ليست كرة القدم مجرد لعبة تُحسم بتسعين دقيقة، ولا مجرد كأس يُرفع ثم يُنسى، بل هي في منطقتنا مرآة صادقة لما تحاول السياسة طمسه، ولما تعجز الخطابات الرسمية عن قوله. ما صنعته الكرة بين الشعبين الجزائري والمغربي في السنوات الأخيرة، وتحديدا في لحظات الفرح والانتصار، أكبر بكثير من مباراة، وأعمق من بطولة. لقد أعادت شغفها المشترك الأمور إلى نصابها الطبيعي: شعبان بقلب واحد، مهما طال زمن القطيعة المصطنعة.
كلما تألق المغرب في الملاعب، خرج صوت جزائري صادق يصفق، لا نفاقا ولا مجاملة، بل لأن الفرح حين يكون حقيقيا لا يحتاج إلى جواز سفر. وكلما لعبت الجزائر مباراة مصيرية، لم يكن المغربي بعيدا عن المتابعة والدعاء. هذا التفاعل الشعبي العفوي كشف حقيقة يعرفها الجميع ويتجاهلها المتحكمون في المشهد: كرة القدم لم تفصل بين الشعبين، بل كشفت حجم القرب الذي حاولت السياسة دفنه.
المدرجات ومنصات التواصل صارت مساحة يلتقي فيها الجزائري والمغربي دون وسطاء، دون تعليمات، ودون رقابة. هناك، تسقط الشعارات الجوفاء، وتبقى الإنسانية البسيطة: فرح، دمعة، نشيد، وعلم يُرفع بحب لا بعداء. كرة القدم فعلت ما عجزت عنه مؤتمرات واتفاقيات وخطب رسمية استُهلكت دون أثر.
واليوم، ومع اقتراب انطلاق كأس أمم أفريقيا في المغرب، يعود السؤال بقوة: ماذا لو كانت هذه البطولة فرصة جديدة لكسر الجليد الشعبي نهائيا؟ ليس بين المنتخبات فقط، بل بين الشعوب. المغرب وهو يفتح ملاعبه، وبنيته التحتية، وشوارعه، يفتح معها نافذة أمل مغاربية طال انتظارها. الجماهير القادمة، ومن بينها الجماهير الجزائرية، لن تأتي كغرباء، بل كأهل يعرفون الأرض ويشبهونها.
كأس أفريقيا في المغرب ليست مجرد موعد رياضي، بل اختبار حقيقي لصدق هذا الترابط الشعبي. اختبار يثبت أن الشغف المشترك أقوى من الحدود، وأن الهتاف في المدرج أصدق من كل بيانات الخصومة. وإذا كانت السياسة تصر على إدارة الخلاف، فإن كرة القدم تذكّر الجميع بأن الشعوب اختارت، منذ زمن، طريقا آخر.
في النهاية، قد لا تغيّر كرة القدم الخرائط، لكنها تغيّر القلوب. وحين تتغيّر القلوب، يصبح الباقي مسألة وقت. المغرب مقبل على عرس أفريقي، والجزائري حاضر فيه بالقلب قبل الجسد، لأن ما جمعته الكرة لا يمكن فصله بقرار، ولا إسكاته بخطاب. هذه ليست رومانسية زائدة، بل حقيقة أثبتتها المدرجات، وأكدها الشغف، وسيعيد تأكيدها كأس أفريقيا في المغرب.
هيئة التحرير / LEMED24



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..