تحوّل توافد عشرات الآلاف من المشجعين الجزائريين إلى المغرب، تزامنا مع التظاهرات الكروية القارية، من مجرد حدث رياضي إلى لحظة كاشفة هزّت سردية كاملة ظل النظام الجزائري يروّج لها لعقود. فبعيدا عن الصورة النمطية التي صدّرتها أبواق الدعاية، وجد الجزائريون أنفسهم وجها لوجه مع مغرب حقيقي يختلف جذريا عمّا قيل لهم.

منذ الأيام الأولى، انتشر المشجعون الجزائريون في مختلف المدن المغربية، تنقّلوا بوسائل النقل العمومي، تعاملوا مع المواطنين، أقاموا في الأحياء، دخلوا الملاعب، وحضروا الفعاليات. هذه التجربة المباشرة أطلقت مقارنة تلقائية بين نمط العيش هناك وما يعيشونه في بلدهم. مقارنة لم تكن في صالح خطاب السلطة.

سقوط رواية “المغرب الفقير”

لسنوات، قيل للجزائريين إن المغرب دولة بلا موارد، تعيش الفقر والتهميش، ولا تملك شيئا يذكر. لكن الواقع الذي شاهده المشجعون كشف مدنا منظمة، طرقا وبنى تحتية، حدائق وفضاءات عامة، وأمنا يسمح للعائلات بالتنقل والاستمتاع بالحياة اليومية. هنا انفجر السؤال المؤلم: من يعيش الفقر الحقيقي؟ بلد بلا بترول ولا غاز أم دولة ريعية غارقة في سوء التسيير؟

اللافت أن المقارنة لم تكن مع دول الخليج أو أوروبا، بل مع بلد من شمال إفريقيا، يشترك مع الجزائر في التاريخ والجغرافيا والهوية الأمازيغية. شعب عادي بلا “قدرات خارقة”، لكنه استطاع أن يبني، بينما فشلت دولة تسبح فوق ثروات هائلة.

دولة الثروة بلا حياة

السكربت الذي تداوله صحفي جزائري وضع الإصبع على الجرح. الجزائر، رغم البترول والغاز ومداخيل بمليارات الدولارات، تعاني من مدن خانقة، غياب فضاءات نظيفة وآمنة، اقتصاد يرهق الناس، وقمع يجعل الكلمة ثمنها السجن. المواطن الجزائري لا يجد أين يخرج مع أسرته، ولا أين يستريح، بينما الأجهزة الأمنية تتصرف كسلطة فوق المجتمع.

في المقابل، ما رآه الجزائريون في المغرب هو حياة يومية بسيطة لكنها منظمة، مشاكل موجودة نعم، لكن هناك دولة تخدم مواطنيها بحد أدنى من الكرامة.

فشل الإنكار في عصر البث المباشر

حاول النظام الجزائري التقليل من وقع الصدمة، مدعيا أن ما يُرى “مجرد صورة مزيفة” أو “ديكور”. غير أن آلاف الشباب الجزائريين حملوا هواتفهم، صوّروا الشوارع، وثّقوا تنقلاتهم، وبثّوا مباشرة لأقاربهم داخل الجزائر. الكاميرا كسرت الرقابة، والواقع فضح الكذب.

هذه المرة، لم يعد بالإمكان احتكار الرواية. فالمشجع الذي دخل المغرب متأثرا بالدعاية، سيعود محمّلا بعلامات استفهام كبرى: أين ذهبت الثروة؟ لماذا هم تقدّموا ونحن تراجعنا؟ أين الخلل الحقيقي؟

الخسارة الأكبر للنظام

لم تكن المسألة مباراة أو بطولة. كانت معركة وعي، والنظام الجزائري خسرها. لأنه خشي منذ البداية أن ينظم المغرب هذه التظاهرة، وكان يعلم أن الجزائريين إذا رأوا بأعينهم، فلن تنفع الشعارات ولا التخويف.

اليوم، يعود الجزائريون بأسئلة محرجة، وبعضهم يعود معارضا، وآخرون حائرون، لكن أحدا لن يعود كما كان. وهذه بالضبط الخسارة التي كان النظام يخافها أكثر من أي شيء آخر.