى حزب غير قانوني. ولم يكن يسمح بالتعامل مع الانتخابات وكأنها لم تُجرَ. كما أنه لم يمنح الجيش حقًا طبيعيًا في تقرير أن الناخبين قد صوتوا بشكل خاطئ.

يمكن انتقاد برنامج الجبهة الإسلامية للإنقاذ بشدة من دون إعادة كتابة وضعها القانوني في ديسمبر 1991.

ويمكن الاعتراض على قادتها من دون مساواة ملايين ناخبيها، بأثر رجعي، بالجماعات المسلحة التي ظهرت أو تطورت لاحقًا.

ويمكن حتى الاعتقاد بأن فوز الجبهة كان يشكل خطرًا على الحريات، مع رفض تحويل هذا الخطر المفترض إلى رخصة دائمة لهيئة الأركان.

المشكلة إذن ليست أن سعيد سعدي كان يخشى الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

المشكلة أنه ساهم في تحويل هذا الخوف إلى حق نقض عسكري.

في مذكراته، يختفي هذا الفرق تقريبًا. تصبح قناعته الشخصية هي الواقع. كانت الجبهة خطيرة لأن سعيد سعدي اعتبرها خطيرة؛ وكان ينبغي وقف الانتخابات لأن سعيد سعدي رأى أن نتيجتها تهدد الجمهورية.

يصبح الشاهد خبيرًا. ويصبح الخبير قاضيًا. والقاضي يصادق بأثر رجعي على خياره الخاص.

يناير 1992: الدبابات كانت بحاجة إلى طبيب نفسي

لا تكمن المساهمة الحقيقية لسعيد سعدي في التاريخ الوطني في المجلدات الخمسة المنشورة فقط. بل تكمن في أيام يناير 1992.

بعد الدور الأول من الانتخابات التشريعية، تحركت اللجنة الوطنية لإنقاذ الجزائر ضد مواصلة المسار الانتخابي. وكان رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية من بين أبرز الوجوه السياسية في هذا المعسكر.

وبعد أيام، غادر الشاذلي بن جديد منصبه. وأُلغي الدور الثاني. وأُنشئ المجلس الأعلى للدولة. ثم حُلّت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وسُجن قادتها، واعتُقل أو احتُجز آلاف من مناضليها أو المتعاطفين معها.

سيكون من السهل أكثر مما ينبغي اختزال سعيد سعدي في دور متفرج قلق عبّر ببساطة عن رأيه.

صحيح أنه لم يكن ضمن هيئة الأركان. ولم يكن يقود الدبابات أو أجهزة الاستخبارات. ولم يكن يوقع الأوامر العسكرية.

لكن قطيعة بهذا الحجم لا تقوم فقط على أولئك الذين يملكون السلاح. إنها تحتاج أيضًا إلى من ينتج مبررها الأخلاقي.

كان الجنرالات يملكون الدبابات. وكانوا بحاجة إلى شهادة مدنية تمنح تدخلهم شرعية ديمقراطية.

وكان سعيد سعدي مؤهلًا تمامًا لأداء هذا الدور: طبيب، علماني، مناضل سابق تعرض للقمع، ومدافع عن الأمازيغية، وفرنكفوني قادر على مخاطبة وسائل الإعلام الدولية. كان يستطيع ترجمة التدخل العسكري إلى عملية إنقاذ للجمهورية.

حيث كان الجيش يقول «أوقفوا المسار»، كان يقول «أنقذوا الديمقراطية».

وحيث كانت الدبابات تفرض ميزان القوة، كانت التغطية المدنية توفر المفردات.

لم يكن إذن مجرد مؤيد خارجي للإلغاء. كان يتحرك داخل الدائرة السياسية المحدودة التي دافعت عن القرار في الفضاء العام ومنحته شرعية مدنية.

لكن يجب أيضًا التمييز بين ما هو موثق وما ليس كذلك. لا توجد هنا أدلة تسمح بالقول إن سعيد سعدي كان يعرف شخصيًا جميع النتائج التي جرى توقعها داخل دوائر السلطة قبل وقف المسار الانتخابي.

وهذا التحفظ لا يعفيه من خياره السياسي نفسه.

كانوا يعرفون مسبقًا ثمن الدم

سيكون من المضلل رواية يناير 1992 كقرار اتُّخذ على عجل من مسؤولين اكتشفوا بعد ذلك، وبشكل مفاجئ تمامًا، حجم الكارثة.

هناك شهادة نشرها معمر فرح بعد سنوات، تفيد بأنه قبل وقف المسار الانتخابي، عُقد اجتماع في وزارة الإعلام حول وقف الانتخابات «القريب والوشيك».

وبحسب هذه الشهادة، جرى آنذاك تداول تقدير يبلغ 60 ألف قتيل.

ويجب هنا التحلي بالدقة: الرقم منقول عن شهادة فرح، ولا يشكل وحده دليلًا على وجود خطة مسبقة تحدد هذا العدد بالضبط. لكنه يثبت عنصرًا سياسيًا بالغ الثقل: احتمال اندلاع مواجهة واسعة وسقوط أعداد هائلة من الضحايا كان مطروحًا قبل اتخاذ القرار.

لم يكن الأمر مجرد حديث تجريدي عن مخاطر عدم الاستقرار. ولم تكن مجرد «اضطرابات» يمكن للجيش أن يضع حدًا لها خلال ثمانٍ وأربعين ساعة.

كانت حرب أهلية محتملة إلى درجة أن كلفتها البشرية كانت مطروحة للنقاش.

ولا تسمح شهادة معمر فرح بالقول إن مجازر الرايس أو بن طلحة أو غيرها كانت مخططة، قريةً بقرية، منذ يناير 1992. لكنها تثبت شيئًا آخر: أن احتمال سقوط عشرات الآلاف من القتلى كان مطروحًا لدى من كانوا يعدون لوقف الانتخابات، من دون أن يكون هذا الاحتمال كافيًا للتراجع.

وهنا تأخذ مسؤولية المؤيدين المدنيين للعملية بعدها الكامل.

لم يكن سعيد سعدي، حسب ما نعرف، حاضرًا في ذلك الاجتماع. ولا توجد وثيقة عامة معروضة هنا تسمح بإسناد معرفته الشخصية برقم 60 ألف قتيل إليه.

لكنه كان ضمن الدائرة السياسية التي طالبت بالوقف، وحشدت لصالحه، ومنحته مبررًا جمهوريًا.

ولذلك لا يمكنه اليوم أن يروي هذا القطع للمسار وكأنه مجرد خطوة دفاعية كانت كل نتائجها غير قابلة للتصور.

كانت للدبابات خارطة طريق. وكان للمتحدثين روايتهم. وكان بعض المسؤولين يعرفون حجم المخاطر البشرية. أما الجزائريون، فكان عليهم دفع ثمن قرارات اتُّخذت باسمهم.

مغالطة الاستدلال بالحرب الأهلية

تحولت الحرب الأهلية لاحقًا إلى الحجة التي تبرر بأثر رجعي إلغاء الانتخابات.

المنطق بسيط: بما أن جماعات إسلامية ارتكبت لاحقًا هجمات واغتيالات ومجازر، فإن ذلك يثبت أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ القانونية في ديسمبر 1991 كان يجب بالضرورة منعها من الوصول إلى البرلمان.

هذا الاستدلال مضلل تاريخيًا.

فهو يستخدم نتائج الإلغاء لإثبات أن الإلغاء كان ضروريًا.

أُلغي المسار الانتخابي. وحُل الحزب الفائز. وسُجن مسؤولوه. واحتُجز آلاف الأشخاص. ودخل جزء من المناضلين العمل السري. وتطورت منظمات مسلحة وارتكبت جرائم مروعة.

ثم استُخدمت هذه الجرائم نفسها كدليل على أن الإلغاء كان استباقيًا وصائبًا.

إنها نبوءة تصنع بنفسها الظروف التي تؤكدها.

وهذا لا يبرئ بأي حال من الأحوال أي جماعة مسلحة. فمرتكبو الهجمات والاغتيالات والمجازر يتحملون المسؤولية الكاملة عن أفعالهم. ولا يمكن لأي قمع، مهما كان ظالمًا، أن يحول قتل المدنيين إلى فعل مشروع.

لكن هذه المسؤولية لا تسمح بإعادة كتابة ديسمبر 1991.

كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ قد فازت في انتخابات.

ولم تكن قد فازت بحرب.

خصومها هم الذين قرروا التعامل مع نتيجتها الانتخابية باعتبارها بداية حرب.

وهذا الفرق جوهري. فبدونه، يصبح ملايين ناخبي الجبهة الإسلامية للإنقاذ مذنبين بأثر رجعي بجرائم ارتكبتها منظمات مسلحة، ويصبح الذين ألغوا أصواتهم أنبياء لكارثة ساهم قرارهم نفسه في فتح الطريق إليها.

ذاكرة دقيقة جدًا لجرائم الآخرين

في روايات سعيد سعدي، تمتلك أعمال العنف التي ارتكبتها الجماعات الإسلامية أسماءً وتواريخ ووجوهًا ومنطقًا ومرتكبين.

أما عنف الدولة، فيحظى بمعالجة أكثر ضبابية.

يصبح الاختفاء القسري ألمًا وطنيًا. والتعذيب انحرافًا. ومخيمات الجنوب ردًا أمنيًا مفرطًا. والإعدامات خارج القانون منطقة رمادية. أما التساؤلات حول بعض المجازر، فتصبح موضوعًا معقدًا يتطلب الحذر.

تتغير دقة الوصف بحسب هوية المذنب.

وهذه إحدى أكثر نتائج عقيدة «الاستئصاليين» ملاءمة: كل جريمة ترتكبها جماعة إسلامية تؤكد التحليل الأولي؛ وكل جريمة ترتكبها الدولة تصبح انحرافًا مؤسفًا داخل استراتيجية تقدم باعتبارها ضرورية.

يُحاكم الإسلاميون على أفعالهم وأقوالهم ونواياهم المفترضة. أما الجيش فيُحاكم على المهمة الجمهورية التي ينسبها إلى نفسه.

لكن الجمهورية لا تصبح بريئة لمجرد أن جلاديها يعلنون أنفسهم علمانيين.

كان يمكن للمذكرات أن تقدم فرصة لفحص تناقض جوهري: كيف انتهى تيار نشأ من النضال ضد الحزب الواحد إلى الاعتراف للعسكريين بالحق في تحديد النتائج الانتخابية المقبولة؟

وكيف تمكن ديمقراطيون من محاربة استبداد محتمل، بينما يعززون استبدادًا قائمًا بالفعل؟

كان ذلك سؤالًا يستحق خمسة مجلدات.

لكنه لا يحصل إلا على مرآة مائلة بعناية.

سانت إيجيديو: عندما كان للسلام عيب واحد هو أنه أفلت من الجنرالات

في عام 1995، اجتمعت عدة قوى سياسية جزائرية في روما برعاية جماعة سانت إيجيديو. حاول كل من جبهة التحرير الوطني، وجبهة القوى الاشتراكية، والجبهة الإسلامية للإنقاذ، والحركة الديمقراطية الجزائرية، وحركة النهضة، وحزب العمال، ومدافعون عن حقوق الإنسان، بناء منصة مشتركة.

كانت المبادرة هشة وقابلة للنقاش ومحفوفة بالمخاطر. فقد جمعت أطرافًا متناقضة بشدة، ودعت خصوصًا إلى رفض العنف والعودة إلى حل سياسي.

لكن كان لها عيب لا يُغتفر: أنها أفلتت من السلطة العسكرية.

رفضها التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية.

يبدو أن السلام لم يكن مقبولًا إلا بشرط أن يديره أولئك الذين يديرون الحرب. فالحل التفاوضي بين القوى السياسية كان يهدد بسحب احتكار الجهاز الأمني لعملية الخروج من الأزمة. ولذلك كان لا بد من إدانته باعتباره استسلامًا أمام الإسلاميين.

بعد بضعة أشهر، نظم النظام انتخابات رئاسية. ودعت الأطراف الموقعة على اتفاق روما إلى المقاطعة. لكن سعيد سعدي ترشح.

حصل على ما يزيد قليلًا على 9% من الأصوات. لم تمكنه هذه النتيجة من الحكم، لكنها منحت الانتخابات ما تحتاج إليه: واجهة تعددية. كان بإمكان ليامين زروال أن يعرض مرشحًا علمانيًا، وإسلاميًا معتدلًا وعدة منافسين على الملصق الانتخابي.

لم يفز سعيد سعدي بالانتخابات.

لقد فاز بمكان في الديكور.

أما السلطة، فقد فازت بالشرعية.

دخول الحكومة لاكتشاف أنها سيئة الحكم

ديسمبر 1999. شكّل عبد العزيز بوتفليقة حكومة «وحدة وطنية». دخل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الحكومة وحصل على حقيبتين وزاريتين.

المشهد يغني عن كل المقالات النظرية.

الحزب الذي حارب الجبهة الإسلامية للإنقاذ باسم رفض الإسلاموية يجلس الآن في حكومة تضم تشكيلات إسلامية. والحركة التي كانت تدين النظام تقبل الانضمام إليه. والزعيم الذي سيشرح لاحقًا الطبيعة الاستبدادية لبوتفليقة يقدم له وزراء.

طبعًا، لا يتعلق الأمر بالتسوية السياسية.

فعند سعيد سعدي، التسوية خطأ يرتكبه الآخرون. وعندما يتعلق الأمر به، تصبح محاولة شجاعة لتغيير النظام «من الداخل».

يبدو أن داخل النظام الجزائري مكان واسع بشكل استثنائي: يدخل إليه عدد كبير من المعارضين لتغييره، حتى يصبح من الصعب التمييز بين من يحاربونه ومن يشغلونه.

ثم جاء الربيع الأسود عام 2001. قُتل ماسينيسا قرماح داخل فرقة للدرك. وانتفضت منطقة القبائل. وأدى القمع إلى سقوط أكثر من مئة قتيل وآلاف الجرحى. عندها غادر التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الحكومة.

كان لا بد أن تصل الرصاصات إلى قلب منطقته السياسية الأساسية حتى يعيد الحزب اكتشاف طبيعة الجهاز الأمني.

المختفون في سنوات التسعينيات لم يكونوا كافين. مخيمات الجنوب لم تكن كافية. التعذيب لم يكن كافيًا.

لكن عندما وصل القمع إلى قلب قاعدته الانتخابية، أصبح الغضب أخيرًا غير متوافق مع حقيبتين وزاريتين.

لن نقول إن سعيد سعدي لم يكن واعيًا.

كان وعيه يملك ببساطة دائرة انتخابية.

الجزائر تشرح لباريس، بسعر المكتبة

تُستخدم تهمة الولاء للخارج غالبًا في الجزائر بطريقة كسولة. يكفي أن تتحدث الفرنسية، أو تعيش في فرنسا، أو تنشر في باريس، حتى تتحول إلى عميل لقوة غامضة.

لكن مشكلة سعيد سعدي أكثر بساطة وأكثر سياسية.

خمسة مجلدات مكتوبة بالفرنسية. إقامة طويلة في فرنسا. توزيع يستهدف بدرجة كبيرة الجمهور الأوروبي وأمريكا الشمالية. وخطاب يخاطب بصورة متكررة المسؤولين الفرنسيين والاشتراكيين والمثقفين الأوروبيين.

لا يخون سعيد سعدي الجزائر بالضرورة عندما يخاطب الفرنسيين. لكنه يكشف، قبل كل شيء، لمن يمنح سلطة فهم مصير الجزائر وتقييمه، وربما تصحيحه.

تحتفظ المقاربة بجغرافيا ذهنية مألوفة: الجزائر تعاني، وباريس مخطئة، وعلى صاحب المذكرات المستنير أن يشرح لباريس كيف ينبغي أن تفهم الجزائر.

يصبح الشعب الجزائري موضوع الرواية.

ويصبح القارئ الأوروبي جمهورها المفضل.

الأمر لا يتعلق بالتجسس.

إنه شيء أكثر اعتيادية بكثير: القناعة القديمة بأن الاعتراف الحقيقي يأتي من الضفة الأخرى.

النظام يُدان بالفرنسية، والكتب تُنشر في باريس وتباع في عدة مجلدات.

المعارضة تصبح منتجًا للتصدير.

الزعيم ضد الزعامية

ترأس سعيد سعدي التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية لمدة ثلاثة وعشرين عامًا.

ثلاثة وعشرون عامًا على رأس حزب كان يقدّم نفسه باعتباره حديثًا وديمقراطيًا ومعاديًا لعبادة الزعيم. إنها مظاهرة رائعة للتعددية، بشرط أن نعتبر التعددية هي تغيير الأعضاء المحيطين برئيس دائم.

خلال هذه الفترة، عاب على حسين آيت أحمد مكانته الشخصية، وعلى فرحات مهني طموحاته، وعلى كوادره انشقاقاتهم، وعلى النظام عجزه عن تجديد نخبه.

التجديد، مثل الديمقراطية، كان على ما يبدو فكرة ممتازة للآخرين.

رحل مساعدوه واحدًا تلو الآخر. بعضهم التحق بالسلطة التي كانوا يدينونها. وآخرون بنوا أجهزتهم الخاصة. وانكمش الحزب وانقسم وتحول إلى قوة إقليمية.

الرجل الذي لم ينجح في تحويل حزبه إلى قوة وطنية يشرح الآن لماذا فشلت البلاد بأكملها في تحقيق ديمقراطيتها.

ربما كان ينبغي البدء بمؤتمر مفتوح فعلًا.

كان يمكن أن يكون التناقض باعثًا على التعاطف لولا أنه يلخص مرضًا سياسيًا جزائريًا: كل زعيم يحارب الزعامية من فوق منصته الخاصة.

المرآة والقاضي والمتهم

يحمل المجلد الأخير عنوان التاريخ كمرآة. والعنوان أدق مما يتصور صاحبه.

المرآة لا تعرض التاريخ.

إنها تعرض من يقف أمامها.

تُظهر المجلدات الخمسة سعيد سعدي من أفضل زاوية ممكنة: كان أكثر بصيرة من الجميع، وشجاعًا ضد الجميع، وسوء فهمه حلفاؤه، وخانه مساعدوه، وهاجمه الإسلاميون، وتلاعبت به السلطة، وأساءت فرنسا تقديره، ثم جاءت الأحداث لتؤكد صحة رؤيته.

يا له من وجود مرهق: أن تكون دائمًا على حق في بلد يصر على عدم طاعتك.

الخصوم ماتوا، أو ابتعدوا، أو صمتوا. بوضياف لن يجيب. وآيت أحمد لن يصحح. وماتوب لوناس لن يعترض على أي تفسير. والضحايا المجهولون لا يملكون خمسة مجلدات. والمختفون ليس لديهم ناشر. والعائلات التي لا تزال تبحث عن الحقيقة لا تملك الجهاز النقدي نفسه.

المحاكمة منظمة على نحو مثالي: المتهم يقدم الأرشيف، ويختار الشهود، ويدير الاستجواب، ويلقي المرافعة، ويكتب الحكم.

ثم يسمي ذلك تاريخًا.

ما ينقص المرآة هو بالضبط ما كان يمكن أن يجعلها مفيدة: الاعتراف بالشك، وفحص الأخطاء، والإقرار بأن الإنسان يمكن أن يساهم في كارثة وهو يعتقد أنه يتجنبها.

ما كان سيرفع من شأن أي فاعل سياسي أكثر هو القدرة على القول:

لقد اعتبرنا الجبهة الإسلامية للإنقاذ خطرًا. ودعمنا وقف مسار انتخابي كانت تشارك فيه بصورة قانونية. وأخطأنا في تقدير عواقب هذا القرار. ومنحنا السلطة العسكرية شرعية استخدمتها لاحقًا ضد المجتمع بأسره.

لكن نقد الذات هو المنفى الوحيد الذي لا يبدو أن سعيد سعدي مستعد لخوضه.

عودة إلى بلد صامت أخيرًا

يعود سعيد سعدي إلى جزائر مختلفة جذريًا عن تلك التي غادرها.

لقد خُنق الحراك. واختفت المسيرات. وسُجن صحفيون أو دُفعوا إلى المنفى. وأُغلقت وسائل إعلام. وضعفت الأحزاب. وأصبحت الكلمة العامة تحت المراقبة. واستعاد الجيش مركزية مباشرة كان الحراك الشعبي قد تحداها.

اللحظة إذن تكاد تكون مثالية لعودة الوجوه القديمة.

عندما ينتج المجتمع أصواتًا جديدة، يخاطر القادة القدامى بأن يصبحوا بلا فائدة. وعندما تُسكت تلك الأصوات، يصبح المحاربون القدامى مقبولين من جديد.

إنهم معروفون، ويمكن توقع مواقفهم، ومعتادون على القواعد، وقادرون على انتقاد النظام من دون أن يطعنوا بالضرورة في البنية التي تسنده.

يعود سعيد سعدي إذن إلى مشهد سياسي تخلص من منافسة الشعب.

يمكنه أن يروي 1992 دون أن يقاطعه 2019.

يمكنه أن يقدم نفسه باعتباره شخصية من شخصيات الحرية في بلد يملك من يطالبون بها اليوم عددًا أقل من المنابر والحماية وإمكانيات العودة.

هذه العودة ليست بالضرورة نتيجة اتفاق سري. ولا تحتاج إلى أن تكون كذلك. ففي نظام مغلق إلى هذا الحد، فإن مجرد السماح لبعض الأشخاص بما يُمنع عن آخرين يشكل بحد ذاته رسالة.

السلطة تعرف كيف تتعرف على المعارضين الذين تستطيع تحملهم.

وغالبًا ما يكون هؤلاء هم الذين تنتمي جذريتهم إلى الماضي.

سبع سنوات، خمسة مجلدات وحذف مركزي واحد

يطلب سعيد سعدي أن يُحاكم باعتباره شاهدًا على التاريخ.

فلنحاكم إذن شهادته.

سبع سنوات من الغياب في الوقت الذي كانت فيه البلاد تعيش أكبر حركة شعبية منذ الاستقلال. خمسة مجلدات لإعادة قول حقائق معروفة. شرح طويل للخطر الذي كانت تمثله الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بحسب رأيه. إدانة متأخرة للاستبداد العسكري. مشاركة في حكومة بوتفليقة. ترشح ساهم في منح انتخابات 1995 واجهة تعددية. ورفض لمنصة سانت إيجيديو.

وفوق كل ذلك، يناير 1992: اللحظة التي تحولت فيها قناعة سياسية إلى دعم لوقف مسار انتخابي.

كل ما عدا ذلك قابل للنقاش.

كان بإمكان سعيد سعدي أن يخشى بصدق برنامج الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وكان بإمكانه الدفاع عن العلمانية. وكان يمكن أن تكون لديه أسباب وجيهة للقلق على مصير النساء والفنانين والحريات في ظل حكومة إسلامية. وكان يمكن أن يكون شجاعًا في مواجهة الحزب الواحد، وأن يكون قد تعرض لحملات تشويه.

لا ينبغي محو أي من هذه الحقائق.

لكنها لا تسمح، في المقابل، بتقديم الجبهة الإسلامية للإنقاذ القانونية في ديسمبر 1991، بأثر رجعي، باعتبارها منظمة كان استبعادها أمرًا بديهيًا.

ولا تسمح كذلك بخلط جميع ناخبيها بالجماعات المسلحة التي ظهرت خلال الحرب.

المشكلة ليست أن سعيد سعدي كان يمكن أن يخطئ.

كل مسؤول سياسي يخطئ.

المشكلة هي أنه بعد ألفين وخمسمائة صفحة، يبدو أنه لا يزال مصممًا على تقديم خوفه باعتباره دليلًا، وخياره باعتباره ضرورة، وتقييمه باعتباره الحكم النهائي للتاريخ.

أراد أن يقدم مرآة للجزائر.

فأنتج صورة ذاتية.

أراد أن يقدم الحقيقة.

فقدم دفاعه.

أراد أن يشرح التاريخ.

فأظهر، قبل كل شيء، كيف يستطيع فاعل سياسي أن يمضي سبع سنوات في إعادة ترتيب الماضي بطريقة تجعل صورته الخاصة لا تلقي أي ظل.

يمكن اختصار الحصيلة في كلمات قليلة: غادر سعيد سعدي في اللحظة التي بدأ فيها الجزائريون استعادة صوتهم. ويعود عندما أُعيد الصمت. وبين الرحيل والعودة، كتب خمسة كتب ليشرح أن النظام سلطوي، وأن الجبهة الإسلامية للإنقاذ كانت، بحسب رأيه، خطيرة، وأنه كان على حق.

كنا نعرف الجملة الأولى أصلًا.

والثانية كانت رأيه.

أما الثالثة، فلا يستطيع حسمها الرجل الوحيد الذي يطلب أن يُعلن منتصرًا فيها.

بقلم خالد بوالعزيز على Lanation.net