بقلم: عبد الرحمن فارس
بينما لا يزال العالم منشغلا باستيعاب الصور المذهلة لعملية استخراج نيكولاس مادورو على يد القوات الخاصة الأمريكية، يخرج من الجزائر صوت نشاز ومتهور على نحو لافت. فقد نشر موقع “ألجيري باتريوتيك”، المعروف بخطابه التآمري والمملوك للّطفي نزار، نجل الجنرال خالد نزار، افتتاحية وصف فيها العملية الأمريكية بأنها “خدعة” و“مسرحية هوليوودية”.
هجوم مرضي لا تحليل سياسي
بالنسبة لأي مراقب متمرس، لا يندرج هذا الهجوم المباشر على إدارة ترامب ووزير خارجيتها ماركو روبيو في إطار التحليل الجيوسياسي الرصين، بل أقرب إلى السلوك المرضي. ذلك أن لطفي نزار، المحكوم عليه غيابيا والهارب من العدالة الأمريكية، يتصرف وكأنه نسي أنه شخصيا موضوع في قلب ملاحقات فيدرالية ثقيلة، تشمل دينا يناهز 26.9 مليون دولار، وملفا خطيرا مرتبطا بتهم تجسس على مصالح أمريكية.
محاولة يائسة لإنكار الواقع
في مقاله المنشور صباح اليوم، يحاول منبر نزار التقليل من شأن عقيدة “فا فو” FAFO (تلاعب وستكتشف العواقب) التي تعتمدها الإدارة الأمريكية. ومن خلال وصف اعتقال مادورو بأنه “خدعة كبرى”، يسعى لطفي نزار إلى طمأنة رعاته داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية، وطمأنة نفسه قبل كل شيء، بأن منطق الحصانة لا يزال قائما.
تجاهل تحذير أمريكي صريح
يتعمد نزار تجاهل التحذير الصارم الذي أطلقه قبل ساعات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، موجها كلامه تحديدا إلى من يشككون في الحزم الأمريكي:
“لا أفهم حتى الآن كيف أنهم لم يستوعبوا الأمر بعد، لكن إن لم تكونوا تعلمون، فالآن تعلمون. الأمور ستسير على هذا النحو. هذا ليس رئيسا يكتفي بالكلام، وإذا قال شيئا بجدية، فهو يعنيه فعلا.”
إن تجاهل هذا التحذير قراءة انتحارية للواقع. فإذا كان نيكولاس مادورو، رئيس دولة محاط بأنظمة حماية روسية وحراس كوبيين، قد جرى استخراجه في أقل من 24 ساعة بعد تجاهله الرسالة نفسها، فما الذي يحمي لطفي نزار، وهو مجرد رجل أعمال فار، معروف الموقع في الجزائر، ومعروفة ممتلكاته في إسبانيا؟

سيف العدالة الفيدرالية
المفارقة أن لطفي نزار يختار استفزاز واشنطن في وقت يظل فيه حكم فيدرالي صادر عن المحكمة الفيدرالية للدائرة الشمالية لولاية نيويورك، تحت رقم 5:17-CV-424 (LEK/TWD)، معلقا فوق رأسه كسيف ديموقليس.
وقائع قانونية لا تقبل الجدل
الملف لا يقوم على ادعاءات إعلامية، بل على معطيات قضائية ثابتة:
-
دين يناهز 27 مليون دولار: في مارس 2023، ألزمت المحكمة شركة SmartLink Communication (SLC) بدفع ما يقارب 27 مليون دولار لصالح الشركة الأمريكية Wizara LLC.
-
الهروب من العدالة: فر لطفي نزار من الولايات المتحدة سنة 2022، وقطع علاقته بمحاميه ورفض تنفيذ الحكم، في سلوك تعتبره المحاكم الأمريكية ازدراء صريحا للقضاء.
-
تهم تجسس خطيرة: وهو الأخطر في نظر الـFBI ووكالة الـCIA، حيث استخدمت شركته معدات أمريكية لإنشاء “أبواب خلفية” غير قانونية، مكّنت من التجسس على اتصالات السفارة الأمريكية في الجزائر.
استفزاز خطير لشخصيات لا تنسى
إن مهاجمة دونالد ترامب وماركو روبيو علنا تمثل خطأ استراتيجيا فادحا. فكلا الرجلين جعلا من ملاحقة “الفاعلين الخبيثين” أولوية سياسية شخصية. ويعرف عن ماركو روبيو، تحديدا، أنه لا ينسى الأنظمة أو الأفراد المتورطين في تسهيل الإرهاب أو التجسس.
وباستخدام منبره لنشر نظريات مؤامرة حول العملية الفنزويلية، لا يفعل نزار سوى جذب انتباه وزارتي العدل والخزانة الأمريكيتين إلى أصوله المالية، وهو ما سيترتب عليه تحرك عملي لا محالة.
أصول مكشوفة وروافع جاهزة
على عكس مادورو الذي كان متحصنا داخل قصر رئاسي محصن، جعل لطفي نزار ثروته مكشوفة بالكامل للغرب. ومع الزخم الذي اكتسبته الإدارة الأمريكية بعد نجاح عملية مادورو، بات تنفيذ حكم الـ27 مليون دولار مسألة تقنية فقط، عبر عدة مسارات:
-
شقة برشلونة: رقم 307 بشارع مونتانير، وتقدر قيمتها بعدة ملايين من اليوروهات.
-
الحسابات السويسرية: أموال مرتبطة بمنظومة تبييض الأموال التي كشفتها فضيحة Swiss Leaks.
-
أرض تاراغونا: مساحة 6000 متر مربع في منطقة أميتيا دي مار.
رهان خاسر على أوروبا
صحيح أن الجزائر تحاول تجاهل معاهدة المساعدة القانونية المتبادلة في المجال الجنائي مع الولايات المتحدة، الموقعة في 7 أبريل 2010، لكن هذه المعاهدة تعمل بكامل فعاليتها بين واشنطن ومدريد. وبوصفه العملية الأمريكية بـ“الخدعة”، يراهن لطفي نزار على أن أوروبا ستوفر له الحماية من أمريكا، وهو رهان يتهاوى أمام الصمت الأوروبي المطبق بعد عملية استخراج مادورو.
نهاية زمن الإفلات من العقاب
عنوان مقال “ألجيري باتريوتيك” القائل: “لماذا الاعتقال المزعوم مجرد خدعة”، يبدو أقرب إلى مرثية مسبقة. يحاول لطفي نزار استدعاء الوهم لتأجيل المصير، لكن الواقع أكثر قسوة: زمن الإفلات من العقاب انتهى. فباستفزازه الولايات المتحدة في اليوم نفسه الذي تستعرض فيه قوتها بلا حدود، يكون نجل الجنرال نزار قد وضع اللمسات الأخيرة على انهيار إمبراطوريته المالية. لقد “لعب”، وهو الآن على وشك أن “يكتشف” العواقب.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..