بقلم عبد الرحمن فارس
في عالم المال، نظام بونزي هو مخطط احتيالي يُكافئ المستثمرين الأوائل بأموال اللاحقين. يستمر ما دام المال الجديد يتدفق. وينهار عندما تلحق الحقيقة الرياضية بالوعد.
في 27 يناير 2026، أطلقت الدولة الجزائرية قرضًا سنديًا «غير مسبوق» بقيمة 297 مليار دينار بنسبة فائدة 6%.
في اليوم نفسه، اختفى الرجل الذي كان قد أثبت أن أصلها الصناعي الرئيسي لا يساوي شيئًا.
اسمه جلول سلامة. اقتصادي. خبير في الهندسة المالية. ليس معارضًا، ولا ناشطًا، ولا صحفيًا. تقني.
جريمته؟ أنه أجرى عملية قسمة. علنًا. على شاشة التلفزيون.
كان النظام العسكري في الجزائر قد أعلن أكبر مشروع صناعي في تاريخه: غار جبيلات. منجم حديد عملاق في الصحراء. خط سكة حديد بطول 950 كيلومترًا. «شراكة استراتيجية» مع الصين. مليارات الدولارات. المستقبل المشرق للأمة.
سلامة أخرج آلته الحاسبة.
3.5 مليارات دولار للبنية التحتية. 65 مليون دولار عائدات سنوية. النتيجة: ثلاثة وخمسون عامًا للوصول إلى نقطة التعادل. دون فوائد. دون صيانة. دون تجاوزات.
قال جملة: «أنفقتم 3.5 مليارات. للوصول إلى نقطة التعادل نحتاج خمسين سنة. إن لم نقل ستين».
وأضاف جملة أخرى: «هذا المشروع مختبر في الهواء الطلق».
في يناير 2026، جاءت الدركية لاصطحابه.
ومنذ ذلك الحين، لا شيء. لا تهمة. لا محاكمة. لا محامٍ. اختفى.
أردنا أن نفهم لماذا.
فتشنا سجلات الشركات الصينية. راجعنا أرشيف وزارة التجارة في بكين. حللنا هياكل الكونسورتيوم. تتبعنا التدفقات المالية. حددنا المستفيدين.
ما وجدناه ليس فضيحة.
إنه اغتصاب.
اغتصاب منهجي، منظم، صناعي لأمة، من قبل من يدّعون قيادتها.
لم يُعتقل سلامة بسبب رأي سياسي.
تم محوه لأنه كشف معادلة البونزي.
وعد النظام بمنجم «من الطراز العالمي» ليحل محل النفط. التزم بمليارات من النفقات الفورية. لكن الخام غير قابل للاستغلال، فمستوى الفوسفور فيه يعادل أربعمائة مرة الحد المقبول. التكنولوجيا لمعالجته غير موجودة. العائدات سراب. المشروع لن يسدد أبدًا الديون التي بُني بها.
لذا، للحفاظ على الوهم ودفع عقود الجنرالات، يجب على الدولة إيجاد أموال جديدة. تطلق قرضًا وطنيًا. ترهن البلاد لدفع فواتير مشروع لن يدر شيئًا قبل 2080.
هذا ليس سوء كفاءة. وليس «استثمارًا سيئًا».
إنه هرم مالي على مستوى أمة.
أموال حملة السندات اليوم تدفع مستحقات متعهدي الأمس، على وعد بثروة مستقبلية لن توجد أبدًا.
شركة ألواح شمسية بلا خبرة تعدين تمتلك حصصًا في أكبر مشروع حديد في إفريقيا. مُنشئ صيني مُدرج على القائمة السوداء للبنك الدولي بسبب الفساد وغسل الأموال. متعهدون أشباح، أُنشئوا قبل أشهر من العقود، يفرضون ثلاثة أضعاف سعر السوق. «مختبر أبحاث» يقبض عشرات الملايين لتطوير تكنولوجيا غير موجودة في أي مكان في العالم. قرض وطني «لحامله» أُطلق في يوم اختفاء سلامة، مثالي لغسل أموال الجنرالات.
وفي مركز كل ذلك: عشيرتان. الجيش. الرئاسة. بين 500 مليون و1.5 مليار دولار يتصارعون عليها فوق جسد بلد.
هدد سلامة هذا الذبح بآلة حاسبة.
فتم إسكاتُه.
وهذا ما كان قد وجده.
الجزء الأول: الكذب
لقد كُذب عليكم.
يُحدثونكم عن «شراكة استراتيجية صينية جزائرية». يعرضون خرائط، مخططات، تدشينات، مصافحات أمام الكاميرات. يعلنون أكبر منجم حديد في إفريقيا. خطًا بطول 950 كيلومترًا عبر الصحراء. المستقبل الصناعي للأمة. النهضة الاقتصادية. الجزائر الجديدة.
رجل واحد أخرج آلته الحاسبة.
فانهار كل شيء.
هذا الرجل هو جلول سلامة، اقتصادي وخبير في الهندسة المالية. ليس ناشطًا، ولا سياسيًا، ولا معارضًا، ولا صحفيًا. إنه تقني.
فعل ما لا يُفترض بتقني أن يفعله في هذا البلد: عدّ.
نظر إلى الخام. نظر إلى التكاليف. نظر إلى العائدات. وطرح السؤال المحظور على التلفزيون: أين هي الربحية؟
وهو مفقود منذ عدة أيام.
لنبدأ بما لا يقوله النظام العسكري في الجزائر أبدًا.
الخام
حديد غار جبيلات يحتوي على 0.8% من الفوسفور.
لا يعني لك هذا الرقم شيئًا؟ يجب أن يعني.
المعيار العالمي لخام قابل للتسويق هو 0.002%. أي أن الخام الجزائري يحتوي على أربعمائة مرة الحد المقبول.
هذا ليس خامًا. إنه نفاية صناعية.
في الأسواق العالمية، يُصنف هذا النوع «عالي الشوائب». الأوروبيون لا يريدونه. الهنود لا يريدونه. حتى الصينيون (الذين يشترون كل شيء) لا يقبلونه إلا بخصم كبير: ناقص 25 دولارًا للطن، على الأقل.
لدى النظام العسكري في الجزائر جواب. وعد. سيجري «نزع الفوسفور». تكنولوجيا معجزة. عملية ثورية.
هذه التكنولوجيا غير موجودة في أي مكان في العالم.
هي «قيد التطوير». موضوع «دراسات جدوى». وستكون جاهزة «قريبًا».
قريبًا. دائمًا قريبًا.
وفي الانتظار، تدفع الجزائر.
الاستثمار
يحدثونكم عن مليارات صينية. عن تدفق رؤوس أموال أجنبية. عن ضخ هائل في الاقتصاد الوطني.
بحثنا وفتشنا. في كل مكان.
فتشنا سجلات الشركات الصينية. أرشيف وزارة التجارة في بكين. التصريحات الرسمية لكونسورتيوم CMH.
النتيجة: صفر.
لا يوجد أي أثر لتحويل أموال صينية إلى الخزينة الجزائرية. لا يوان واحد. لا دولار واحد. لا شيء.
خلف «الشراكة» يختبئ في الواقع عقد بسيط من نوع هندسة وتوريد وبناء، المعروف بـ EPC. بمعنى واضح: الجزائر تدفع للصين لبناء البنية التحتية. الصين لا تدفع شيئًا للجزائر لاستغلال المنجم.
المال يسير في اتجاه واحد.
من الجزائر إلى بكين.
الأرقام
تكلفة خط السكة الحديد: 3.5 مليارات دولار. على الأقل. دون المنشآت المنجمية. دون الموانئ. دون التجاوزات.
العائدات السنوية من تصدير الخام، في أفضل الفرضيات: 65 مليون دولار.
اقسموا.
لسداد البنية التحتية وحدها، نحتاج ثلاثة وخمسين عامًا.
دون فوائد.
دون صيانة.
دون تجاوزات.
وهذا يفترض أن الخام قابل للبيع. وهو ليس كذلك، دون تلك التكنولوجيا الموعودة، غير الموجودة.
العائد الحقيقي على الاستثمار؟
أبدًا.
لخص جلول سلامة الوضع بجملة واحدة.
جملة كلّفته اختفاءه.
«أنفقتم 3.5 مليارات دولار. للوصول إلى نقطة التعادل نحتاج خمسين سنة. إن لم نقل ستين».
وأضاف كلمة واحدة قلبت كل شيء.
سمّى غار جبيلات بما هي عليه: «مختبر في الهواء الطلق».
تجربة. اختبار واسع النطاق. ممول من دافع الضرائب الجزائري.
إن نجحت التكنولوجيا يومًا، ستطوّر الصين عملية ثورية على حساب الجزائر، وتطبقها في كل مكان، وتجني مليارات.
وإن فشلت، وهو ما سيحدث، تكون الشركات الصينية قد قبضت 3.5 مليارات دولار عقود بناء، وتبقى الجزائر مع سكة إلى لا شيء. نصب في وسط الصحراء. قبر من الخرسانة والفولاذ لأحلام أمة.
في يناير 2026، اختُطف جلول سلامة.
لا تهمة علنية.
لا محاكمة.
لا محامٍ.
لا أثر.
جاءت الدركية. واختفى.
فلنعد إلى الوقائع فقط.
المكمن معروف منذ 1952. سبعون عامًا من الدراسات. سبعون عامًا من التقارير. كلها تقول الشيء نفسه: الخام غير قابل للاستغلال في حالته الحالية. فوسفور مرتفع. لا ربحية قبل 2050، في أحسن الأحوال.
فلماذا استثمار ستة مليارات الآن؟
لأن الهدف ليس استخراج الحديد. الهدف هو استخراج المال.
في هذا النظام، الربح لا يأتي من الإنتاج. يأتي من عقود البناء. من الصفقات. من العمولات. من المبالغات في الفوترة. المال يغادر الخزينة. يمر عبر شركات واجهة. يصل إلى حسابات في دبي وجنيف وسنغافورة.
المنجم؟ ديكور. السكة؟ ذريعة.
المنتج الحقيقي هو تحويل الأموال.
لو كانت حساباته خاطئة، لدحضها النظام.
بالأرقام. بالتدقيق. بخبرات مضادة.
لم يفعل.
أرسل رجاله.
وأخفى المحاسب.
هذا اعتراف.
الجزء الثاني: آلية النهب
كيف يُسرق 3.5 مليارات دولار دون ترك أثر؟
لا تبحثوا عن حقائب أموال. لصوص النظام العسكري في الجزائر لا يتركون حقائب.
ابحثوا عن عُقد الاستخراج: النقاط داخل الدائرة المالية القانونية حيث تُحوّل الأموال العامة إلى جيوب خاصة. آليات غير مرئية. توقيعات عادية. عقود تبدو طبيعية، حتى ننظر إليها عن قرب.
لقد نظرنا عن قرب.
العقدة الأولى: الشركة الوهمية
الكونسورتيوم الصيني المكلف بتطوير منجم غار جبيلات، في إطار عقد EPC مع الجزائر، يُسمى CMH، وهو مرتبط بالجزائري FERAAL، فرع المجمع العمومي SONAREM.
هذا الكونسورتيوم الصيني يضم عملاقين تابعين للدولة:
-
MCC (شركة الصين المعدنية)
-
CWE (مجموعة تشاينا غيزوبا)
شركات ضخمة، ذات خبرة، خاضعة لسلاسل تدقيق ومراقبة صارمة، حيث إن أي محاولة لغسل الأموال ستكون مكشوفة بتواقيع وأختام عديدة.
ثم هناك العضو الثالث:
Hunan Shengshi Sunshine Technology Co., Ltd.
Hunan Heyday Solar
راجعنا سجلات الشركات في مقاطعة هونان. هذه شركة متخصصة في الألواح الشمسية. الطاقات المتجددة. لا خبرة لها في التعدين. لا كفاءة في المعادن. لا سجل لها في الحديد.
ومع ذلك، فهي تملك حصصًا متساوية داخل الكونسورتيوم إلى جانب MCC وCWE.
ماذا تفعل شركة ألواح شمسية صغيرة في أكبر مشروع منجمي في الجزائر؟
الجواب بسيط:
ليست هناك لإنتاج الطاقة.
إنها هناك لتحمل الحصص.
في الفساد الدولي، يُسمّى هذا النوع من البنى: وسيط، قشرة، قناة لتمرير الأموال خارج رادارات الامتثال الخاصة بالشركات العمومية الكبرى. لأن Hunan Solar ليست خاضعة لذات متطلبات الشفافية.
الآلية:
في مشروع طبيعي، إن احتجت كهرباء، تستأجر مزودًا، تدفع له، يركب معداته، ثم يرحل. لا تمنحه مقعدًا في مجلس الإدارة. ولا تعطيه أسهمًا في المنجم.
إلا إذا لم تكن هذه الحصص تخصه فعلًا.
غالبًا لم تدفع Hunan Solar أموالًا نقدية. بل قدّمت «معدات» كـ مساهمة عينية، قُدّرت محاسبيًا بأرقام خيالية.
محطة شمسية قيمتها الحقيقية 50 مليون دولار تُقيّم على الورق بـ200 مليون دولار.
150 مليون دولار «قيمة وهمية».
حصص لم تكلّف شيئًا لكنها تدر أرباحًا.
لمن تعود هذه الحصص فعليًا؟
شركة واجهة تحتفظ بها لحساب مستفيد خفي: وزير، جنرال، ابن رئيس.
عندما تدفع الشركة المشتركة أرباحًا أو «رسوم خدمة» إلى Hunan Solar، يكون المال نظيفًا. ينتقل من الجزائر إلى الصين، ثم إلى حساب خاص في سنغافورة أو دبي.
السؤال القاتل: أين نداء تحويل الأموال؟
هل حوّلت Hunan Solar نقدًا إلى حساب المشروع؟
إن كانت تملك حصصًا دون أن تدفع، فهذه الحصص هي وسيلة الرشوة.
تقدير: من 100 إلى 200 مليون دولار قيمة أصول وهمية.
العقدة الثانية: ابتزاز الرمل
خط السكة بُني من طرف CRCC، شركة China Railway Construction Corporation.
هذا الاسم يجب أن يهزّ كل جزائري.
هي من بنت طريق الشرق–الغرب. أكبر فضيحة فساد في تاريخ البلاد.
مبالغات، عيوب، رشاوى. وزراء في السجن. مليارات تبخرت.
وقد عاقبها البنك الدولي بسبب الفساد وغسل الأموال.
وهذه الشركة، هذا العائد إلى الجريمة، هو من اختاره النظام لغار جبيلات.
كيف يعمل الابتزاز؟
خط بطول 950 كم يعني:
80% أشغال تهيئة. رمل، حصى، إسمنت، ملايين الأطنان.
CRCC تجلب مهندسيها من الصين، لكنها تشتري المواد محليًا.
من من؟
المنطقة منطقة عسكرية. تندوف وبشار تحت سيطرة الجيش. لا تعمل إلا الشركات «المصرّح لها».
CRCC تُجبر على التعامل مع شركات مصادق عليها من وزارة الدفاع. أي: تشينغريحة.
هذه الشركات تفرض ثلاثة أضعاف سعر السوق.
CRCC تدفع. ثم تعيد الفوترة للدولة.
شركة صينية مُدانة بالفساد تشتري خدمات بثلاثة أضعاف السعر من شركات مرتبطة بالجيش، ثم ترسل الفاتورة إلى الخزينة.
الدولة تدفع.
بأموال من؟
بأموال دافع الضرائب الجزائري.
تقدير: 350 مليون دولار، أي 10% من ميزانية السكة.
العقدة الثالثة: مختبر الأبحاث
لأن الخام غير قابل للاستغلال، يجب «إزالة الفوسفور». التكنولوجيا غير موجودة. إذن: أبحاث.
وهنا، تصبح المشكلة ميزة.
الأبحاث لا تُقاس. لا تُراجع. لا تُسلّم.
عشرات الملايين لـ«نقل التكنولوجيا»، «الدراسات»، «التجارب».
تكلفة حقيقية 5 ملايين، تُفوتر بـ50 مليونًا.
الفرق يُقسّم: نصف للشركة الصينية، نصف لشركة استشارات في دبي يملكها الموقّع الجزائري.
تقدير: من 50 إلى 80 مليون دولار سنويًا.
العقدة الرابعة: السرقة المستقبلية
الصين هي المشتري الوحيد الممكن.
الخام يُباع بـ40 دولارًا للطن.
تُصنّعه الصين وتبيعه بـ150 دولارًا.
الربح خرج من الجزائر.
والنخب الجزائرية تحصل على عمولة عن كل طن، تُحوّل إلى دبي.
تقدير: من 10 إلى 30 مليون دولار سنويًا.
من يأكل ماذا؟
الجزائر كليبتوقراطية برأسين:
الجيش يأكل الأرض.
الرئاسة تأكل الورق.
عشيرة تشينغريحة: 350 مليون دولار.
عشيرة تبون: 100 إلى 200 مليون + 50 إلى 80 مليون سنويًا.
إجمالي النهب: من 500 مليون إلى 1.5 مليار دولار.
الجزء الثالث: التمويل العمومي
في 27 يناير 2026، أُطلق قرض وطني:
297 مليار دينار.
سندات «لحاملها».
6% معفاة من الضرائب.
من يملك جبال نقد لا يستطيع إيداعها؟
الجنرالات. الوزراء. مهربو الأمس.
يشترون السندات نقدًا.
يغسلون أموالهم.
يحصلون على فوائد.
والدولة ترهن أصولها عبر صكوك Sukuk Ijara.
وإذا عجزت؟
تصبح الأصول محل نزاع.
هذا بونزي دولة.
الجزء الرابع: الأسئلة
ثم تُطرح الأسئلة للوزارات، للبنك، للرئاسة، وللدرك:
أين جلول سلامة؟
على أي أساس اعتُقل؟
أين يُحتجز؟
لماذا لا يُسمح لمحامٍ برؤيته؟
هذه الأسئلة بسيطة.
وكل إجابة هي اعتراف.
وقّعوا.
انشروا.
واخبرونا:
أين جلول سلامة؟



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..