على بُعد كيلومترات قليلة من مدينة تيبازة، وعلى مرتفعات الساحل الجزائري، ينتصب واحد من أكثر المعالم الأثرية إثارة للغموض في شمال إفريقيا: الضريح الملكي لموريطانيا، المعروف أيضًا باسم قبر المسيحية أو قبر الرومية (Kbor er Roumia).
ويُعد هذا الصرح التاريخي جزءًا من الموقع الأثري لتيبازة، المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1982، ويشكل شاهدًا بارزًا على تعاقب الحضارات والتأثيرات الثقافية التي عرفتها المنطقة في العصور القديمة.
ضريح ملكي في قلب الجزائر القديمة
يقع الضريح الملكي لموريطانيا في ولاية تيبازة، ضمن أراضي بلدية سيدي راشد، فوق أحد مرتفعات الساحل الجزائري.
ولا ينبغي الخلط بين مملكة موريطانيا القديمة ودولة موريتانيا الحالية، إذ كانت موريطانيا في العصور القديمة مملكة واسعة في شمال إفريقيا امتدت أجزاء كبيرة من بلاد المغرب. وخلال عهد الملك يوبا الثاني، أصبحت المنطقة فضاءً تتقاطع فيه التأثيرات المحلية الأمازيغية مع الحضارات الرومانية واليونانية والمصرية.
هندسة معمارية تثير الدهشة
يتميز الضريح الملكي بضخامته وبنيته المعمارية الفريدة. ويبلغ قطره نحو 60.90 مترًا، فيما تصل الزاوية العلوية للصرح إلى ارتفاع يقارب 32.40 مترًا.
ويتكون البناء من قاعدة مربعة، تعلوها بنية دائرية ضخمة، ثم سقف مخروطي مدرج يشبه في تصميمه بعض المعالم الجنائزية القديمة في منطقة البحر المتوسط.
كما يجمع الضريح بين عناصر معمارية محلية وتأثيرات خارجية، من بينها التأثيرات الهيلينستية والمصرية القديمة. وكانت واجهته مزينة بأعمدة من الطراز الأيوني، إضافة إلى أربع أبواب وهمية موزعة حول المبنى.
أما في الداخل، فتوجد ممرات تؤدي إلى الجزء المركزي المخصص للوظيفة الجنائزية للصرح.
لماذا سُمّي «قبر المسيحية»؟
يُعرف الضريح في المصادر المحلية والشعبية باسم قبر المسيحية، وهو اسم ارتبط بتصميم الأبواب الوهمية الموجودة على جوانب المبنى.
وتشير المصادر التابعة لليونسكو إلى أن القوالب والزخارف المحيطة بهذه الأبواب تشكل هيئة تشبه الصليب اللاتيني، وهو ما ارتبط بتسمية monument باسم «قبر المسيحية».
كما يُعرف المبنى باللغة الأمازيغية باسم Kbor er Roumia، أي «قبر الرومية».
غير أن هذه التسمية لا تعني بالضرورة أن الضريح شُيّد لشخصية مسيحية، إذ يعود أصل البناء إلى فترة أقدم بكثير من انتشار المسيحية في المنطقة.
هل كان قبر يوبا الثاني وكليوباترا سيليني الثانية؟
ارتبط الضريح منذ فترة طويلة باسم الملك يوبا الثاني وزوجته كليوباترا سيليني الثانية، وهي الفرضية الأكثر شهرة بشأن هوية الشخصيات التي كان من المفترض أن يكون الصرح مدفنًا لها.
وكان يوبا الثاني ملكًا على موريطانيا، بينما كانت كليوباترا سيليني الثانية شخصية ذات أصل ملكي استثنائي، فهي ابنة كليوباترا السابعة ملكة مصر ومارك أنطونيوس.
وبعد زواجها من يوبا الثاني، أصبحت ملكة موريطانيا، ولعب الزوجان دورًا بارزًا في تاريخ المملكة وعلاقاتها بالعالم المتوسطي.
ورغم انتشار هذه الرواية، فإن تحديد هوية المدفونين داخل الضريح بشكل نهائي لا يزال موضع نقاش تاريخي وأثري، إذ لا توجد أدلة حاسمة تسمح بحسم المسألة بصورة نهائية.
لغز أثري لم يُحسم بالكامل
تكمن جاذبية الضريح الملكي لموريطانيا في أن جزءًا من تاريخه لا يزال غامضًا.
فرغم الدراسات والحفريات والأبحاث التي تناولت المبنى، ما زالت هناك تساؤلات حول تفاصيل بنائه والغرض الدقيق من بعض عناصره، وكذلك حول هوية الأشخاص الذين دُفنوا فيه.
ومع ذلك، فإن الطابع الجنائزي للصرح واضح، إذ تقود الممرات الداخلية إلى القسم المركزي الذي صُمم ليكون جزءًا من البناء الجنائزي.
ملتقى الحضارات في شمال إفريقيا
لا تكمن أهمية الضريح في كونه مقبرة ملكية ضخمة فحسب، بل أيضًا في كونه شاهدًا على حجم التفاعل الحضاري الذي عرفته منطقة شمال إفريقيا في العصور القديمة.
فمدينة تيبازة نفسها كانت في البداية مركزًا تجاريًا قرطاجيًا، قبل أن تتحول لاحقًا إلى مدينة مهمة خلال الفترة الرومانية.
ويضم الموقع الأثري المحيط بها بقايا تعود إلى مراحل متعددة، من بينها الحضارات الفينيقية-القرطاجية والرومانية والمسيحية القديمة والبيزنطية، إلى جانب عناصر مرتبطة بالتقاليد المحلية في شمال إفريقيا.
ويعكس الضريح هذا التنوع بوضوح من خلال الجمع بين تقاليد البناء المحلية والتأثيرات التي جاءت من مختلف أنحاء البحر المتوسط.
أحد أبرز معالم تيبازة الأثرية
يبقى الضريح الملكي لموريطانيا في تيبازة واحدًا من أكثر المعالم الأثرية إثارة للاهتمام في الجزائر، ليس فقط بسبب حجمه الكبير، ولكن أيضًا بسبب هندسته المميزة والجدل الذي لا يزال يحيط بتاريخه وهويته.
ويقدم هذا المعلم صورة عن عمق تاريخ شمال إفريقيا وعن التفاعل بين الممالك المحلية والحضارات المتوسطية قبل قرون طويلة من العصور الإسلامية والحديثة.
وبفضل موقعه ضمن المشهد الأثري لمدينة تيبازة، يواصل الضريح الملكي جذب الباحثين والمهتمين بالتاريخ والآثار، باعتباره جزءًا مهمًا من التراث الإنساني للجزائر وشمال إفريقيا.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..