لم يعد الكذب السياسي في الجزائر مجرد زلة لسان أو مبالغة خطابية عابرة، بل تحول إلى أسلوب حكم قائم بذاته، تُدار به البلاد عبر وعود متكررة لا تجد طريقها إلى التنفيذ. آخر هذه الفصول ما صدر عن رئيس النظام الجزائري عبد المجيد تبون خلال زيارته الأخيرة إلى قسنطينة، حين أطلق وعدا رسميا بافتتاح مشروع غار جبيلات وبدء العمل فيه خلال شهر أو أقل، مقدما ذلك على أنه لحظة تاريخية غير مسبوقة منذ الاستقلال.

الخطاب أُلقي يوم 23 نونبر 2025، وبُث عبر القنوات الرسمية، ولم يكن ذلك حديثا عابرا في المقاهي، ولا كلاما متداولا في الشارع، بل وعدا صريحا من أعلى هرم السلطة. اليوم، ونحن في نهاية دجنبر، مر أكثر من شهر، ولا شيء تحقق. لا حفل، لا أشغال، لا قطارات، ولا حتى بيان توضيحي. المشروع الأسطوري عاد إلى مكانه الطبيعي: أرشيف الخطابات الكاذبة.

غار جبيلات، الذي طالما استُخدم كورقة دعائية، تحوّل إلى رمز صارخ لفجوة الخطاب والواقع. فبينما يتحدث تبون عن ألف كيلومتر من السكك الحديدية المنجزة دون استدانة، تؤكد الوقائع الميدانية أن لا شيء تغيّر. لا حديد تحرك، ولا اقتصاد انطلق، ولا حلم تحقق سوى في مخيلة الخطباء.

الكذبة الثانية لا تقل فجاجة، وتتعلق بما سماه تبون “الاكتفاء الذاتي من القمح”. تصريح خطير لأنه يمس الأمن الغذائي للمواطنين. ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس يتحدث بثقة عن تحقيق الاكتفاء، كانت الجزائر تشتري ما بين 810 و900 ألف طن من القمح في مناقصة دولية واحدة، بسعر يقارب 256 دولارا للطن شاملا الشحن. أرقام رسمية تكذب الخطاب الرئاسي بلا حاجة إلى تحليل أو تأويل.

الأدهى من ذلك أن تبون لم يكتف بالقمح الصلب، بل وسّع الكذبة لتشمل القمح اللين والذرة والشعير، بل وأدخل السدود في المشهد، مدعيا أن الجزائر من أكثر الدول امتلاكا للسدود وأنها قادرة على ضمان السقي الفلاحي. الحقيقة على الأرض تقول عكس ذلك تماما. سدود فارغة، أخرى تعاني أعطابا تقنية، ومياه لا تصل لا إلى الفلاح ولا إلى المواطن، في وقت تعيش فيه مناطق كاملة العطش على بعد كيلومترات من منشآت مائية معطلة.

لو كان تبون رئيسا ينزل إلى الميدان دون بروتوكول، لعاين الواقع بنفسه. لكن الحكم من خلف الشاشات، وسط تقارير مزورة واستقبالات مصطنعة، لا ينتج سوى خطابات منفصلة عن الحقيقة.

ويتكرر السيناريو ذاته مع ملف الصناعات الدوائية. يدّعي النظام تفوقا إفريقيا وعربيا، بينما الواقع أن ما يسمى إنتاجا دوائيا في الجزائر لا يتعدى إعادة تعبئة أدوية مستوردة أو مواد خام قادمة من الهند والصين. المواطن الجزائري يدفع الثمن، أدوية مشكوك في فعاليتها، وفضائح صامتة لا يعترف بها رسميا.

أما الذكاء الاصطناعي، فقد بلغ الكذب فيه مستوى مثيرا للسخرية. تبون يعلن أن الجزائر الأولى إفريقيا وعربيا في هذا المجال، متناسيا دولا مثل نيجيريا ومصر وجنوب إفريقيا التي تمتلك منظومات بحثية وصناعية حقيقية. الجزائر، التي لا تزال غارقة في البيروقراطية الورقية، تتحدث عن الروبوتيك والنانو تكنولوجي وكأنها قوة علمية عظمى.

المشكلة لم تعد في كذبة هنا أو هناك، بل في استخفاف فج بالشعب، وفي تحويل الخطاب الرئاسي إلى مادة للتهكم بدل أن يكون مصدر ثقة. ومع اقتراب 2026، لم يعد الجزائريون بحاجة إلى وعود جديدة ولا خطابات متلفزة، بل إلى حقيقة واحدة فقط: أن يتوقف هذا العبث، وأن يُترك ما تبقى من الزمن بلا أكاذيب إضافية.

هيئة التحرير / LEMED24