رغم سنوات طويلة من التوتر السياسي المفتعل، ومحاولات التحريض المنهجي، لا تزال العلاقة بين الشعبين في المغرب والجزائر قائمة على أسس أعمق من حسابات الأنظمة وخطاباتها العدائية. فخلف الضجيج الرسمي والإعلامي، تتجلى حقيقة راسخة مفادها أن العداء ليس شعبيا، بل هو نتاج مباشر لسياسات سلطوية جعلت من الفتنة وسيلة للبقاء في الحكم.

الشعبان يتقاسمان التاريخ والجغرافيا واللغة والعادات، وتربط بينهما روابط الدم والمصاهرة والهجرة والعمل المشترك. وعلى امتداد العقود، أثبتت التجارب الإنسانية اليومية أن المواطن المغربي والجزائري حين يلتقيان خارج سياق التحريض الرسمي، يكتشفان بسرعة أن ما يجمعهما أكبر بكثير مما يفرقهما. التضامن الشعبي في الأزمات، وحسن الاستقبال، وروح الأخوة، كلها شواهد حيّة تنسف الرواية الرسمية التي تحاول تصوير الطرف الآخر كعدو دائم.

في المقابل، تصر السلطة في الجزائر على الاستثمار في خطاب العداء تجاه المغرب، ليس دفاعا عن مصالح الشعب الجزائري، بل هروبا من مواجهة أزماتها الداخلية المتراكمة. فحين تعجز الدولة عن توفير أبسط شروط العيش الكريم، من صحة وتعليم وعدالة وعدالة اجتماعية، يصبح اختراع عدو خارجي أداة تقليدية لصرف الأنظار وامتصاص الغضب الشعبي.

هذا الخطاب لا يخدم سوى نخبة حاكمة فشلت في إدارة البلاد، وأفلست سياسيا واقتصاديا، فاختارت تصدير أزماتها بدل معالجتها. إذ يتم تحميل المغرب مسؤولية كل إخفاق داخلي، من تدهور القدرة الشرائية، إلى انهيار العملة، مرورا بالأزمات الاجتماعية والاحتجاجات المتكررة. وهي سياسة أثبتت فشلها، لأنها تصطدم بواقع يراه الجزائريون بأعينهم، سواء داخل بلدهم أو عند احتكاكهم بالعالم الخارجي.

في الجهة المقابلة، لم يكن المغرب يوما في حالة عداء مع الشعب الجزائري، بل ظل يميز باستمرار بين النظام والشعب. هذا التمييز هو ما يحفظ الحد الأدنى من التوازن في العلاقة، ويمنع الانزلاق إلى قطيعة شعبية شاملة. فالمغاربة يدركون أن المواطن الجزائري ضحية منظومة مغلقة، أكثر منه شريكا في صناعة القرار العدائي.

إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط العلاقات الثنائية، بل يعرقل أي أفق حقيقي لبناء فضاء مغاربي متكامل، كان من الممكن أن يشكل قوة إقليمية حقيقية. فإغلاق الحدود، وتجميد التعاون، وتسميم الوعي الجماعي، كلها كلفة يدفعها الشعبان، بينما تبقى الأنظمة بمنأى عن المحاسبة.

الخلاصة أن مستقبل العلاقة بين المغرب والجزائر لن يُحسم في البيانات الرسمية ولا في الخطابات المتشنجة، بل في وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين العدو الحقيقي ومن يُستعمل كعدو وهمي. فالأخوة الشعبية باقية، مهما طال زمن الفتنة، أما سياسات العداء المصطنع فمصيرها الزوال بزوال أسبابها.

هيئة التحرير / LEMED24