في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، أقرت السلطات الأمريكية فرض كفالة مالية تتراوح بين 5000 و15000 دولار على المواطنين الجزائريين الراغبين في الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة من نوعي B1 وB2، الخاصة بالأعمال والسياحة. القرار صدر بشكل مشترك عن وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الأمن الداخلي، وبدأ تطبيقه ضمن حزمة إجراءات جديدة شملت 36 دولة مصنفة ضمن خانة “عالية المخاطر” من وجهة نظر واشنطن.

اللافت أن هذا الإجراء لا يشمل دولا مغاربية وعربية أخرى مثل المغرب وتونس ومصر، ما يعكس بوضوح موقع الجزائر ضمن قائمة خاصة تعكس تدهور مستوى الثقة الأمريكية في سلوك الدولة ومواطنيها على حد سواء. فبالنسبة للإدارة الأمريكية، بات الجزائري يُنظر إليه كمصدر محتمل لمشكلات الهجرة غير الشرعية، نظرا لارتفاع حالات تجاوز مدة التأشيرات وطلب اللجوء بعد الوصول، إضافة إلى تورط بعض الحالات في قضايا يعاقب عليها القانون الأمريكي.

هذا القرار لا يمكن فصله عن السياق السياسي والدبلوماسي المتأزم بين الولايات المتحدة والجزائر. فإلى حدود اليوم، لم تعين واشنطن سفيرا جديدا لها في الجزائر بعد انتهاء مهام السفيرة السابقة، في مؤشر إضافي على فتور العلاقات. وتؤكد مصادر متابعة أن التقارير التي تصل إلى الإدارة الأمريكية ترسم صورة قاتمة عن الأوضاع الداخلية في الجزائر، من قمع سياسي وسجن للنشطاء، إلى انسداد اقتصادي وارتفاع غير مسبوق في الهجرة غير النظامية.

وترى واشنطن أن السبب الجوهري وراء هروب الجزائريين من بلدهم يعود إلى ممارسات السلطة الحاكمة، وعلى رأسها الفساد المستشري داخل دوائر الحكم، وسوء إدارة الثروات، واحتكار القرار السياسي من قبل مجموعة ضيقة من الجنرالات والمسؤولين. هذه المعطيات جعلت الولايات المتحدة تعتبر أن الكفالة المالية ليست سوى عقوبة غير مباشرة تمس المواطن، لكنها في جوهرها رسالة سياسية للنظام.

على المستوى الإقليمي، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، ويتمثل في رفض الجزائر الانخراط في مسار تهدئة حقيقي مع جيرانها، خاصة المغرب. فالإدارة الأمريكية، خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، دفعت بقوة نحو تشجيع المفاوضات الإقليمية وحل النزاعات، غير أن الجزائر ظلت، حسب الرؤية الأمريكية، في موقع المعرقل لأي تسوية.

إضافة إلى ذلك، تتهم واشنطن النظام الجزائري بتبني خطاب كراهية ومعاداة حادة، سواء تجاه إسرائيل أو تجاه دول إقليمية اختارت مسارات دبلوماسية مختلفة. هذا الخطاب، مرفوقا بتدهور العلاقات مع دول محورية مثل فرنسا وإسبانيا ومالي، عزز قناعة صناع القرار في واشنطن بأن الجزائر تتجه نحو عزلة دبلوماسية خطيرة.

الرسالة الأمريكية واضحة: لا ثقة، لا تسهيلات، ولا تعامل تفضيلي مع نظام تعتبره واشنطن فاقدا للمصداقية. وحتى في حال تعيين سفير أمريكي جديد في الجزائر، تشير التقديرات إلى أنه سيكون سفيرا رقابيا أكثر منه دبلوماسيا تقليديا، مهمته الضغط والمتابعة لا المجاملة.

في المحصلة، يدفع المواطن الجزائري مرة أخرى ثمن سياسات نظامه، في وقت تزداد فيه مؤشرات الغضب الشعبي، وتتعاظم احتمالات انفجار اجتماعي قد تجد فيه القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فرصة لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم مصالحها.

هيئة التحرير / LEMED24