للمرة الأولى في التاريخ العريق للعالم الأمازيغي، تجد حروف تيفيناغ مكانها على ورقة نقدية لأحد بلدان تامازغا، أي شمال إفريقيا، ويتعلق الأمر بالمغرب.

بقلم: هشام عبود

هناك قرارات لا تندرج ضمن الفولكلور ولا في إطار التواصل المؤسساتي، بل تعبّر عن خيار سياسي عميق يعكس الرؤية التي يحملها بلد ما عن ذاته. وإدراج الكتابة الأمازيغية تيفيناغ على ورقة 100 درهم يندرج ضمن هذه الأفعال المؤسسة. فهذا القرار يكرّس، أخيرا، الحضور العلني لحضارة ضاربة في عمق التاريخ داخل أكثر مجالات السيادة قداسة، وهي العملة الوطنية.

فالعملة ليست مجرد وسيلة للتبادل. إنها علامة هوية، وخلاصة للذاكرة الجماعية، ورسالة صامتة يوجّهها الدولة إلى مواطنيها وإلى العالم. وإدراج تيفيناغ عليها يعني الاعتراف بأن تاريخ المغرب لا يبدأ مع فترات الحماية ولا مع حداثات مستوردة، بل يتجذر في عمق أمازيغي لم تفلح تقلبات الزمن ولا الغزوات ولا الإيديولوجيات في محوه.

وبتحمل بنك المغرب مسؤولية هذا الخيار، فإنه لا يكتفي بتفعيل مبدأ دستوري، بل يترجمه إلى رمز قوي يقطع مع عقود من التهميش اللغوي والثقافي. إنها خطوة حاسمة نحو عدالة رمزية طال انتظارها، واعتراف متأخر لكنه أساسي بإرث يشكّل العمود الفقري للأمة المغربية.

إن رؤية تيفيناغ مطبوعة اليوم على ورقة نقدية تعني أن فكرة كانت تُعد بالأمس قريبة من التمرّد أو الهامش أصبحت اليوم حقيقة مؤسساتية. وهي برهان على أن الدول التي تعترف بتعددها لا تضعف، بل تزداد قوة. فبإعادة إدماج تيفيناغ في الفضاء السيادي العام، لا يقسّم المغرب مجتمعه، بل يصالحه. ولا يجزئ سرديته الوطنية، بل يستكملها.

وبعيدا عن الدلالة الرمزية، فإن ورقة 100 درهم تطرح مسؤولية تاريخية حقيقية، تتمثل في استكمال مسار تفكيك الاستعمار الداخلي للخيال الجماعي، وإدماج الأمازيغية بشكل كامل في المدرسة والإدارة والقضاء والفضاء العام، لا بوصفها تنازلا، بل باعتبارها ركنا مكوّنا للدولة. فالحضارات لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، بل بما تكرّسه بشكل دائم داخل مؤسساتها السيادية. واليوم، تستعيد ذاكرة ظلت مهمّشة طويلا حقها المشروع في الوجود.

ويبقى الأمل معقودا على صحوة مماثلة في الجانب الجزائري، حتى يجد تيفيناغ هناك أيضا مكانه الطبيعي على الأوراق النقدية، مهما كان انهيار الدينار في سوق الصرف. فالإفلاس النقدي لا يبرر فقدان الذاكرة التاريخية ولا إنكار هوية ضاربة في عمق الزمن، بل يكون في الغالب أحد أعراضه.