في خطوة أثارت تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية، سارعت السلطات الجزائرية إلى توقيع اتفاقية للتبادل الحر مع أوكرانيا، في وقت تشهد فيه العلاقات بين المغرب وروسيا تقاربًا استراتيجيًا غير مسبوق، تُوج بسلسلة من الاتفاقيات في مجالات الطاقة والأمن والاستثمار.

ويرى مراقبون أن هذا التزامن ليس عابرًا، بل يحمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية واضحة، إذ يسعى النظام العسكري الجزائري إلى مغازلة كييف في محاولة للضغط على موسكو، حليفه التاريخي، بعد أن أبدت الأخيرة مواقف أكثر اتزانًا في ملف الصحراء المغربية خلال الأشهر الأخيرة.

تحرك سياسي أكثر منه اقتصادي

من الناحية الاقتصادية، تبدو الاتفاقية الجزائرية الأوكرانية رمزية أكثر منها عملية، خاصة أن أوكرانيا تعيش منذ أكثر من ثلاث سنوات حربًا مدمرة أثرت على بنيتها التحتية وقدرتها التجارية.
أما الاقتصاد الجزائري، القائم أساسًا على الريع النفطي، فيفتقر إلى دينامية الانفتاح التجاري الضرورية لتفعيل اتفاق تبادل حر فعلي، ما يجعل الخطوة أقرب إلى رسالة سياسية موجهة للكرملين منها إلى مشروع اقتصادي جاد.

وتسعى الجزائر، من خلال هذه الخطوة، إلى إظهار قدرتها على المناورة والانتقال نحو معسكرات جديدة إذا لم تتجاوب موسكو مع مطالبها، خصوصًا فيما يتعلق بدعم موقفها الإقليمي تجاه المغرب.

تراجع الدور الجزائري في المنطقة

في المقابل، يعيش النظام الجزائري حالة انكماش دبلوماسي متزايد على الساحتين الإفريقية والدولية، بعد فشل رهاناته في منطقة الساحل وتراجع تأثيره داخل الاتحاد الإفريقي، نتيجة الحركية المتصاعدة للدبلوماسية المغربية التي استطاعت تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في القارة.

أما على صعيد العلاقات الجزائرية الروسية، فقد بدأت ملامح فتور واضح تظهر في السنوات الأخيرة، إذ لم تعد الجزائر الشريك الموثوق الذي يمكن لروسيا الاعتماد عليه. فبعد أن كانت من أبرز مستوردي السلاح الروسي، بدأت تبحث عن تنويع مصادر تسليحها، كما تجنبت في عدة مناسبات الاصطفاف العلني إلى جانب موسكو داخل المحافل الدولية.

خطوة تعبّر عن سياسة رد الفعل

ويرى محللون أن هذا التحرك يعكس طبيعة السياسة الخارجية الجزائرية، التي تتحرك بمنطق ردّ الفعل بدل التخطيط الاستراتيجي. فكل تقارب مغربي مع قوة دولية كبرى، يُقابَل بمحاولة جزائرية لخلق توازن رمزي ولو على حساب مصالحها الواقعية.
وفي هذا السياق، يبدو التقارب مع أوكرانيا أداة ضغط ظرفية أكثر منه خيارًا استراتيجيًا محسوبًا.

بهذه المناورة الجديدة، يكرّس النظام الجزائري صورته كفاعل يفتقر إلى رؤية دبلوماسية مستقرة، مفضلاً التحركات الدعائية التي لا تحقق مكاسب ملموسة.
فالرهان على اتفاق مع أوكرانيا، في ظل تدهور الوضع الاقتصادي الداخلي وتراجع مكانة الجزائر في المشهد الدولي، لا يبدو سوى محاولة سياسية يائسة لإرباك الخصوم، وفي مقدمتهم المغرب، دون أن توفر للجزائر أي مكسب استراتيجي حقيقي.