لا ينهار بلد في يوم واحد. بل ينهار بالتراكم، إحصائيةً بعد إحصائية، إلى أن يتحول مجموعها إلى لائحة اتهام لا يعود بإمكان أي بيان رسمي نزع فتيلها. سيبقى صيف 2026 ذلك الصيف الذي قدمت فيه الجزائر، بالأرقام والأدلة، الحصيلة الكاملة لسلطة تحكم من دون أن تقدم حساباً لأحد: انتخابات هجرها الناخبون، وموجتان قاتلتان من الحرائق، وأحد عشر طفلاً ومربياً احترقوا داخل مؤسسة تابعة للدولة، و57 قتيلاً على الطرقات خلال أسبوع واحد، وعشرات الغرقى، وحراقة ابتلعهم البحر، وانقطاعات للماء والكهرباء في ذروة موجة الحر، ولم يكن الرد سوى الصمت عن القتلى، والتلويح بعقوبة الإعدام ضد أكباش الفداء، وإشغال الشاشة بجدل حول فنان وحفلة.

الحكم الأول صدر من صناديق الاقتراع… أو من عزوف الناخبين عنها

في الانتخابات التشريعية التي جرت في 2 يوليو 2026، لم تتجاوز نسبة المشاركة النهائية 21.24% داخل البلاد، و10.75% في صفوف الجالية. أي أن نحو أربعة ناخبين من أصل خمسة قاطعوا، عملياً، اقتراعاً كانت نسبة المشاركة فيه قد تراجعت أصلاً عن نسبة 23% المسجلة سنة 2021، لتصبح بذلك أكبر نسبة عزوف عن التصويت في تاريخ الحياة السياسية الجزائرية.

أحصت الطغمة العسكرية-الأمنية مقاعدها، واحتفلت بـ«خريطتها السياسية الجديدة»، ثم أغلقت الملف من دون أن تتساءل ولو للحظة عما يقوله هذا الرقم عن شرعيتها الحقيقية. فالسلطة التنفيذية الدمية لا تتساءل عن غياب التفويض الشعبي لها؛ بل تواصل الحكم وكأن شيئاً لم يحدث.

صيف 2026: النيران تكلمت، مرتين

أفادت حصيلة أولية، أُعلنت في 21 يوليو، بمقتل ستة أشخاص، واندلاع 154 حريقاً خلال 24 ساعة، وإخماد 913 بؤرة منذ 8 يوليو. لكن ذلك لم يكن سوى مقدمة.

فبين 26 و30 أغسطس، ضربت البلاد موجة ثانية، أكثر فتكاً بكثير: إذ بلغ عدد الحرائق النشطة 174 حريقاً في يوم واحد، وسُجلت 12 وفاة إضافية و54 جريحاً؛ خمسة في جيجل، وأربعة في بجاية، وثلاثة في تيزي وزو، من بينهم طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات. وبذلك بلغت الحصيلة التراكمية للصيف 18 قتيلاً وفق الأرقام الرسمية المعترف بها.

لكن عبارة «المعترف بهم رسمياً» هي الأهم. فمنذ ليلة 26 إلى 27 أغسطس، تاريخ آخر حصيلة رقمية، لم تقدم الدولة الجزائرية أي إحصاء جديد لعدد القتلى، رغم استمرار الحرائق لعدة أيام أخرى.

ومع ذلك، تواصل الإدارة إحصاء كل شيء بدقة متناهية: عدد البؤر النشطة، والهكتارات التي تمت مراقبتها، والطائرات التي جرى حشدها. أما بالنسبة للنعوش، فالصمت مطبق.

وهذا الفراغ لم يبقَ فارغاً طويلاً. ففي غياب رقم رسمي، انتشرت الشائعات، فتحدثت أرقام متعاقبة عن 151 قتيلاً، ثم عن ما يصل إلى 500 قتيل، من دون أن تؤكد أي جهة رسمية هذه الأرقام أو تنفيها.

فالسلطة التي ترفض إحصاء قتلاها تفرض على عائلاتهم عقوبة مزدوجة: الحداد، ثم حالة من عدم اليقين المنظم.

وأمام هذا الإصرار على معرفة الحقيقة، لم تختر الطغمة الحاكمة الشفافية، بل اختارت الاستعراض العقابي.

ففي 30 أغسطس، أمر الرئيس التنفيذي الدمية لنظام تُتخذ القرارات فيه من مكان آخر، بتعديل قانون العقوبات لإدراج عقوبة الإعدام بحق مشعلي الحرائق، ومنح وزارة العدل مهلة إلى غاية 15 سبتمبر لصياغة النص، في بلد يخضع عملياً لوقف تنفيذ أحكام الإعدام منذ سنة 1993.

إعلان عقوبة الإعدام أمر يمكن رؤيته وسماعه؛ أما نشر حصيلة القتلى فهو أمر يرتب مسؤولية. وقد اختار النظام ما يمكن رؤيته.

وفي الأثناء، وجد الفضاء العام الجزائري نفسه منشغلاً بجدل لصرف الانتباه، تمثل في controversy وطنية أشعلتها حفلة مغنٍ في الرباط، بينما اختفى من الشاشات نقاش أكثر إلحاحاً بكثير: العدد الحقيقي للقتلى.

وفي 29 أغسطس، زار رئيس الدولة مركز الحروق الكبرى في زرالدة، وقال: «هناك فعل إجرامي، والتحقيقات ستكشف كل شيء».

إنه رد الفعل المعتاد لهذا النظام: الحديث عن «أيادٍ إجرامية» بدلاً من نشر حقيقة وسائل الوقاية المتوفرة، أو حصيلة حملات إزالة الأعشاب والأحراش، أو نتائج التحقيقات التي جرت خلال صيف السنوات السابقة.

أما الوسائل التي تم حشدها — طائرتان من طراز Beriev Be-200، وأربع طائرات AT-802، ومروحيات Mi-26، وثلاثة آلاف عنصر جرى تجنيدهم — فقد كانت حقيقية؛ غير أن الجزائر لا تزال لا تمتلك أي طائرة Canadair.

وفي 30 أغسطس، أعلنت الحماية المدنية «السيطرة التامة» على الوضع. لكن لا مساحة الغابات التي احترقت، ولا حجم الخسائر المادية، ولا نتائج التحقيقات التي وُعد بها، تم نشرها حتى الآن.

بين موجتي النيران، أحرقت الدولة أطفالها هي أيضاً.

في فجر 16 يوليو، اندلع حريق في مؤسسة الطفولة المسعفة بالمحمدية في الجزائر العاصمة، وأسفر عن 11 قتيلاً و19 جريحاً، وكانت من بين الضحايا مربية تبلغ من العمر 52 عاماً.

وأشارت مصالح الأمن الوطني إلى أن شرارة كهربائية صادرة عن جهاز تكييف كانت وراء الحريق.

لكن الشرارة وحدها لا تفسر حجم هذه الحصيلة: أجهزة إنذار معطلة، ومخارج مغلقة، ونقص في عدد الموظفين، وعدم احترام للمعايير. وفي كل نقطة من هذه النقاط، لم تُقدم أي إجابة علنية.

وبينما كانت نعوش هؤلاء الأطفال الذين أُودعوا لدى الدولة تُوارى الثرى، كان الرئيس في زيارة رسمية إلى برلين.

الطريق أيضاً رفعت لائحة اتهامها

بين 12 و18 يوليو، لقي 57 شخصاً حتفهم وأصيب 2183 آخرون في 2582 حادث مرور عبر مختلف أنحاء البلاد.

57 قتيلاً خلال سبعة أيام، مجزرة مرورية عوملت وكأنها مجرد خبر من أخبار الحوادث، وليس حالة طوارئ صحية عامة تستوجب فحص حالة الطرقات، والإشارات المرورية، والمراقبة التقنية للمركبات، ووسائل النقل الجماعي.

إن إرجاع الأمر برمته إلى تهور السائقين يسمح، مرة أخرى، بتجنب السؤال المزعج: ما هي الحالة الحقيقية للبنية التحتية التي تديرها هذه السلطة منذ عقود؟

أما الماء، فقد ابتلع هو الآخر

في بداية يوليو، كانت الحماية المدنية قد أحصت بالفعل ما لا يقل عن 40 حالة وفاة غرقاً منذ بداية الموسم، رغم حشد أكثر من عشرة آلاف عنصر على الشواطئ؛ وهي أعداد غير كافية في المناطق التي تبقى فيها الشواطئ المراقبة بعيدة أو مكتظة أو غير متاحة للفئات الأكثر فقراً.

والبحر ابتلع أرواحاً أخرى أيضاً.

ففي 15 يونيو، قبالة سواحل شرشال، غرقت قارب لحراقة كان على متنه 16 جزائرياً، ما أسفر عن مقتل شخصين، وفقدان سبعة، ونجاة سبعة آخرين.

كل قارب يبحر نحو البحر هو بمثابة ورقة اقتراع بلا صندوق: صوت شباب يفضلون المخاطرة بحياتهم في البحر المتوسط على انتظار مستقبل لا توفره لهم الطغمة الحاكمة.

حتى ماء الصنبور والتيار الكهربائي تحولا إلى محنتين

في 10 يوليو، أدى انخفاض الإنتاج في محطة تحلية مياه البحر «فوكة 2» إلى انقطاع مياه الشرب عن عدة بلديات في غرب الجزائر العاصمة، وذلك في ذروة موجة الحر.

وفي ليلة 14 إلى 15 يوليو، أدى عطل في سيدي عقبة بولاية بسكرة إلى إغراق عدة ولايات في الظلام.

ووصف رئيس الوزراء سرعة إعادة التيار بأنها «فخر وطني»، محولاً عطلاً هيكلياً إلى إنجاز دعائي، من دون أن ينشر أبداً التقرير التقني الذي يفترض أن يصاحب عطلاً بهذا الحجم.

أما الهيئات المفترض أن تسهر على أمن الجزائريين، فقد ظلت، في معظمها، صامتة.

اجتمع مجلس الوزراء بالفعل يوم 12 يوليو لمناقشة الخدمات الرقمية، والتعاون مع النيجر وتشاد، والشركات الناشئة، والموسم السياحي.

أما المجلس الأعلى للأمن، فلم يجتمع علناً منذ 11 يونيو.

وأمام تراكم الوفيات والانقطاعات والحوادث، لم يُعلن عن أي اجتماع أزمة، ولا عن أي استجابة شاملة وقابلة للتحقق.

ويبدو أن هذا المجلس لا يتحرك إلا عندما ترى الطغمة العسكرية-الأمنية أن سلطتها هي مهددة، وليس عندما يموت الجزائريون.

هذه هي الوقائع، مدعومة بالأرقام، وليست مجرد انطباعات:

21.24% نسبة المشاركة في الانتخابات، 18 قتيلاً في الحرائق وفق الحصيلة الرسمية المتوقفة منذ 26 أغسطس، 11 قتيلاً في مركز للأطفال، 57 قتيلاً على الطرقات خلال أسبوع واحد، 40 غريقاً على الأقل، وحراقة ابتلعهم البحر، وعطلان كبيران في خدمات أساسية.

لا يعترض النظام نفسه على أي من هذه الأرقام؛ وإنما يرفض تحمل مسؤولية تراكمها، والصمت المنظم الذي يحيط بها.

يمكن لنظام ما أن يصمد طويلاً أمام العزوف الانتخابي والحرائق ونقص الموارد إذا كان يسيطر على المعلومات ويحوّل كل عملية إصلاح إلى «نصر وطني».

لكنه لا يستطيع إلى ما لا نهاية أن يدعي أن كل هذه الانهيارات منفصلة، وعرضية، وخارجة عن مسؤوليته.

فالطغمة العسكرية-الأمنية التي تحكم البلاد فعلياً، عبر سلطة تنفيذية ليست سوى واجهة لها، اختارت هذا الصيف أن ترد على كل مأساة بالثلاثية نفسها:

إحصاء ما يخدمها، وإخفاء ما يدينها، ومعاقبة الآخرين بدلاً من تقديم الحساب.

الجزائر لا تفتقر إلى الموارد، ولا إلى الكفاءات، ولا إلى شجاعة شعبها. فقد أثبت رجال الإطفاء والمسعفون والأطباء خلال صيف 2026 ذلك بما يكفي.

إنما ما تفتقر إليه هو مؤسسات تُجبر على تقديم الحساب عن قراراتها أمام المواطنين الذين تدعي أنها تخدمهم.

ما احترق في صيف 2026 ليس الغابة فقط، بل آخر رصيد من الثقة في سلطة لا تزال تطالب بثقة شعب ترفض حتى إحصاء موتاه.

الأمة الجزائرية في خطر الموت.

بقلم خالد بوالعزيز على Lanation.net