بقلم هشام عبود
الاستقبال الذي خص به عبد المجيد تبون سيغولين رويال، بعد ظهر اليوم، يندرج أقل في إطار الدبلوماسية وأكثر في إطار الإخراج المسرحي. فالوزيرة الاشتراكية السابقة، التي جردت منذ زمن طويل من أي مسؤولية رسمية داخل الدولة الفرنسية، لا تشغل اليوم سوى وظيفة شرفية على رأس جمعية فرنسا الجزائر، وهي بنية هامشية، شبه غير مرئية، وظلت صامتة منذ أن غرقت العلاقات الجزائرية الفرنسية في أزمة سياسية عميقة ودائمة.
ومع ذلك، جرى التعامل مع هذه الزيارة على أنها حدث كبير. استقبال رسمي في القصر الرئاسي، لقاء وجها لوجه، تلاه اجتماع موسع ضم مدير ديوان رئاسة الجمهورية، ووزيرة الثقافة، والمستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، وكل ذلك من أجل استقبال مسؤولة جمعية جاءت بمفردها، من دون تفويض، من دون سلطة قرار، ومن دون أي نفوذ حقيقي داخل دوائر القرار الفرنسية.
هذا التناقض الساخر يكشف واقعا محرجا: السلطة الجزائرية تبدو في بحث يائس عن قناة تواصل مع فرنسا، بعد أن جرى تهميشها وتجاهلها بل وإبقاؤها عمدا على الهامش منذ قرابة عامين. وعاجزة عن إقامة حوار مؤسساتي على أعلى مستوى، تلجأ إلى شخصيات من الماضي السياسي الفرنسي، وكأن صورة وبيانا صحفيا كافيان لمنح وهم استعادة الحوار.
حاولت رئاسة الجمهورية إضفاء طلاء دبلوماسي على هذا المشهد بالحديث عن “مناقشات اقتصادية وسياسية” غامضة تهدف إلى “تحديد معالم” تعاون ثنائي في مجالات الاستثمار والطاقة والتنمية المستدامة والتعليم والثقافة. قائمة فضفاضة تُتلى آليا، بلا أي مضمون ملموس، وبلا التزام محدد، وبلا جدول زمني، وبلا محاور شرعي من الجانب الفرنسي.
وهنا يفرض السؤال نفسه بحدة: على من يضحكون؟ كيف يمكن الادعاء بجدية رسم ملامح تعاون استراتيجي مع شخصية لا تمثل لا الحكومة الفرنسية، ولا مؤسساتها، ولا مراكز قرارها؟ إلا إذا كان يُنظر إلى الدبلوماسية اليوم على أنها مجرد ابتسامات وعبارات جوفاء وبيانات فارغة.
المشكلة ليست في الشخص المستقبَل. بل في هذا الإخراج المفرط، وفي التضخيم الإعلامي، وفي هذه الرغبة المرضية في تمرير حدث ثانوي على أنه فعل سيادي. فالدولة ذات السيادة الحقيقية لا تسعى إلى الإبهار بالديكور، بل تفرض الاحترام من خلال انسجام سياستها الخارجية، ووضوح خياراتها، وقوة محاوريها.
ومن خلال عرض هذا الارتباك الدبلوماسي، لا تعزز السلطة الجزائرية صورتها ولا موقعها، بل تكشف على العكس ضعفا بنيويا: غياب استراتيجية واضحة، عزلة دولية متزايدة، وعجز عن تحمل علاقة ناضجة ومتوازنة ومؤسساتية مع القوة الاستعمارية السابقة.
السيادة لا تُعلن عبر البيانات. بل تُمارس. وفي ذلك اليوم، داخل القصر الرئاسي، كان الذي عُرض قبل كل شيء هو الفراغ السياسي.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..