بلغ التوتر في منطقة الشرق الأوسط مستوى غير مسبوق خلال الأيام الماضية، مع تصاعد المؤشرات التي أوحت بأن ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران باتت وشيكة، وسط حالة استنفار أمني إقليمي شملت إغلاق مجالات جوية، وإجلاء بعثات دبلوماسية، وتحذيرات سفر واسعة النطاق. غير أن هذه الأجواء المشحونة سرعان ما تبددت بشكل مفاجئ، لتحل محلها حالة من الهدوء النسبي، بعد تقارير تحدثت عن تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ الهجوم، ولو بصورة مؤقتة.
هذا التحول المفاجئ أثار موجة من التساؤلات حول حقيقة ما جرى في كواليس القرار الأمريكي. فالرئيس الذي دافع في الأيام السابقة عن خيار التدخل العسكري بذريعة قمع السلطات الإيرانية للاحتجاجات الشعبية، عاد ليتحدث عن معلومات تفيد بتغيير طهران أسلوب تعاملها مع المتظاهرين، الذين خرجوا إلى الشوارع منذ أواخر الشهر الماضي احتجاجا على التدهور الاقتصادي والانهيار الحاد في قيمة العملة المحلية.
وبعيدا عن الجدل القانوني والأخلاقي المرتبط بتبرير التدخل العسكري في دولة ذات سيادة، يرى مراقبون أن هذا التراجع لا يمكن فصله عن نمط سلوك معروف للرئيس الأمريكي، سبق أن تجلى في أزمات دولية أخرى، حيث اتخذ قرارات أحادية استنادا إلى اتهامات لم تُدعم بأدلة قاطعة، وقدم نفسه كصاحب حق مطلق في معاقبة خصومه.
وتزداد علامات الاستفهام حدة مع تضارب الروايات بشأن الأسباب الحقيقية لتجميد الضربة. فبينما تتحدث بعض المصادر عن ضغوط من داخل الإدارة الأمريكية ومخاوف من تداعيات غير محسوبة، تشير أخرى إلى تحفظات إسرائيلية تتعلق بقدرة الضربة المقترحة على تحقيق هدف إضعاف النظام الإيراني، دون التسبب في رد انتقامي واسع النطاق.
وفي هذا السياق، لم تُخف وسائل إعلام إسرائيلية اعتقادها بأن التأجيل لا يعني الإلغاء، بل مجرد إعادة ضبط للتوقيت. كما أكدت أن حالة التأهب القصوى لا تزال قائمة، في انتظار ما ستؤول إليه قرارات واشنطن النهائية.
من جهته، كشف موقع أكسيوس الإخباري أن البيت الأبيض دخل في مشاورات مكثفة مع حلفائه، لبحث جدوى العمل العسكري ومخاطره، خصوصا في ما يتعلق بإمكانية زعزعة الاستقرار الإقليمي، أو جر الولايات المتحدة إلى مواجهة مفتوحة ذات كلفة سياسية وعسكرية باهظة. وأشار الموقع إلى أن تردد ترامب يعكس حالة عدم يقين داخل الإدارة الأمريكية نفسها، بين الرغبة في معاقبة إيران، والخشية من رد فعل إيراني قد يتجاوز التوقعات.
ورغم الحديث عن إفساح المجال أمام الدبلوماسية، واصل الجيش الأمريكي تعزيز وجوده العسكري في المنطقة، في رسالة مزدوجة تجمع بين التهدئة الظاهرية والاستعداد الميداني. في المقابل، صعّدت واشنطن من أدوات الضغط الأخرى، عبر فرض عقوبات جديدة استهدفت مسؤولين أمنيين وشبكات مالية إيرانية، في محاولة لإبقاء الضغط السياسي والاقتصادي دون الانزلاق الفوري إلى المواجهة العسكرية.
كما لعبت أطراف إقليمية دورا بارزا في خفض منسوب التوتر، إذ دعت عدة دول إلى ضبط النفس ومنح الحوار فرصة، محذرة من التداعيات الكارثية لأي تصعيد على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية. وقد انعكس هذا المناخ سريعا على أسعار النفط، التي تراجعت مع انحسار المخاوف من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز.
في المحصلة، يبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كان ما جرى يمثل تراجعا حقيقيا عن خيار الحرب، أم مجرد فصل جديد من سياسة الغموض والضغط التي ينتهجها البيت الأبيض، في انتظار اللحظة التي يراها مناسبة للانتقال من التهديد إلى التنفيذ.
هيئة التحرير / LEMED24



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..