لا تزال السلطات الجزائرية تلتزم صمتًا مطبقًا بشأن مصير جلول سلامة، المهندس المختص في الاستراتيجيات الاقتصادية والهندسة المالية، والذي اختفى عن الأنظار مباشرة بعد ظهوره في برنامج حواري على قناة “الحياة”، حيث عبّر عن شكوكه حول الجدوى الاقتصادية للطريقة التي تعتمدها الدولة في استغلال منجم غار الجبيلات.

ورغم أن سلامة ليس معارضًا سياسيًا، ولا ينتمي إلى أي تيار معادٍ للنظام، بل عُرف بتحليلاته الاقتصادية الهادئة والموضوعية، فإن تصريحاته الأخيرة تحولت إلى “جريمة سياسية” بنظر السلطة، ليجد نفسه، حسب تسريبات إعلامية، متهمًا بالخيانة والتخابر مع جهات أجنبية، فقط لأنه ناقش أرقامًا ومعطيات تقنية حول مردودية المشروع.

اختفاء غامض بعد حلقة محذوفة

بعد بث الحلقة المثيرة للجدل، سارعت القناة إلى حذفها من جميع منصاتها، قبل أن تعوّضها بحلقة أخرى تمجّد المشروع وتتبنى الخطاب الرسمي بالكامل. ومنذ ذلك الحين، لم يظهر جلول سلامة علنًا، ولم يصدر أي بيان رسمي يوضح وضعه القانوني أو مكان وجوده، ما فتح الباب أمام روايات خطيرة حول تعرضه للاعتقال السري.

الصحافي الجزائري المقيم في فرنسا عبدو السمار، مؤسس موقع Algerie Part، كشف أن سلامة موقوف فعليًا، وأن لائحة اتهامات جرى إعدادها ضده، أخطرها زعم أن له “أصولًا مغربية”، إلى جانب تهم الخيانة والتخابر مع “دولة معادية”، وهي اتهامات قد تصل عقوبتها، وفق القانون الجزائري، إلى الإعدام.

“الأصول المغربية” تتحول إلى تهمة

بحسب السمار، فإن التحقيق يشرف عليه مسؤول في جهاز الدرك برتبة كولونيل، وهو من حرّك قرار الاعتقال. كما أشار إلى أن أجهزة الأمن تزعم امتلاكها “معطيات” عن صلات مزعومة تربط سلامة بالمغرب، جرى تأويلها على أنها تخابر مع طرف خارجي، فقط لأن جذوره العائلية تعود إلى المملكة.

هذه الرواية تعكس مستوى غير مسبوق من التوظيف السياسي للهوية، حيث تتحول الخلفية العائلية إلى أداة تجريم، وتُستخدم لإسكات أي صوت يشكك في الخطاب الرسمي، ولو كان ذلك بلغة الأرقام والتحليل الاقتصادي البحت.

أرقام أزعجت السلطة

أصل الأزمة يعود إلى ما قاله سلامة بشأن طبيعة الحديد المستخرج من غار الجبيلات. فبحسب تحليله، فإن أفضل أنواع الحديد في الأسواق العالمية تُباع بين 108 و112 دولارًا للطن، مع نسبة فوسفور لا تتجاوز 0,002 في المائة.

أما حديد غار الجبيلات، فيحتوي على نسبة تصل إلى 0,8 في المائة من الفوسفور، ما يخفض سعره إلى ما بين 75 و80 دولارًا للطن. ويضاف إلى ذلك أن نقل الطن الواحد إلى وهران يُنقص قيمته دولارًا أو دولارين، ثم يتطلب 20 دولارًا إضافيًا لإزالة الفوسفور، ما يعني أن نصف قيمته تقريبًا يُفقد قبل وصوله إلى السوق النهائية.

هذه المعطيات دفعت سلامة إلى القول إن تصدير الحديد في وضعه الخام يفتقر إلى الجدوى الاقتصادية، وأن الخيار الأنسب هو توجيهه إلى الصناعات التحويلية داخل البلاد. غير أن هذا الطرح، بدل أن يُناقش تقنيًا، قوبل باتهامات أمنية خطيرة.

ملف اقتصادي أم ورقة صراع سياسي؟

رغم الطابع التقني البحت لما قاله سلامة، فإن ملف غار الجبيلات ليس اقتصاديًا فقط، بل سياسي بالدرجة الأولى. فالجزائر قررت استغلال المنجم بشكل منفرد، في سياق صراعها مع المغرب، رغم وجود اتفاقية موقعة بتاريخ 15 يونيو 1972، في إطار معاهدة ترسيم الحدود.

وتنص هذه الاتفاقية على أن المنجم يوجد على التراب الجزائري، لكنه مرتبط لوجستيًا بالمغرب، الذي يملك منفذ التصدير عبر ميناء على المحيط الأطلسي. ولهذا الغرض، جرى الاتفاق على إنشاء شركة جزائرية مغربية مشتركة، تُنقل عبرها نحو 700 مليون طن من الحديد بالقطار إلى الميناء.

كما تنص الوثيقة على أن أسهم الشركة موزعة بالتساوي بين الدولتين، وأن ملكية المنجم تعود بالكامل للجزائر بعد 60 عامًا من بدء الاستغلال الفعلي. غير أن الجزائر أعلنت سنة 2023 استحواذها الكامل على المشروع، في خطوة أحادية تتعارض مع روح الاتفاق.

قضية جلول سلامة تكشف كيف يمكن لتحليل اقتصادي أن يتحول إلى “تهديد للأمن القومي” في دولة تُدار فيها المشاريع الكبرى بعقلية سياسية وأمنية، لا بمنطق الجدوى والتنمية.

فبدل الرد بالأرقام والحجج، اختارت السلطة الصمت، ثم الاتهام، ثم الإخفاء. وهي رسالة واضحة لكل خبير أو مختص يفكر في كسر الرواية الرسمية: الحقيقة في الجزائر قد تُصنّف خيانة.

هيئة التحرير / LEMED24