تشهد منطقة الخليج واحدة من أكبر موجات الحشد العسكري الأمريكي في السنوات الأخيرة، في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بحجم الانتشار فحسب، بل بطبيعته وأهدافه: هل نحن أمام ضغط تفاوضي مكثف، أم استعداد فعلي لضربة عسكرية قد تتطور إلى مواجهة أوسع؟

ما حجم الانتشار الأمريكي فعليا؟

المعطيات المتداولة تشير إلى نشر قدرات نوعية ثقيلة، من بينها حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد آر فورد، التي توصف بأنها الأكبر والأكثر تطورا في العالم، إلى جانب يو إس إس أبراهام لينكولن. كل حاملة ترافقها مجموعة قتالية متكاملة تشمل مدمرات وغواصات وأنظمة دفاع جوي وبحري متقدمة.

كما يجري الحديث عن انتشار يقارب 300 طائرة حربية، تضم مقاتلات إف 35 وإف 22 وإف 15 وإف 16، إضافة إلى قاذفات بي 2 الشبحية، وطائرات حرب إلكترونية، ومنظومات دفاع جوي مثل باتريوت وثاد. ويتمركز نحو 40 ألف جندي أمريكي في قرابة 19 قاعدة عسكرية بالمنطقة، خصوصا في الخليج والعراق.

في قاعدة العديد بقطر، تم رصد تعزيزات صاروخية على منصات متنقلة، ما يعكس جاهزية دفاعية وهجومية في آن واحد، ويمنح القوات الأمريكية مرونة تكتيكية في حال تعرضها لهجوم صاروخي.

ماذا تريد واشنطن؟

التحليلات تميل إلى أن الإدارة الأمريكية تستخدم ما يمكن تسميته دبلوماسية القوة. أي رفع مستوى التهديد العسكري إلى أقصى حد لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملفات حساسة، أبرزها البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي.

الرئيس الأمريكي لوح صراحة بإمكانية توجيه ضربات، وحدد مهلا زمنية للتوصل إلى اتفاق. غير أن أغلب التقديرات ترى أن حربا شاملة ضد إيران لا تخدم المصالح الأمريكية في هذه المرحلة، سواء بسبب كلفتها العسكرية والاقتصادية، أو بسبب تداعياتها على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة.

هل إيران قادرة على الرد؟

رغم الضغوط والعقوبات، لا تزال إيران تمتلك أدوات ردع معتبرة. فهي تملك أكثر من 2000 صاروخ باليستي، وآلاف الطائرات المسيّرة، وقوات بحرية قادرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

الحرس الثوري أجرى بالفعل مناورات في مضيق هرمز، في رسالة واضحة بأن أي هجوم لن يمر دون رد. كما هددت طهران باستهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج إذا تعرضت لضربة.

في المقابل، يعاني سلاح الجو الإيراني من تقادم كبير، إذ يعتمد على طائرات قديمة مثل إف 4 وميغ 29 وسوخوي 24، ما يحد من قدرته على خوض معارك جوية حديثة. لذلك، فإن الرد الإيراني المحتمل سيرتكز أساسا على الصواريخ الباليستية، المسيّرات، والحرب غير المتكافئة في البحر.

هل نحن أمام حرب وشيكة؟

المؤشرات الحالية لا توحي بحرب برية شاملة، إذ يعتبر هذا السيناريو ضعيف الاحتمال نظرا لتعقيداته وكلفته. لكن احتمال توجيه ضربات جوية محدودة أو تنفيذ عمليات سرية عبر قوات خاصة يبقى واردا، خاصة إذا تعثرت المفاوضات.

بعبارة أخرى، الحشد العسكري يبدو أقرب إلى أداة ضغط قصوى منه إلى إعلان حرب نهائي. غير أن خطورة المشهد تكمن في أن أي خطأ في الحسابات، أو ضربة محدودة غير محسوبة، قد تدفع الطرفين إلى تصعيد متبادل يصعب احتواؤه.

المنطقة تقف حاليا على حافة توازن دقيق: استعراض قوة أمريكي واسع، يقابله استعداد إيراني للرد. وبين الضغط والتصعيد، تبقى الدبلوماسية هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت هذه الحشود ستظل مجرد ورقة تفاوض، أم تتحول إلى شرارة مواجهة مفتوحة.