من بطاقة التنقل الخاصة بـ«قانون الأهالي» إلى خوارزميات الإشراف على شبكات التواصل الاجتماعي، مرورًا بالأمن العسكري في تسعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى قانون إسقاط الجنسية الذي أُقرّ في فبراير 2026، يمكن قراءة تاريخ المراقبة في الجزائر المستقلة باعتباره تاريخ استمرارية: استمرارية جهاز دولة لم يتوقف عن تطوير أدوات مراقبة سكانه والسيطرة عليهم.
في يوليو 2026، نشرت السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (ANPDP) مداولتها رقم 04، التي تعتبر أن نشر صورة على فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك يظهر فيها شخص آخر يمكن التعرف عليه، يعادل، وفقًا لهذا النص، «نقلًا للبيانات إلى الخارج»، ويخضع لموافقة مسبقة وصريحة وقابلة للتحقق. وبعد شهر، أشار تقرير صادر عن عدة منظمات للدفاع عن حقوق الإنسان إلى فتح مئات الإجراءات القضائية منذ عام 2019 ضد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي. وبين هذين الحدثين، اللذين يفصل بينهما بضعة أسابيع، يظهر خيط يعود، بحسب عدد من مؤرخي المغرب العربي المعاصر، إلى ما قبل الاستقلال بكثير: وهو أن علاقة السلطة بالسكان قامت تاريخيًا على المراقبة أكثر مما قامت على الثقة.
جذور استعمارية يقرّ بها المؤرخون
بالنسبة إلى الباحثين الذين يدرسون هذه الاستمرارية، تعود نقطة البداية إلى الجزائر الاستعمارية في القرن التاسع عشر. فمنذ عام 1833، أرسى الجنرال تيودور فوارول نظامًا لتراخيص التنقل بالنسبة إلى السكان الذين كانوا يُسمّون «الأهالي». وفي عام 1835، شدد الحاكم جان-بابتيست درويه دورلون هذا النظام. وقد اكتمل شكله القانوني عام 1881 مع تقنين «قانون الأهالي»: وهو نظام استثنائي ينظم الاعتقال التعسفي، ومراقبة التنقل بين البلديات، ومنع «الأقوال المهينة» للسلطة، وإخضاع السكان المستعمرين بشكل كامل للسلطة التقديرية للمسؤول المحلي.
أُلغي هذا النص رسميًا بعد الاستقلال. لكن بالنسبة إلى عدد من المحللين الجزائريين، ومن بينهم عدد من المساهمين في الصحافة المستقلة، استمرت بعض آلياته بأشكال متجددة: قيود غير رسمية على التنقل عبر الحدود، ورفض تقديري لمنح جوازات السفر لمعارضين أو ناشطين، ومضايقات إدارية تستهدف شخصيات تنتقد السلطة. وتظل المقارنة محل نقاش، فالجزائر المستقلة ليست نظامًا استعماريًا، لكنها تُطرح من جانب جزء من الرأي العام الناقد باعتبارها مفتاحًا لقراءة الممارسات الإدارية المعاصرة.
1962: ولادة جهاز أمني مستدام
تشكلت البنية المؤسساتية للمراقبة في الجزائر، وفقًا لمؤرخي جبهة التحرير الوطني، مباشرة بعد الاستقلال، عندما فرض جيش الحدود، الذي كان متمركزًا أثناء الحرب في المغرب وتونس وبعيدًا عن المعارك الأكثر دموية داخل البلاد، نفوذه على التيارات الأخرى للحركة الوطنية خلال أزمة صيف 1962.
ومن هذا الانتصار السياسي والعسكري نشأ جهاز استخباراتي، هو الأمن العسكري، الذي شكّل خلفاؤه المؤسساتيون المتعاقبون، من الأمن العسكري (SM) إلى دائرة الاستعلام والأمن (DRS)، ثم المديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI) بعد حل جهاز DRS خلال 2015-2016، وعلى مدى أكثر من ستة عقود، التوازن الحقيقي للسلطة في الجزائر، متجاوزًا بكثير التداولات الرئاسية أو الإصلاحات الدستورية.
وقد بلغت هذه البنية الأمنية أكثر تعبيراتها عنفًا خلال عقد التسعينيات، عندما أسفر الصراع بين الدولة والجماعات الإسلامية المسلحة، وفقًا للتقديرات الأكثر تداولًا، عن سقوط ما بين 100 ألف و200 ألف قتيل، في أجواء من الاختفاءات القسرية والتعذيب وثقتها عدة منظمات دولية.
وتحتل هذه الفترة، التي يسميها الجزائريون «العشرية السوداء»، مكانة خاصة في خطاب السلطة؛ إذ يستشهد بها مسؤولون حكوميون بشكل متكرر. فقد شبّه رئيس الوزراء الأسبق أحمد أويحيى، على سبيل المثال، احتجاجات سلمية حديثة ببدايات الصراع السوري، بهدف ردع أي موجة جديدة من الاحتجاج. ويرى عدد من علماء السياسة أن توظيف هذه الصدمة الجماعية لا يعمل بقدر ما يعمل كتحذير صادق، بل كأداة للحكم عبر الخوف.
الحراك: منعطف ديمقراطي ومنعطف أمني
مثّل عام 2019، بالنسبة إلى كثير من الجزائريين، دليلًا على إمكانية تجاوز هذا الخوف. فقد جمع الحراك، على مدى عدة أشهر، ملايين المتظاهرين من مختلف التيارات الأيديولوجية والاجتماعية، تحت شعاري «سلمية» و**«خاوة خاوة»**، ما أجبر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على التخلي عن السعي إلى ولاية خامسة.
كما شكلت هذه اللحظة، وفقًا لعدد من منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، منعطفًا في أساليب سيطرة الدولة؛ إذ بدأت المراقبة الجسدية التقليدية تُستكمل تدريجيًا بمراقبة رقمية، شملت تتبع المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، وملاحقات بسبب محتويات تمت مشاركتها عبر الإنترنت، وتوسيع نطاق تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب ليشمل أفعالًا مرتبطة بالتعبير.
وفي أبريل 2024، أحصى تحالف تقوده منظمة العفو الدولية 228 شخصًا مسجونين في الجزائر على خلفية ممارستهم السلمية لحقوقهم، وكانت غالبية هذه الملفات مرتبطة بمنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي.
ويُستشهد بشكل متكرر بحالة الشاعر محمد تجاديت، الذي حُكم عليه بالسجن خمس سنوات، باعتبارها نموذجًا لمناخ يمكن أن يؤدي فيه التعبير الأدبي أو الفني عن الانتقاد السياسي إلى ملاحقات جنائية قاسية.
وقد تساءل مقال تناول قضيته: «ماذا يمكن لشرطة أن تفعل أمام قصيدة؟»، وهو سؤال يلخص، بالنسبة إلى المدافعين عن حقوق الإنسان، الفجوة بين قسوة العقوبات الصادرة وطبيعة الأفعال المنسوبة إلى أصحابها.
2026: توسيع نطاق المراقبة إلى المجال الرقمي والجنسية
شهد عام 2026 توسع هذا النظام في مجالين جديدين.
ففي فبراير، أدرج البرلمان الجزائري في القانون إمكانية إسقاط الجنسية عن أشخاص بسبب «أنشطة معادية للجزائر» أو المساس بـ«وحدة الشعب» و«استقرار المؤسسات»، وهي عبارات يرى عدد من القانونيين أنها غير محددة بما يكفي، وأن تطبيقها يقع ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية بدلًا من إخضاعها لإجراء قضائي متناقض.
ويحدد منتقدو النص الجزائريين المقيمين في الخارج، الذين يحمل كثير منهم جنسيتين ويتمتعون بحرية أكبر في التعبير العلني مقارنة بالمقيمين داخل البلاد، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة لهذه المقتضيات.
وفي يوليو، جاءت المداولة رقم 04 الصادرة عن السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (ANPDP) لتوسع نطاق الرقابة على المعلومات لتشمل المجال الرقمي الخاص نفسه.
وقد قُدمت هذه المداولة باعتبارها إجراءً للحماية من التحرش الإلكتروني ونشر الصور الحميمة دون موافقة، إذ تفرض على كل مستخدم للإنترنت ينشر صورة يظهر فيها شخص يمكن التعرف عليه، الحصول على موافقته المسبقة وإبلاغه بالتفصيل بكيفية استخدام صورته.
ويرى عدد من القانونيين والمدافعين عن حرية الصحافة أن هذا الإجراء ذو حدين: فمن الصعب تطبيقه لتحقيق الهدف المعلن منه، في ظل غياب وسائل حقيقية لمواجهة المنصات الأجنبية، لكنه قد يُستخدم في المقابل ضد الصحفيين أو الشهود الذين يصورون عملية توقيف للشرطة أو مظاهرة، في وقت لا تخضع فيه الدولة الجزائرية، في المقابل، لالتزامات مماثلة من الشفافية بشأن ممارسات المراقبة التي تقوم بها.
معارضة تحت السيطرة ونقاش عام مقيد
يتعايش هذا النظام الرقابي، وفقًا لعدة تحليلات في الصحافة الجزائرية المستقلة، مع تعددية سياسية محدودة إلى حد كبير.
فاستمرار شخصيات معارضة تاريخية على الساحة العامة، مثل لويزة حنون، زعيمة حزب العمال، التي يُسمح لها بعقد مؤتمرات صحفية وإصدار تصريحات علنية في بلد قد يؤدي فيه تعبير مواطن عادي إلى الاعتقال، يفسره بعض المعلقين باعتباره دليلًا على تعددية سياسية وظيفية أكثر منها حقيقية.
أي معارضة يتم التسامح معها لأنها، بشكل غير مباشر، تؤكد الفئات الأساسية للخطاب الأمني: الاستقرار المهدد و«العدو الداخلي»، من دون أن تهدد أبدًا بنية السلطة.
سيادة معلنة في الخارج، ومتناقض معها الوضع في الداخل
يتناقض هذا التحكم الصارم في المجال الداخلي مع الخطاب الذي تتبناه الجزائر على الساحة الدولية، حيث تقدم نفسها باعتبارها قوة ذات سيادة، ووريثة لحركة عدم الانحياز، ومدافعة عن قضايا «الجنوب العالمي».
وقد أعاد التصويت الجزائري، في الخريف، لصالح قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن غزة — بعد أشهر من التصريحات الرئاسية التي تستبعد أي تطبيع «ما دامت غزة تحت النار» — إلى الواجهة لدى جزء من الرأي العام مسألة الانسجام بين خطاب السيادة هذا والقرارات التي تتخذها السلطة التنفيذية فعليًا.
ولم تقدم الحكومة علنًا تفاصيل حول أسباب هذا الخيار.
وبالنسبة إلى عدد من الاقتصاديين الجزائريين، تجد هذه التوترات صدى هيكليًا في طريقة عمل الاقتصاد الوطني نفسه: فعلى الرغم من امتلاك البلاد موارد مهمة من المحروقات، لا تزال تعتمد على الواردات حتى في قطاعات أساسية، ويُستشهد بقطاع إطارات السيارات بانتظام كمثال على ذلك.
ويرى هؤلاء أن ذلك يشكل دليلًا على بقاء النسيج الإنتاجي متخلفًا بعد أكثر من ستة عقود من الاعتماد على الريع النفطي والغازي، وعلى وجود نظام اقتصادي تستفيد فيه طبقة من الوسطاء من هذا الاعتماد بدلًا من السعي إلى الحد منه.
دولة تراقب، لكنها لا تقدم إلا القليل من الحسابات
قدم صيف 2026، وفقًا لعدد من المعلقين، صورة معكوسة لهذا الاختلال: دولة تمتلك وسائل واسعة لمراقبة مواطنيها، لكنها لا تميل كثيرًا إلى تقديم الحساب لهم عن طريقة إدارتها لشؤون البلاد.
فقد شهد شهرا يوليو وأغسطس سلسلة من حرائق الغابات، وحريقًا مميتًا في دار للأيتام بالجزائر العاصمة، وحوادث مرور، وانقطاعات في المياه والكهرباء.
وتوقفت السلطات عن نشر حصيلة محدثة لضحايا الحرائق بعد 26 أغسطس، في وقت استمرت فيه الحرائق، ما ترك التقديرات المتاحة تختلف بشكل كبير بحسب المصادر.
وفي 30 أغسطس، أعلن مجلس الوزراء عزمه إدخال عقوبة الإعدام بحق مرتكبي الحرائق المتعمدة، دون أن يتم نشر تحقيق مفصل حول ظروف اندلاع تلك الحرائق.
وبعد بضعة أسابيع، سجلت الانتخابات التشريعية في 2 يوليو 2026 نسبة مشاركة بلغت 21.24% داخل البلاد و10.75% في صفوف الجالية، بانخفاض مقارنة بنسبة 23% التي كانت قد اعتُبرت أصلًا ضعيفة في انتخابات 2021.
معادلة يزداد التساؤل حول قدرتها على الاستمرار
بالنسبة إلى الباحثين المتخصصين في التاريخ السياسي الجزائري، لا تشكل هذه المراحل المختلفة أحداثًا متفرقة، وإنما تنتمي إلى بنية واحدة: نظام بُنيت شرعيته تاريخيًا على السيطرة على المجال الداخلي — من تصاريح التنقل الاستعمارية إلى خوارزميات الإشراف المعاصرة — أكثر مما بُنيت على المساءلة أمام المواطنين.
وقد تعايشت هذه البنية لفترة طويلة، من دون صعوبة كبيرة، مع خطاب دولي يقوم على السيادة الشعبية والتضامن المناهض للإمبريالية، حيث كان الخطابان موجّهين إلى جمهورين مختلفين.
لكن، كما يشير عدد من المحللين، فإن هذا التوازن يجري في سياق مختلف عن العقود السابقة: سكان متصلون بالإنترنت، وجالية كبيرة ومتابعة سياسيًا، واحتجاج أثبت في عام 2019 قدرته على الاستمرار بشكل سلمي وموحد من دون الانزلاق إلى سيناريو الفوضى الذي تلوّح به السلطة.
وفي هذا السياق، فإن قدرة النظام على الحفاظ بشكل دائم على هذا الانفصال بين الصورة التي يعرضها في الخارج والسيطرة التي يمارسها في الداخل تشكل، بالنسبة إلى عدد متزايد من المراقبين، إحدى أبرز علامات الاستفهام المرتبطة بمستقبل المراقبة في الجزائر خلال المرحلة المقبلة.
المصادر:
- En Algérie, le spectre du code de l’indigénat
- Du code de l’indigénat à la déchéance de la nationalité
- Algérie : publier une image sur les réseaux sociaux pourrait devenir un « transfert de données à l’étranger »
- Louisa Hanoune, cheval de Troie du tout-sécuritaire
- Tadjadit, l’enfant terrible d’une Algérie confisquée
- Algérie : une oligarchie militariste au service d’un ordre globalisé
- Alger vote l’enterrement de Gaza
- L’Algérie, l’été 2026 : l’été de toutes les catastrophes
- Algérie : quand le pouvoir ressort l’épouvantail de la décennie noire
بقلم خالد بولعزيز على موقع Lanation.net



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..