بعد سبعين عاماً من محطة 20 أغسطس 1956، لا يزال مؤتمر الصومام يُقرأ في كثير من الأحيان من خلال الصراعات التي عصفت لاحقاً بقيادة جبهة التحرير الوطني (FLN). غير أن مؤتمر الصومام، قبل الخلافات حول الشرعية والمحاكمات الأيديولوجية، كان أولاً وقبل كل شيء محاولة لمنح الانتفاضة تنظيماً ومؤسسات وغاية سياسية. وكان عبان رمضان والعربي بن مهيدي من أبرز مهندسي هذا المسعى. وانطلقا من قناعة مفادها أن الكفاح المسلح وسيلة لخلق موازين القوى الضرورية لتحقيق الاستقلال، وليس غاية في حد ذاته.
في 20 أغسطس 1956، عندما اجتمع أبرز مسؤولي الداخل في وادي الصومام، كانت حرب الاستقلال الجزائرية تقترب من عامها الثاني. وقد أفضى اندلاع ثورة الأول من نوفمبر 1954 إلى أمر لا رجعة فيه: فالقضية الجزائرية، التي واصلت السلطات الفرنسية التعامل معها باعتبارها شأناً داخلياً، أصبحت الآن حرباً تتسع جغرافياً وتتزايد حدتها باستمرار.
لكن الثورة كانت لا تزال هشة.
فقد تطورت معاقل المقاومة وفق واقع إقليمي مختلف من منطقة إلى أخرى. وكانت الاتصالات صعبة، والروابط مع المسؤولين المقيمين في الخارج متقطعة وغير مستقرة. كما أن أساليب التنظيم والرتب والمسؤوليات السياسية والعسكرية لم تكن موحدة بعد. وفي الوقت الذي كانت فيه القمع الفرنسي يشتد، كان يتعين على جبهة التحرير الوطني في الوقت نفسه أن تقاتل، وتنظم السكان، وتؤمّن الإمدادات، وتطور دبلوماسيتها، وتبني شرعيتها.
وهكذا، فإن السؤال المطروح في صيف 1956 لم يعد يتعلق باندلاع الثورة، فقد أصبح أمراً واقعاً، وإنما بكيفية إدارتها.
كيف يمكن تحويل انتفاضة إلى تنظيم وطني؟ كيف يمكن تجنب مجرد تضافر حروب إقليمية منفصلة؟ كيف يمكن إنشاء تسلسل واضح للمسؤوليات؟ وكيف يمكن بروز قيادة قادرة على التحدث باسم الحركة بأكملها؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن إدراج العمل العسكري ضمن استراتيجية سياسية قادرة، في يوم من الأيام، على وضع حد للحرب؟
ومن هذا المنظور، يكتسب مؤتمر الصومام أهميته الكاملة من خلال إسهامه المزدوج، العقائدي والتنظيمي، والدور المحوري الذي لعبه عبان وبن مهيدي في الإعداد لهذا المؤتمر.
ثورة تبحث عن مؤسسات
بدأ مؤتمر الصومام قبل كل شيء بعمل تنظيمي ضخم. فقد جرى تقسيم التراب إلى ولايات وتقسيمات فرعية، وتحديد المسؤوليات، ومنح جيش التحرير الوطني هيكلية هرمية أكثر تجانساً. كما ظهرت مؤسستان مركزيتان: المجلس الوطني للثورة الجزائرية (CNRA)، الذي أُسندت إليه مهمة تشكيل الهيئة السياسية العليا، ولجنة التنسيق والتنفيذ (CCE)، المكلفة بقيادة العمل.
ولم تكن هذه القرارات مجرد عملية بيروقراطية لإدارة الكفاح. بل كانت تعكس ضرورة بناء سلطة ثورية حتى قبل أن توجد الدولة التي تطمح الثورة إلى إقامتها.
وهكذا دخلت الثورة الجزائرية مرحلة جديدة. فلم يعد مطلوباً منها فقط أن تثبت قدرتها على القتال، بل أصبح عليها أن تكون قادرة على الإدارة والتمثيل والتفاوض والاستعداد للمستقبل.
وكان عبان رمضان في قلب هذا التحول.
بعد خروجه من السجن عام 1955، فرض نفسه سريعاً داخل التنظيم السياسي في الداخل. وسعى إلى توسيع قاعدة جبهة التحرير الوطني، وإقامة علاقات مع ممثلي مختلف التيارات في الحركة الوطنية، ومع النقابات والطلاب ومختلف الفئات الاجتماعية. فقد تجاوز تصوره للثورة إطار المَعاقل المسلحة: كان يرى ضرورة تحويل جبهة التحرير الوطني إلى تمثيل سياسي حقيقي للأمة التي تخوض معركة التحرير.
أما العربي بن مهيدي، فقد جاء بخبرة مختلفة، ولهذا السبب تحديداً كانت خبرته مكملة لخبرة عبان.
فهو أحد أعضاء مجموعة المسؤولين التاريخيين عن اندلاع ثورة الأول من نوفمبر، ورجل تنظيم وقائد منخرط مباشرة في الكفاح المسلح، وكان يعرف قيود وظروف الميدان. ولذلك فإن وجوده إلى جانب عبان ودوره في مؤتمر الصومام يجعلان من الصعب تبني قراءة تقوم على الفصل الآلي، منذ عام 1956، بين «السياسيين» و«العسكريين».
كان بن مهيدي الاثنين معاً.
فهو يعرف معنى تنظيم جيش سري، لكنه كان يعرف أيضاً أن الجيش لا يستطيع وحده أن يحدد الوجهة التي ينبغي أن تسلكها الثورة.
وربما تكمن إحدى مفاتيح فهم الصومام تحديداً في هذا الترابط بين الرجلين.
أولوية السياسي، غاية قبل أن تكون تراتبية
من بين جميع الصيغ التي اعتمدت في أغسطس 1956، أصبحت عبارة «أولوية السياسي على العسكري» الأكثر شهرة، لكنها أصبحت أيضاً الأكثر حملاً بأعباء النقاشات اللاحقة.
وعند إعادة قراءتها من خلال تاريخ الجزائر المستقلة، اتخذت أحياناً قيمة مبدأ عام يحكم العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية. وهذا سؤال مشروع، لكنه لا يتطابق تماماً مع ما كان رجال عام 1956 يحاولون حله في ذلك الوقت.
فعدد من أبرز المشاركين في المؤتمر كانوا يقودون بأنفسهم معاقل للمقاومة. فـكريم بلقاسم، وزيغود يوسف، ولخضر بن طوبال، والعربي بن مهيدي لم يكونوا بأي حال من الأحوال بعيدين عن إدارة الحرب عسكرياً.
وبالتالي، فإن التمييز لم يكن يتعلق بصفة الرجال بقدر ما كان يتعلق بطبيعة القرارات.
هل يمكن لعملية عسكرية أن تحدد وحدها الاستراتيجية العامة؟ أم ينبغي أن تندرج ضمن تصور سياسي للحرب، يحدد الأهداف والتحالفات والدبلوماسية وشروط أي مفاوضات محتملة؟
وقد أجاب مؤتمر الصومام لصالح التصور الثاني.
كان الجيش ضرورياً لأن النظام الاستعماري لم يترك أي أفق ذي مصداقية للوصول السلمي إلى السيادة. لكن القوة المسلحة لا يمكن أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها. بل يجب أن تخلق ميزان قوى يسمح بتحقيق هدف سياسي: الاستقلال.
وهذا التمييز أساسي.
فالمشروع لم يكن الانتصار في حرب من أجل الحكم بالسلاح، بل استخدام الحرب لجعل استمرار النظام الاستعماري أمراً مستحيلاً، وإيجاد الظروف التي تسمح بحل سياسي.
وكان نص منصة مؤتمر الصومام واضحاً في هذا الشأن. فقد منح مكانة للتفاوض، ولمبادرات مناهضة للحرب، وللبحث عن دعم يمكن أن يساعد على الوصول إلى مخرج سياسي. كما أشاد بالتيارات الفرنسية التي كانت تسعى إلى إيجاد «حل سياسي» لتجنب «إراقة دماء غير ضرورية».
وهذه العبارة، التي غالباً ما تحظى باهتمام أقل من عبارة أولوية السياسي، تكشف مع ذلك جانباً أساسياً من روح المؤتمر.
الحرب كوسيلة، لا كأفق
لم يكن لدى مسؤولي الثورة آنذاك سوى القليل من الأوهام بشأن اختلال ميزان القوى.
ففي مواجهتهم كان أحد أبرز الجيوش الغربية، يمتلك سلاحاً جوياً ومدفعية ووسائل لوجستية ومالية تفوق بكثير ما كان متاحاً لجيش التحرير الوطني. ولم يكن تصور انتصار عسكري تقليدي يؤدي إلى استسلام فرنسا على الأراضي الجزائرية يمثل احتمالاً واقعياً.
لذلك تمثلت الاستراتيجية في جعل استمرار الهيمنة الاستعمارية أمراً لا يُحتمل تدريجياً: عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً ومالياً.
وفي هذا المزيج اكتسب العمل المسلح معناه.
كان عليه أن يمنع العودة إلى النظام الاستعماري السابق، وأن يثبت أن الاستقلال أصبح مطلباً لا رجعة فيه، وأن يوسع الدعم الشعبي، وأن يدوّل القضية الجزائرية، وفي نهاية المطاف أن يجبر السلطة الفرنسية على الاعتراف بما كانت لا تزال ترفضه: وجود محاور سياسي جزائري.
وكان هذا التصور يتضمن بالضرورة تفكيراً في كيفية إنهاء الحرب.
فإذا كان العمل العسكري مجرد وسيلة، فلا بد أن تأتي لحظة تفسح فيها هذه الوسيلة المجال للتفاوض.
ومن ثم، فإن مؤتمر الصومام لم يكن مجرد مشروع يهدف إلى إدارة الحرب بصورة أفضل. بل كان، على نحو مفارق، محاولة لخلق الظروف التي تسمح بالخروج منها.
وتستحق هذه الأبعاد أن تُستعاد، خصوصاً أن رواية حروب التحرير تميل أحياناً إلى قياس تصميم الفاعلين من خلال درجة انخراطهم العسكري وحدها.
لكن مسؤولية القيادة الثورية لا تقتصر على معرفة كيفية مواصلة القتال، بل تشمل أيضاً معرفة الغاية التي يخوض من أجلها، والظروف التي يمكن أن يتوقف فيها.
الكلفة البشرية للصراع
تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر لأن الشعب الجزائري كان يتحمل الجزء الأكبر من كلفة الحرب.
فالعمليات العسكرية والاعتقالات والتهجير والتعذيب والتدمير وأعمال الانتقام كانت تغير تدريجياً جزءاً كبيراً من البلاد. وخلف كل قرار استراتيجي كان هناك مقاتلون، ولكن أيضاً عائلات وقرى وشبكات سرية وسكان وجدوا أنفسهم عالقين في قلب المواجهة.
ولم يكن قادة الداخل يكتشفون هذه الحقيقة من خلال تقارير إدارية، بل كانوا يعيشون وسطها.
ولذلك فإن تنظيم الثورة في هذه الظروف لم يكن يستجيب فقط للبحث عن الفعالية. فالتنسيق كان يجب أن يسمح أيضاً بتجنب العمليات الارتجالية، وترشيد الوسائل المتاحة، وعدم مضاعفة الخسائر من أجل نتائج لا تحمل أهمية استراتيجية.
وعليه، فإن عبارة «إراقة الدماء غير الضرورية» لم تكن تفصيلاً إنسانياً أُضيف إلى برنامج عسكري، بل كانت تشير إلى أن التضحية، في نظر واضعي منصة مؤتمر الصومام، لا تكتسب قيمة سياسية إلا إذا كانت تخدم فعلياً هدف التحرير.
وبالطبع، لم يكن المقصود تحويل قادة جبهة التحرير الوطني بأثر رجعي إلى دعاة سلام. فقد كانوا يتبنون الحرب وأساليبها، لكنهم لم يجعلوا منها أفقاً دائماً.
والفرق كبير.
الانتقادات القادمة من الخارج
ومع ذلك، لم يحقق مؤتمر الصومام وحدة القيادة الثورية.
فالظروف نفسها التي انعقد فيها المؤتمر غذّت الاعتراضات. إذ لم تكن عدة مناطق ممثلة، كما أن قادة الوفد الخارجي لم يشاركوا مباشرة في أعماله. وكان أحمد بن بلة ومحمد بوضياف من بين الذين عبروا عن أقوى التحفظات. أما حسين آيت أحمد، فاتخذ موقفاً مختلفاً، إذ أعلن موافقته على قرارات المؤتمر.
وتركزت الاعتراضات خصوصاً حول مبدأين: أولوية السياسي على العسكري، وأولوية الداخل على الخارج.
وكان المبدأ الثاني يمس مباشرة شرعية المسؤولين المقيمين في القاهرة. فبالنسبة إلى رجال المَعاقل، ينبغي لمن يتحملون يومياً ضغط الحرب أن يكون لهم الوزن الحاسم في اتخاذ القرارات. أما بالنسبة إلى قادة الخارج، فإن مثل هذه القاعدة قد تؤدي، على العكس، إلى اختلال التوازن الذي نشأ منذ اندلاع نوفمبر، وتهميش أولئك الذين شاركوا في الإعداد له.
ومن ثم، كان هناك بالفعل صراع حقيقي في التصورات.
لكن كان هناك أيضاً، كما هو الحال في أي تنظيم سياسي يخوض حرباً، صراع على الشرعية والسلطة.
وهذه الحقيقة لا تنتقص من صدق القناعات التي عُبّر عنها، لكنها تمنع في الوقت نفسه اختزال الخلافات في نقاشات عقائدية خالصة.
عندما تغطي الأيديولوجيا على مشكلات التنظيم
بدأت انتقادات أخرى تتفرع تدريجياً من هذه القضايا.
فقد انتقد بن بلة، على وجه الخصوص، مؤتمر الصومام لابتعاده، في بعض النقاط، عن روح النص التأسيسي للأول من نوفمبر 1954. ومن بين الاعتراضات المنسوبة إليه غياب بعض الوفود، ورفض مبدأي الأولوية، ودمج مسؤولين قادمين من تشكيلات سياسية أخرى، والمكانة الممنوحة للمرجعية الإسلامية في تحديد معالم الدولة المستقبلية.
والموضوع مهم، بشرط ألا نسقط على عام 1956 التصنيفات الأيديولوجية التي ظهرت في مراحل لاحقة.
فقد حدد بيان الأول من نوفمبر الهدف في استعادة دولة جزائرية ذات سيادة وديمقراطية واجتماعية «في إطار المبادئ الإسلامية». أما منصة مؤتمر الصومام، فقد طورت بصورة أكبر التصور المؤسسي والاجتماعي للدولة المستقبلية.
وكان من الطبيعي أن يثير هذا التطور نقاشات مشروعة.
لكن مع مرور الوقت، أصبحت أوصاف مثل «العلماني»، و«الإسلامي»، و«البربري»، و«الاشتراكي»، و«العسكري»، و«السياسي» تغطي أحياناً على طبيعة المشكلات الأكثر مباشرة التي كان المشاركون في المؤتمر يحاولون إيجاد حلول لها.
فالصومام لم يكن اجتماعاً لنظريين يسعون إلى صياغة أرثوذكسية جديدة.
بل كان اجتماعاً لرجال مطاردين، منخرطين في حرب سرية، يتعين عليهم أن يقرروا كيفية تعيين المسؤولين، وتنظيم المناطق، وتحديد الرتب، وتأمين الاتصالات، وتحديد صلاحيات مختلف الهيئات، والتحدث في الخارج باسم الثورة.
وهذا لا يعني أن قراراتهم كانت محايدة أيديولوجياً. فكل تنظيم للسلطة يعبر عن تصور سياسي.
لكن اعتبار المؤتمر برمته محاولة لإعادة توجيه عقيدة الأول من نوفمبر من شأنه أن يقلل من شأن القيد الذي كان يضغط على جبهة التحرير الوطني آنذاك: فالثورة التي تنمو تحتاج إلى هياكل لم يكن بإمكان النص الذي أعلن اندلاعها أن يتنبأ بطبيعة تفاصيلها كلها.
الإعلان التأسيسي يؤسس.
لكنه لا يستطيع وحده إدارة حرب.
وقد حاول مؤتمر الصومام سد هذه المسافة بين المبدأ والممارسة.
مفارقة بن بلة
إن المسار السياسي لأحمد بن بلة بعد الاستقلال يدعو بدوره إلى الحذر عند محاولة حصر شخصيات تلك المرحلة في تصنيفات أيديولوجية نهائية.
فالرجل الذي عارض بعض توجهات مؤتمر الصومام واتهم منظميه بالابتعاد عن التوازن الأولي الذي أرساه الأول من نوفمبر، أصبح بعد بضع سنوات يرأس جزائر مستقلة تنخرط في تجربة اشتراكية وقائمة على التسيير الذاتي.
وكان أحد مستشاريه آنذاك ميشال رابتي، المعروف باسم «بابلو»، وهو يوناني وشخصية بارزة في التروتسكية الدولية.
وسيكون من الخطأ الاستنتاج من ذلك أن بن بلة أصبح هو نفسه تروتسكي النزعة. فقد ظل عالمه السياسي متميزاً، يجمع بين القومية الجزائرية والتعلق بالإسلام والعالمثالثية والمرجعيات الاشتراكية. لكن قربه من بابلو لم يكن أمراً هامشياً.
فقد أقام ميشال رابتي في الجزائر بعد الاستقلال، وقدم المشورة للسلطة الجديدة، وشارك بنشاط في صياغة نصوص التسيير الذاتي لعام 1963. وتذكر مجلة Autogestions، في حوار لاحق بين الرجلين، صراحة أنه كان مستشاراً لبن بلة وشارك في إعداد مراسيم التسيير الذاتي. ومنحت مراسيم مارس 1963 آنذاك إطاراً قانونياً للمؤسسات والمجالات التي كانت تُدار ذاتياً.
وتستحق هذه المفارقة الإشارة إليها، لا من أجل فتح محاكمة بأثر رجعي ضد بن بلة، وإنما تحديداً لإظهار حدود مثل هذه المحاكمات.
فالرجل الذي كان عام 1956 يخشى من إعادة توجيه عقيدة نوفمبر، قبل، عندما واجه واقع السلطة، مساعدة منظّر ينتمي إلى تقليد أيديولوجي بعيد جداً عن تقليده.
ولا توجد هنا بالضرورة لا مفارقة أخلاقية ولا اعتناق سري.
بل هناك ما تنتجه السياسة غالباً في التاريخ: رجال يواجهون أوضاعاً جديدة، ويبحثون عن أدوات فكرية وإدارية قادرة على الاستجابة للمشكلات التي أصبحوا يواجهونها.
وما ينطبق على بن بلة بعد 1962 ينطبق أيضاً، إلى حد ما، على عبان وبن مهيدي والمشاركين في مؤتمر 1956.
فهم لم يصوغوا مؤتمر الصومام في هدوء مكتب نظري، وإنما كانوا يكيفون تنظيماً ثورياً مع الحقائق المتغيرة للحرب.
ألا نحاكم 1956 بما نعرفه عن 1962
ومع ذلك، فإن التاريخ اللاحق يجعل إغراء القراءة بأثر رجعي شبه irresistible.
فنحن نعرف اليوم ما آل إليه مصير عبان رمضان، الذي اغتيل في المغرب في ديسمبر 1957. ونعرف أن بن مهيدي اعتُقل ثم قُتل بعد أشهر قليلة من مؤتمر الصومام. ونعرف الصعود التدريجي للأجهزة العسكرية، والتحولات التي طرأت على القيادة الخارجية، وإنشاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عام 1958، ثم أزمة صيف 1962.
لكن الرجال الذين اجتمعوا في أغسطس 1956 لم يكونوا يعرفون شيئاً من ذلك.
لم يكونوا يعرفون تاريخ الاستقلال ولا الطريق الذي سيؤدي إليه.
بل كانوا يجهلون حتى ما إذا كانت الاستراتيجية التي وضعوها ستنجح.
وكان ينبغي لهذا الغموض أن يدفع إلى إعادة قراءة خلافاتهم بمزيد من الاعتدال.
لقد كانت الخلافات حقيقية، وأحياناً عنيفة. وكانت التنافسات الشخصية والطموحات موجودة، وكذلك الأخطاء. وليس المقصود إنكارها، ولا تحويل قادة الثورة إلى شخصيات خالية من العواطف وصراعات السلطة.
لكنهم كانوا قبل كل شيء رجالاً في قلب المعركة.
رجالاً يتخذون قرارات بناءً على معلومات ناقصة، تحت تهديد الاعتقال أو الموت بصورة دائمة، وفي إطار تنظيم سري قد تستغرق فيه الاتصالات أسابيع، وقد يكلف فيه الخطأ الواحد عشرات الأرواح.
ونادراً ما يستفيد التاريخ من تحويل هؤلاء الرجال إلى تماثيل.
عبان وبن مهيدي، بعيداً عن ثنائية مصطنعة
وهذا أيضاً ما يجعل العلاقة السياسية بين عبان رمضان والعربي بن مهيدي مهمة بصورة خاصة.
فالأول يجسد بصورة أوضح جهود بناء الهيكلة السياسية، بينما ينتمي الثاني إلى المسؤولين التاريخيين عن العمل المسلح. ومع ذلك، وجد كلاهما نفسه أمام ضرورة بناء قيادة وطنية.
ويشير تعاونهما إلى أن أولوية السياسي لا ينبغي بالضرورة أن تُفهم باعتبارها عدم ثقة بالمقاتل.
بل يمكن قراءتها باعتبارها رغبة في إعطاء المقاتل غاية.
لماذا نقاتل؟ إلى أي حد؟ وفي أي ظروف نقبل التفاوض؟ ومن يستطيع إلزام الثورة بقرار دبلوماسي؟ وما السلطة التي يجب أن تراقب استخدام السلاح؟ وكيف يمكن ضمان أن تؤدي التضحيات المقدمة فعلاً إلى السيادة؟
هذه أسئلة سياسية.
ولأنها تتعلق بحياة وموت آلاف الرجال والنساء، فلا يمكن تركها للمنطق العسكري وحده.
وهكذا يؤكد مؤتمر الصومام فكرة يخفي بساطتها الظاهرية عمقها: إن ميزان القوى العسكري يجب أن يخدم خلق إمكانية سياسية.
وعندما توجد هذه الإمكانية، فإن دور السياسة تحديداً هو اغتنام الفرصة لوضع حد للحرب دون التخلي عن الهدف الذي اندلعت من أجله.
الحفاظ على دماء الجزائريين
قد تسمح لنا هذه القراءة باستعادة بُعد من أبعاد مؤتمر الصومام تلاشى تدريجياً خلف الخلافات المؤسسية والأيديولوجية.
كان الهدف تحرير البلاد.
لكن كان الهدف أيضاً القيام بذلك من دون فقدان الاهتمام بمن يخاض القتال باسمهم.
فالشعب ليس مجرد تجريد يمكن التضحية به من أجل فكرة عن الانتصار. فالفلاحون المهجرون، والعائلات المفجوعة، والمناضلون المسجونون، والمقاتلون الذين ماتوا في الجبال، والأطفال الذين واجهوا العنف اليومي، يشكلون الواقع الإنساني الذي تقوم عليه كل استراتيجية.
إن البحث عن أفضل تنظيم عسكري، وتطوير الدبلوماسية، والحصول على الدعم الدولي، وبناء قيادة سياسية، والنظر في شروط التفاوض، كلها، بهذا المعنى، أجزاء من المنطق نفسه.
فكل تقدم سياسي قادر على تقصير مدة الصراع يعني أيضاً إنقاذ أرواح.
وهذا ما توحي به تلك العبارة شديدة البساطة في منصة مؤتمر الصومام: تجنب «إراقة دماء غير ضرورية».
وهذا لا ينتقص شيئاً من تصميم الرجال الذين كتبوها.
بل ربما يمنحه، على العكس، مقياسه الحقيقي.
فالتصميم لا يعني إطالة الحرب إلى ما لا نهاية. وإنما يعني تحقيق الهدف السياسي الذي سيسمح بإيقافها.
ما الذي يبقى من الصومام؟
بعد سبعين عاماً، لا يزال مؤتمر الصومام يُستدعى في كثير من الأحيان بسبب ما كان يمكن أن يمنعه، أو بسبب ما لم تحتفظ به الجزائر المستقلة، في نظر البعض، بالقدر الكافي من مبادئه.
لكن ذلك نقاش آخر.
أما الحدث التاريخي نفسه، فيستحق أن يُعاد إلى سياقه الزمني.
ففي أغسطس 1956، لم يكن الأمر يتعلق بعد بتسوية العلاقات بين الجيش والدولة الجزائرية المستقلة. فهذه الدولة لم تكن موجودة أصلاً. كان الأمر يتعلق بتحويل انتفاضة إلى ثورة منظمة، وبناء مؤسسات سرية، وضمان أن يخدم عمل المَعاقل استراتيجية وطنية.
إن الانتقادات التي وُجهت إلى مؤتمر الصومام تنتمي إلى هذه القصة. كان بعضها سياسياً، وبعضها الآخر مؤسسياً أو أيديولوجياً. وكانت بعض هذه الانتقادات تعبر عن مخاوف حقيقية، بينما كانت أخرى لا تنفصل عن صراعات الشرعية التي كانت تعصف بجبهة التحرير الوطني منذ ذلك الوقت.
ولا ينبغي محو أي من هذه العناصر.
لكن لا ينبغي لأي منها أيضاً أن يجعلنا ننسى جوهر المسألة.
فعبان رمضان والعربي بن مهيدي، إلى جانب المسؤولين الآخرين الحاضرين، كانوا يحاولون آنذاك حل مسألة عملية:
كيف يمكن منح الثورة قدراً من التماسك، وكيف يمكن جعل القوة العسكرية أداة في خدمة مخرج سياسي؟
لم يكونوا يعرفون بعد متى سيأتي هذا المخرج ولا كيف سيأتي.
لكنهم كانوا يعرفون لماذا حملوا السلاح.
ليس من أجل تكريس الحرب إلى الأبد، وإنما لجعل الهيمنة الاستعمارية مستحيلة.
وليس من أجل إحلال القوة العسكرية محل السياسة بصورة نهائية، وإنما لمنح السياسة الوسائل اللازمة لفرض السيادة.
وليس من أجل تمجيد التضحية، وإنما لضمان أن تقود إلى نتيجة.
وربما هكذا ينبغي اليوم إعادة قراءة مؤتمر الصومام: ليس باعتباره اللحظة التي انفصلت فيها عقائد متناقضة بصورة نهائية، وإنما باعتباره اللحظة التي حاول فيها رجال غارقون في حالة عدم يقين فرضتها الحرب أن ينظموا القوة، وأن يبنوا العمل السياسي، وأن يفكروا، منذ ذلك الوقت، في شروط السلام.
فقد تُجبر الثورة على حمل السلاح.
لكن ذكاءها السياسي يُقاس أيضاً بقدرتها على معرفة لماذا، وقبل كل شيء إلى متى، ينبغي أن تتكلم الأسلحة.
بقلم: خالد بولعزيز



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..