دخل تعديل قانون الجنسية في الجزائر رسميا حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية، في خطوة أعادت إشعال الجدل السياسي والحقوقي داخل البلاد وخارجها. فالنص الجديد، الذي يعدل قانون 15 ديسمبر 1970، يمنح السلطات صلاحيات واسعة لتجريد المواطنين من جنسيتهم الأصلية أو المكتسبة في حالات وصفت بأنها تمس بالمصالح الحيوية للدولة، لكنه في المقابل يثير مخاوف جدية من توظيفه ضد المعارضين والنشطاء في الخارج.

القانون ينص على إمكانية تجريد من اكتسبوا الجنسية الجزائرية إذا صدرت بحقهم أحكام قضائية تتعلق بجرائم تمس بأمن الدولة أو الوحدة الوطنية، أو إذا حُكم عليهم بعقوبات ثقيلة داخل الجزائر أو خارجها. غير أن أخطر ما حمله التعديل هو استحداث المادة 22 مكرر، التي وسعت نطاق التجريد ليشمل كل جزائري، سواء كانت جنسيته أصلية أو مكتسبة، في حال توفرت “دلائل قوية” على قيامه بأفعال خارج التراب الوطني تُعتبر معادية لمصالح الجزائر.

وتشمل هذه الأفعال عبارات فضفاضة من قبيل “إلحاق ضرر جسيم بمصالح الجزائر”، أو “إبداء الولاء لدولة أخرى”، أو “التعاون مع كيان معاد”، أو “المساس برموز ثورة التحرير”. كما أتاح النص إمكانية تجريد المواطن من جنسيته الأصلية حتى لو لم يكن يحمل جنسية أخرى، في حالات تتعلق بالخيانة أو التخابر أو الانتماء إلى تنظيمات إرهابية، ما يفتح الباب أمام حالات انعدام الجنسية، رغم التحفظات الدستورية والدولية بشأن ذلك.

الإجراءات الجديدة تتضمن توجيه إنذار للمعني ومنحه مهلة تتراوح بين 15 و60 يوما للامتثال، مع إمكانية التبليغ عبر الوسائل الإلكترونية أو النشر في الصحف الوطنية. كما أُنشئت لجنة خاصة لدى وزير العدل لدراسة ملفات التجريد، على أن يصدر القرار النهائي بمرسوم رئاسي.

غير أن خلفيات هذا التعديل لم تمر دون قراءة سياسية. فقد اعتبر الدبلوماسي والوزير السابق عبد العزيز رحابي أن النص يبدو أقرب إلى استجابة ظرفية لملفات بعينها، على غرار قضية الكاتب بوعلام صنصال، المدان بتهم تمس بالوحدة الوطنية، وكذلك ملف فرحات مهني، زعيم حركة “الماك” الانفصالية. وبرأي رحابي، فإن تضخيم حالات إعلامية محدودة وتحويلها إلى مبرر لتشريع بهذا الحجم قد يمنح هذه الشخصيات وزنا سياسيا لم تكن تحظى به، خاصة في منطقة القبائل، ويخدم في النهاية أجندات خارجية أكثر مما يخدم المصلحة الوطنية.

الانتقادات لم تقتصر على النخب السياسية، بل شملت أصواتا حقوقية حذرت من الصياغات العامة وغير المحددة في القانون، معتبرة أنها قد تفتح الباب أمام تأويلات واسعة تضر بحرية الرأي والتعبير. كما أشار بعض المعارضين إلى أن الدولة بعد الاستقلال، رغم مواجهتها لملف “الحركيين” المتعاونين مع الاستعمار، لم تلجأ إلى سحب الجنسية منهم، بل اكتفت بإجراءات إدارية، حفاظا على التماسك الوطني.

في المقابل، تدافع السلطات عن التعديل باعتباره أداة قانونية استثنائية لمواجهة ما تصفه بالتهديدات الخطيرة لأمن الدولة ووحدتها. وأكد وزير العدل أن الإجراء لا يطبق إلا في أضيق الحدود، ويستهدف الحالات المرتبطة بالخيانة أو التخابر أو الإرهاب، خاصة حين يُستغل حمل جنسية ثانية للإضرار بالجزائر.

لكن في سياق سياسي يتسم بتضييق متواصل على الأصوات المعارضة، يبقى السؤال مطروحا بقوة: هل سيبقى سحب الجنسية إجراء نادرا مرتبطا بحالات أمنية قصوى، أم سيتحول إلى سيف مسلط على رقاب المعارضين في الداخل والخارج؟

القانون دخل حيز التنفيذ، والاختبار الحقيقي لن يكون في نصوصه بل في طريقة تطبيقه. فبين من يراه تحصينا للدولة، ومن يعتبره أداة لإعادة رسم حدود الانتماء السياسي بالقوة، تبدو الجزائر أمام مرحلة جديدة قد تعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمواطنة، في بلد لا تزال فيه معركة الشرعية السياسية مفتوحة على كل الاحتمالات.