تجد الجزائر نفسها اليوم في قلب عاصفة سياسية ودبلوماسية جديدة، بعد أن أعادت تصريحات مسؤولين أمريكيين كبار إلى الواجهة ملف صفقات السلاح الروسية التي يواصل النظام العسكري في الجزائر إبرامها، رغم التحذيرات المتكررة من العواقب الدولية المحتملة. هذه الصفقات، وعلى رأسها اقتناء مقاتلات روسية من الجيل الخامس، لم تعد شأنا تقنيا أو عسكريا داخليا، بل تحولت إلى ملف حساس يهدد بعزل الجزائر دوليا وإدخالها في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.

في جلسات استماع متتالية داخل مجلس الشيوخ الأمريكي، أعرب مسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية عن قلقهم مما وصفوه بالتحركات العسكرية “المقلقة” للجزائر، مشيرين إلى أن شراء مقاتلات روسية وإجراء مفاوضات لتوسيع هذا التعاون قد يفتح الباب أمام تفعيل قانون “كاتسا”، وهو القانون الذي يسمح لواشنطن بفرض عقوبات على الدول التي تتعامل عسكريا مع خصومها الاستراتيجيين، وعلى رأسهم روسيا.

هذا التحذير لم يأت من فراغ، بل جاء في سياق سياسي حساس، حيث تحاول الولايات المتحدة عزل موسكو دوليا بسبب الحرب في أوكرانيا، وتعتبر أن استمرار بعض الدول في شراء السلاح الروسي يشكل دعما مباشرا للاقتصاد الحربي الروسي. وفي هذا الإطار، ينظر صناع القرار في واشنطن إلى الجزائر باعتبارها واحدة من أبرز زبائن السلاح الروسي في العالم، ما يجعلها تحت مجهر العقوبات المحتملة.

اللافت أن هذه التحذيرات صدرت داخل أعلى المؤسسات التشريعية الأمريكية، ما يعكس وجود توجه متزايد داخل الكونغرس لفرض ضغوط حقيقية على النظام الجزائري. فالنقاش لم يعد مقتصرا على أروقة وزارة الخارجية، بل أصبح موضوعا مطروحا على طاولة مجلس الشيوخ، في جلسات علنية ناقشت صراحة احتمالية فرض عقوبات على الجزائر إذا واصلت هذا المسار.

وتكشف هذه التطورات عن تناقض صارخ في خطاب النظام الجزائري الذي يروج لنفسه كشريك دولي موثوق، في الوقت الذي يواصل فيه الارتماء في أحضان موسكو عسكريا واستراتيجيا، دون أي اعتبار للتوازنات الدولية أو لتداعيات ذلك على مستقبل البلاد. فبدلا من توجيه الموارد نحو التنمية الاقتصادية وتحسين الأوضاع الاجتماعية المتدهورة، يواصل الحكم العسكري ضخ المليارات في صفقات تسلح مشبوهة، في وقت تعاني فيه شرائح واسعة من الشعب من البطالة وغلاء المعيشة وتدهور الخدمات الأساسية.

وقد كشفت تقارير متخصصة أن الجزائر أصبحت أول دولة عربية وإفريقية تمتلك مقاتلات روسية من طراز متطور جدا، وهي خطوة أراد منها النظام استعراض القوة إقليميا، لكنها في المقابل وضعت البلاد في مسار تصادمي مع القوى الغربية. كما أن اعتماد الجزائر التاريخي على السلاح الروسي، من مقاتلات ومنظومات دفاع جوي، يعمق هذا الارتهان ويجعلها أكثر عرضة للعقوبات والضغوط السياسية.

وفي خلفية هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري حول من يدفع ثمن هذه السياسات. فالعقوبات المحتملة، إن فُرضت، لن تطال الجنرالات ولا شبكات المصالح التي تدير صفقات السلاح، بل ستنعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني وعلى القدرة الشرائية للمواطن، وعلى علاقات الجزائر التجارية والمالية مع الخارج.

إن ما يحدث اليوم ليس سوى نتيجة منطقية لخيار سياسي وعسكري قائم على منطق العزلة والمواجهة بدل الانفتاح والتوازن. وبينما تراقب واشنطن هذا الملف عن كثب، يجد النظام الجزائري نفسه أمام اختبار حقيقي: إما مراجعة خياراته المكلفة سياسيا واقتصاديا، أو المضي قدما في طريق قد يقود البلاد إلى مزيد من التوتر والعزلة الدولية، في وقت لم تعد فيه الجزائر تملك رفاهية الدخول في صراعات جديدة على حساب شعبها ومستقبلها.

هيئة التحرير / LEMED24