في واحدة من أخطر القضايا الصحية التي تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول العدالة الطبية في العالم، كشف تحقيق استقصائي دولي جديد للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين International Consortium of Investigative Journalists، الوجه الخفي لأسعار أدوية السرطان، مسلطاً الضوء على دواء “كيترودا” (Keytruda)، الذي تنتجه شركة Merck & Co. الأمريكية، باعتباره نموذجاً صارخاً لتحول العلاج إلى تجارة تدر مليارات الدولارات على حساب معاناة المرضى.
التحقيق، الذي يحمل عنوان “Cancer Calculus”، تحول إلى محور نقاش دولي واسع يرتقب تنظيمه يوم الاثنين 18 ماي 2026، وسط تصاعد الانتقادات الموجهة إلى شركات الأدوية العملاقة التي باتت تتحكم في مصير ملايين المصابين بالسرطان عبر العالم، عبر سياسات تسعير توصف بأنها “قاسية وغير إنسانية”.
ويكشف التحقيق الاستقصائي أن دواء “كيترودا”، الذي يعد من أشهر العلاجات المناعية المضادة للسرطان وأكثرها استخداماً عالمياً، لم يعد مجرد ابتكار طبي أنقذ حياة آلاف المرضى، بل أصبح رمزاً للصراع المحتدم بين منطق الربح التجاري وحق الإنسان في العلاج.
وبحسب المعطيات التي سيقدمها صحافيون وخبراء اقتصاد الصحة المشاركون في الندوة، فإن أسعار هذا الدواء تشهد تفاوتات ضخمة بين الدول، بينما يجد ملايين المرضى أنفسهم عاجزين عن الوصول إليه بسبب تكلفته الباهظة، خاصة في الدول الفقيرة أو تلك التي تعاني أنظمتها الصحية من أزمات مالية خانقة وضعف في تغطية العلاجات المكلفة.
التحقيق المرتقب لا يكتفي بعرض الأرقام والمعطيات الاقتصادية، بل يغوص في الكواليس المعقدة التي تتحكم في صناعة الأدوية العالمية، بداية من استراتيجيات التسويق والاحتكار، وصولاً إلى آليات تحديد الأسعار التي تضع الأرباح فوق الاعتبارات الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لإصلاح منظومة تسعير الأدوية وإنهاء هيمنة شركات “البيغ فارما” على القطاع الصحي العالمي.
ومن المنتظر أن يشارك في النقاش الصحافي الاستقصائي Sydney Freedberg، أحد أبرز صحافيي ICIJ والمساهم في مشاريع حصدت جائزة بوليتزر، إلى جانب الخبير الاقتصادي وعالم البيانات Bill Pajarowski، المختص في اقتصاد الصحة وتحليل سياسات التسعير الدوائي، بينما تتولى الصحافية Carmen Molina Acosta إدارة الحوار.
ويرى متابعون أن هذا التحقيق قد يعيد إشعال النقاش العالمي حول أخلاقيات صناعة الأدوية، خاصة مع تزايد الاتهامات الموجهة إلى الشركات العملاقة بتحويل الأمراض الخطيرة إلى أسواق استثمارية ضخمة تحقق من خلالها أرباحاً قياسية، بينما يواجه المرضى وعائلاتهم معارك يومية قاسية من أجل الحصول على جرعات علاج قد تحدد مصير حياتهم.
كما يسلط التحقيق الضوء على التفاوت الصادم بين الدول الغنية والفقيرة في الولوج إلى العلاجات الحديثة، وهو ما يعمق الهوة الصحية العالمية ويجعل فرص النجاة من السرطان مرتبطة بالقدرة المالية أكثر من ارتباطها بحقوق الإنسان الأساسية.
وفي ظل هذا الواقع المثير للجدل، يطرح تحقيق ICIJ سؤالاً أخلاقياً وإنسانياً بالغ الحساسية:
هل تحول علاج السرطان إلى امتياز محصور بالأثرياء والدول الغنية، أم أن العالم لا يزال قادراً على فرض نموذج صحي أكثر عدالة يضمن الحق في العلاج لجميع البشر دون تمييز؟
ويبقى المؤكد أن ملف أسعار أدوية السرطان لم يعد قضية طبية فقط، بل تحول إلى معركة عالمية مفتوحة بين منطق الإنسانية ومنطق الأرباح.
بقلم: ذ. عبد الإله انقير



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..