منذ عدة أيام، فرض اسم غير متوقع نفسه في صلب المشهد الجزائري الفرنسي: سيغولين رويال. الوزيرة الفرنسية السابقة، وأحد أبرز الوجوه السياسية في فرنسا، لكنها اليوم من دون أي صفة رسمية، ومع ذلك استُقبلت في الجزائر من قبل السلطات، وعلى مستويات عالية. زيارة تثير الاستغراب، وتطرح تساؤلات، وتفجّر ردود فعل واسعة في سياق أزمة دبلوماسية عميقة بين باريس والجزائر.

زيارة لا تقول ما يظنه البعض

خلافا لبعض التأويلات المتسرعة، لا تمثل هذه الزيارة وساطة رسمية ولا مبادرة مفوضة من قصر الإليزيه أو وزارة الخارجية الفرنسية. سيغولين رويال لا تمثل الحكومة الفرنسية ولا الدبلوماسية الرسمية لباريس. ولا تحمل أي رسالة رسمية أو مشروع تفاوض منظم. وهذا الطابع غير الرسمي هو بالذات ما يمنح وجودها في الجزائر دلالته الحقيقية.

فهذه الزيارة لم تحدث لأن العلاقات في تحسن، بل لأنها في حالة انسداد. القنوات الدبلوماسية التقليدية مجمدة، والحوار السياسي في أدنى مستوياته، ولا ترغب أي من العاصمتين في تحمّل كلفة القطيعة العلنية. وعليه، لا يعكس هذا التحرك انفراجا، بل إدارة هادئة للأزمة عبر مسارات موازية.

أزمة تشكلت عبر الزمن

لفهم ردود الفعل، يجب وضع هذه الزيارة في سياق زمني طويل. فمنذ عام 2021، تعلن باريس والجزائر رسميا رغبتهما في المصالحة، خاصة في ما يتعلق بملف الذاكرة الاستعمارية. لجان مؤرخين، إشارات رمزية، وتصريحات تهدئة، كلها توحي بالتقارب. غير أن هذه المصالحة بقيت إلى حد كبير وهمية.

فالذاكرة الاستعمارية ما تزال ملفا شديد الحساسية: الاعتراف بالجرائم، فتح الأرشيف، والمسؤولية عن التجارب النووية في الصحراء. وتعتمد فرنسا مقاربة حذرة ورمزية، تتجنب أي اعتراف قانوني ملزم. وإلى جانب ذلك، تبقى ملفات أخرى مثل التأشيرات والهجرة والتعاون الأمني، عناصر دائمة لإبقاء العلاقة تحت التوتر.

نقطة التحول: الصحراء الغربية

جاء التحول الحقيقي في صيف 2024، عندما أعلنت فرنسا رسميا دعمها لمخطط الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية. في باريس، قُدم القرار على أنه براغماتي، قائم على قراءة واقعية لموازين القوى الإقليمية، وعلى تقارب استراتيجي مع الرباط.

أما في الجزائر، ففُهم الأمر بشكل مغاير تماما. فدعم حق تقرير المصير للشعب الصحراوي يعد مبدأ ثابتا وغير قابل للتفاوض في السياسة الخارجية الجزائرية. لذلك اعتُبر الموقف الفرنسي قطيعة سياسية كبرى، لتأتي الردود سريعة وحازمة: استدعاء السفير، تعليق الاتصالات رفيعة المستوى، وانهيار تدريجي للثقة المؤسسية.

تصعيد في الذاكرة والإعلام

منذ صيف 2024، تجاوزت الأزمة ملف الصحراء. ففي ديسمبر، صادق البرلمان الجزائري على قانون يصف الاستعمار الفرنسي بالجريمة. وهكذا انتقل النقاش الذاكري من الرمزية إلى الإطار القانوني، ليشمل الجرائم الاستعمارية، والتجارب النووية، والأرشيف، وتجريم تمجيد الاستعمار.

وجاء الرد الفرنسي سريعا، حيث عبّرت الخارجية الفرنسية عن تحفظها ونددت بالمبادرة. وتفاقم التوتر أكثر. وفي مطلع 2026، زادت أزمة جديدة من تعقيد الوضع، بعد بث قناة فرنسية عمومية برنامجا حول شبكات جزائرية في فرنسا بمشاركة مسؤول دبلوماسي فرنسي. بالنسبة للجزائر، لم يكن الأمر مجرد تحقيق إعلامي، بل رسالة سياسية غير مباشرة في توقيت حساس، ما دفعها إلى استدعاء الممثل الفرنسي، في خطوة رفعت منسوب التصعيد.

الدلالة الحقيقية للزيارة

في هذا المناخ المشحون، حيث انعدام الثقة واستحكام الجمود، جاءت زيارة سيغولين رويال. لم تحل أي ملف، ولم تكسر أي قيد، لكنها كشفت الكثير. فقد أبرزت وجود علاقة تُدار بشكل اصطناعي عبر قنوات غير رسمية، في انتظار قرار سياسي واضح.

من الجانب الجزائري، تحمل هذه الاستضافة رسالة مفادها أن القنوات لم تُغلق نهائيا، لكن الخطوط الحمراء المرتبطة بالصحراء الغربية والسيادة والذاكرة الاستعمارية لا تزال ثابتة. أما من الجانب الفرنسي، فتمثل الزيارة اختبارا للاتجاهات، ومحاولة لفتح باب تواصل من دون التزام رسمي، واستكشاف هامش الحركة الممكن من دون كلفة دبلوماسية فورية.

علاقة معلقة على قرار سياسي

إن ردود الفعل على هذه الزيارة تعكس مأزقا بنيويا أكثر مما تعكس حدثا معزولا. فالأزمة الجزائرية الفرنسية ليست طارئة ولا عابرة، بل نتاج تراكم قرارات وسوء تقدير وانكسار ثقة. وما لم تتم معالجة الملفات الجوهرية بوضوح سياسي، ستبقى العلاقة متقلبة بين جمود طويل وأزمات متكررة.

ولهذا الجمود كلفة حقيقية أمنية واقتصادية وإنسانية، خصوصا على المواطنين والجاليات في البلدين. والخروج من الأزمة مرهون بخيار حاسم: إما إعادة صياغة العلاقة على أسس جديدة، أو الإبقاء على علاقة دنيا بلا ثقة ولا قطيعة صريحة. زيارة سيغولين رويال ليست حلا، بل هي عرض لأزمة دبلوماسية بلغت حدودها.

هيئة التحرير / LEMED24